(2) صحيح البخاري ، ح/ 2909 .
(3) صحيح البخاري ، ح/ 4418 .
عبد الحكيم بن محمد بلال
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على نبي الهدى، ومن بهديه اهتدى ، وبعد:
فإن الفلاح مطلب العاملين، وقد رتبه الله - تعالى - على تزكية النفس وتربيتها وتطهيرها، فقال - عز وجل: (( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى ) ) [الأعلى: 14] ، وقال: (( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا )) [الشمس: 9 ، 10] .
وقد بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - معلمًا ومربيًا، فقال: (( هُوَ الَذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) ) [الجمعة: 2] ، فكان - صلى الله عليه وسلم - يتعاهد نفوس أصحابه بالتربية والتزكية.
وإن إصلاح النفوس وتزكيتها دأبُ السائرين إلى الله - تعالى: الأنبياء وأتباعهم ، فقد كان - صلى الله عليه وسلم- يكابد من دعوة قومه الشدائد، فإذا أظلم الليل انتصب لربه راكعًا وساجدًا، يسأله ويرجوه، ويخضع بين يديه ويتذلل له، وقد كان قيام الليل واجبًا على المسلمين عامًا كاملًا، وذلك لما له من أثر في إصلاح القلب، وانطلاقة المسلم وثباته ـ في آنٍ معًا ـ، مما يجعله ضرورة ملحة لا غنى عنها.
ومن ثَم: كان واجب كل مسلم ، ـ وخاصة المشتغلين بالعلم والدعوة ـ أن يجعل من أكبر همه إصلاح نفسه وتهذيبها، وتعاهدها في صلته مع الله، وأخلاقه وسلوكه مع الخلق، ويجعل من ذلك منطلقًا لدعوة الناس وإصلاحهم.
التخلية والتحلية والمجاهدة:
من أعظم قواعد تربية النفس: تخليتها من اتباع الهوى؛ فإن اتباع الهوى موجب لأمراض لا حصر لها، وعلّة المرض لا تعالج إلا بضدها، فالطريق لمعالجة القلوب: سلوك مسلك المضادة لكل ما تهواه النفس وتميل إليه ، وقد جمع الله ذلك كله في كلمة واحدة ، فقال - عز وجل: (( وَأَمَّا منْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى(40) فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى )) [النازعات:40،41] ، وقال: (( وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا... ) ) [العنكبوت: 69] .
والأصل المهم في المجاهدة: الوفاء بالعزم ، فإذا عزم على ترك شهوة،وابتلاه الله وامتحنه بتيسير أسبابها، فالواجب الصبر والاستمرار، فإن النفس إذا عُوِّدت ترك العزم ألفت ذلك، فَفَسَدَت.
ثم يتعين بعد ذلك: تحلية النفس وتعويدها على الخير، حتى تألفه ويكون سجية لها، قال:"إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم ، ومن يتحرّ الخير يُعطَه، ومن يتق الشر يوقه"."صحيح الجامع ، فإن الأعمال لها أثر يمتد حتى يصل إلى القلب، فكما أن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح: فإن كل فعل يجري على الجوارح قد يرتفع منه أثر إلى القلب، والأمر فيه دَوْر، وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح."
فإذا ما تمت تخلية النفس من اتباع الهوى وتحليتها بفعل الخيرات والفضائل: وجب بعد ذلك أن يَنْصبّ الاهتمام على متابعة النفس في فعل الواجبات والمستحبات،وترك المحرمات والمكروهات والنية في المباحات، فإن النفس من طبعها الكسل والتراخي والفتور.
قال:"لكل عمل شَرّة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح ، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك""المسند: 2/21 ، وصحح أحمد شاكر إسناده، وانظر: صحيح الجامع، ح/ 2152 ."
قال ابن القيم - رحمه الله:"تخلل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد ، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في محرم، رُجي له أن يعود خيرًا مما كان" (انظر أيضًا بمعنى هذا الكلام: مدارج السالكين، جـ3، ص(5) .
درجات الفتور:
إذن: فالفتور أمر لا بد منه، ولكن الفتور درجات وأقسام:
1-أخطرها كسل وفتور عام في جميع الطاعات، مع كره لها، وهذه حال المنافقين.
2-ثم كسل وفتور في بعض الطاعات، مع عدم رغبة، دون كره لها، وهذه حال كثير من فساق المسلمين.
3-كسل وفتور سببه بدني، فهناك الرغبة في العبادة، ولكن الكسل والفتور مستمر، وهذه حال كثير من المسلمين.
والخطير في هذه الحالة أن العمر يمضي، والأيام تنصرم دون إنتاج ولا عمل يذكر،والأخطر من ذلك: الانتقال إلى حالة أشد منها، فتعظم المصيبة، أو يقع الشبه بالمنافقين في التكاسل عن الطاعات، والتثاقل عن الخيرات؛ لذا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من العجز، ومن الكسل في الصباح والمساء، ويعلم أصحابه أن يستعيذوا منه.
وقد عاتب الله المؤمنين في تثاقلهم عن الجهاد،ودعاهم إلى المسارعة والمبادرة إلى الخيرات، ورغبهم في جزاء السابقين المسارعين إلى الخيرات، وبيّنه لهم.
الداعية والفتور:
والفتور والكسل داء يدب في الناس على مختلف درجاتهم، وأخطر ما يكون على الدعاة وطلبة العلم ، مما يجعل تفاديه قبل حلوله، أو تلافيه بعد نزوله أمرًا ضروريًّا، والدفع أسهل من الرفع.
ومن هنا: وجب تعاهد النفس؛ لئلا تقع في فتور ينقلها من مرحلة إلى مرحلة، فيتعسر الداء، وتصعب المعالجة؛ لأن أمراض النفس كالنبتة، أسهل ما يكون قلعها وإزالتها أول نباتها، فإذا ما تركت أخذت في النمو والكبر والثبات في الأرض، حتى يحتاج قلعها إلى الرجال والفؤوس، وكذلك أمراض القلوب: تبدأ في ظواهر يسيرة، فإذا أهمل صاحبها علاجها تمكنت منه حتى تكون هيئات راسخة، وطباع ثابتة.
لذلك: كان الواجب علينا ـ معشر الدعاة ـ أن نتفحص أنفسنا ، ونتأمل أحوالنا: هل نجد شيئًا من مظاهر الفتور؟، فنبادر إلى معرفة الأسباب والسعي في العلاج.
مظاهر الفتور:
مظاهر الفتور كثيرة، منها:
ـ التكاسل عن الطاعات، والشعور بالضعف والثقل أثناء أدائها، والغفلة عن الذكر، وقراءة القرآن.
ـ الشعور بقسوة القلب، وضعف تأثره بالقرآن والمواعظ .
ـ التساهل في ارتكاب المعاصي وإلفها.
ـ عدم استشعار المسؤولية والأمانة، وضعف هم الدعوة في القلب.
ـ انفصام عرى الأُخُوّة بين المتحابين.
ـ الاهتمام بالدنيا، والانشغال بها عن فعل الخير.
ـ كثرة الكلام الذي لا طائل تحته، وكثرة الجدال والمراء، والحديث عن الأمجاد، والمشكلات، والانشغال بذلك عن العمل الجاد والمثمر المفيد للأمة.
ـ ضعف جذوة الإيمان، وانطفاء الغيرة على محارم الله.
ـ ضياع الوقت، وعدم الإفادة منه.
ـ عدم الاستعداد للالتزام بشيء، والتهرب من كل عمل جدي.
ـ الفوضوية في العمل.
ـ خداع النفس؛ بأن يتوهّم بأنه يعمل، لكنه في الحقيقة فارغ، أو عمله بلا هدف.
ـ النقد لكل عمل إيجابي.
ـ التسويف، والتأجيل، وكثرة الأماني.
أسباب الفتور:
وإذا تساءلنا: ما أسباب هذا الفتور الذي نعاني منه، وما دواعيه؟، فالجواب: إنها كثيرة، متفاوتة في الأهمية، ومنها:
ـ عدم الإخلاص في الأعمال، أو عدم مصاحبته؛ بأن يطرأ الرياء على الأعمال.
ـ ضعف العلم الشرعي؛ فيضعف علم فضائل الأعمال وثوابها، وفضل الصبر وأثره، ونحو ذلك.
ـ تعلق القلب بالدنيا ونسيان الآخرة.
ـ فتنة الزوجة والأولاد، فإنها ملهاة عن كثير من الطاعات، إذا لم ينتبه لها.
ـ عدم فهم الدين نفسه، وهذا غريب! ، والأغرب: أن يفهم طبيعة الدين، ويتذوق حلاوة الإيمان، ثم ينصرف عن العمل في ميدانه.
ـ الوقوع في شيء من المعاصي والمنكرات، وأكل الحرام أو المشتبه بالحرام.