لذلك يجب أن ندرك و نؤمن بأن الأسئلة الجيدة تخلق حياة جيدة .وأن حياتنا على الأرض ما هي إلا انعكاس لما يشغلنا من تساؤلات . ولنسترجع سويا نشأت ذلك الفتى الذي كان يدعى روزبه بن خشنودان. ذلك الفتى الذي كان يعبد النار في بلاد فارس . إلا انه كان يشعر بتفاهة هذا المعبود . وظل يؤرقه سؤالا:
= أين الحقيقة ؟
= وما هو المعبود الحق في هذا الوجود ؟
= وما هو الدين الصواب على وجه هذه البسيطة ؟
اخذ يسال.. ويسأل .. ويتنقل .. ويتتبع ..ويقتفي اثر الحقيقة المفقودة . وفي سبيل ذلك قطع آلاف الأميال من بلاد فارس إلى بلاد الشام. تنقل ما بين الموصل , ونصيبين , وعمورية. ثم استقر به المقام في وادي القرى ما بين الشام والمدينة . وبعد هذا البحث شاء الله له أن يذهب إلى يثرب. وهناك تعرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم .الذي أضاء له الطريق ووضح له الحقيقة كل الحقيقة .
فلولا تلك العقلية المتسائلة عند روزبه بن خشنودان - والذي عرف في تاريخنا الإسلامي بعد ذلك بسلمان الفارسي -لما توصل إلى تلك الحقائق العظيمة التي توصل إليها . لولا تلك العقلية لما تغيرت حياته من خادم للنار في بلاد فارس إلى"سلمان منا أهل البيت". ويا له من فضل. . لولا تلك العقلية المتسائلة لظل الفتى يحيى في واقع بئيس و لعاش الفتى ومات كما تعيش الخراف و تموت .
ولولا تلك العقلية المتسائلة ما سمعنا عن بل جيتس.أحد مؤسسيي شركة مايكروسوفت و رئيس مجلس إدارتها الحالي و كبير مصممي برمجياتها. الذي يعتبر أغنى شخص في العالم في العشر سنوات الأخيرة والذي بلغت ثروته في سبتمبر 2005 حوالي 51 مليار دولار. بل جيتس الذي أصبح بليونيرا عند بلوغه الواحد والثلاثين من عمره ! .
لولا تلك العقلية المتسائلة ما سمعنا هنري فورد الرأسمالي الأميركي الشهير ومؤسس مصانع فورد الشهيرة لصناعة السيارات والذي بلغ دخل شركته- التي تعد واحدة من أضخم شركات العالم في إنتاج السيارات- في نهاية 2005 مائة وثمان وسبعين مليار دولار وهو بكل تأكيد رقم ضخم وكبير .
لولا تلك العقلية المتسائلة ما سمعنا عن عالم الفيزياء المشهور ألبرت اينشتاين واضع النظرية النسبية العامة الشهيرة والحائز على جائزة نوبل 1921م . والذي كان يؤمن بأن أهم شيء في هذه الحياة هو: ألا تتوقف عن التساؤل.
إن هؤلاء جميعا - وغيرهم - بدءوا بدايات عرجاء . إلا أنهم كانوا أصحاب عزيمة صادقة وعقليات متسائلة . وان النجاحات الباهرة التي حققوها - وأنت أيضا يمكنك ذلك -إنما سبقتها أسئلة جيدة . وجهد وكد في البحث عن إجابات جيدة عن تلك الأسئلة ."فالأسئلة أداة سحرية لا يمكن إنكار قوتها .فهي تسمح للقوى الكامنة في أدمغتنا بالالتقاء مع رغباتنا . إنها النداء الذي يدعو إمكانياتنا العملاقة للاستيقاظ . إن الفرق بين الناس إنما يكمن في الفرق في الأسئلة التي يطرحونها باستمرار".لذلك -"إذا أردنا أن نغير نوعية حياتنا فعلينا أن نغير الأسئلة التي اعتدنا عليها"لان -"السؤال الجيد غالبا ما يتبعه إجابات جيدة". بمعنى آخر"الجواب الجميل هو لمن يطرح سؤالا أكثر جمالا". لذلك -"لكي تغير حياتك نحو الأفضل فعليك أن تبدل أسئلتك المعتادة". ( راجع باب: الأسئلة هي الأجوبة من كتاب: أيقظ قواك الخفية- لأنتوني روبنز)
إن الواقع المنهار الذي يعيشه كثير منا كأفراد أو كجماعات أو كأمم إنما يحتاج إلى حلول عميقة . وهذه الحلول العميقة لا يكمن أن تخرج إلا من رحم الأسئلة العميقة.
وتلك الأسئلة العميقة لا يمكن أن تصدر إلا عن عقليات متفتحة غرست فيها ثقافة السؤال .وتعي فقه الواقع في قول الله عز وجل"فاسألوا أهل الذكر إن كنم لا تعلمون". (الأنبياء-7)
إن خلق تلك العقلية في الأمة يحتاج إلى جهود مخلصة تعمل جاهدة على توفير مناخ صحي يساعد على غرس ثقافة السؤال عند أبناء المسلمين في مدارسهم , في معاهدهم , في مناهجهم , في مساجدهم . في طرق التدريس والتعليم , والتقويم . في طرق التفكير , والنقد والإبداع .
على المربين والآباء أن يفتحوا الأبواب واسعة أمام العقليات المتسائلة . فكثير من التطورات التي طرأت على عدد من الأمم كانت وراءها عقول متسائلة . وكثير من المجتمعات ارتقت وسمت نتيجة لتفشي ثقافة السؤال بين أبنائها . وكثير من الإفراد الذين تميزوا كانوا أصحاب عقول متسائلة . لذلك يجب علينا أن نسعى جاهدين إلى نشر هذه الثقافة في كل مؤسساتنا, وألا تضيق صدورنا من جراء ذلك .فثقافة السؤال هي الوحيدة القادرة على إحداث حراك إيجابي ينتشل الأمة من حيرتها ويعيد إليها شبابها ومجدها .
وفي النهاية دعني أسألك:
= ما الهم الذي تحمله ؟
= وما هو السؤال الذي يشغلك ويؤرقك الآن ؟
= وهل لديك الاستعداد الكافي للكد والسعي وراء البحث عن إجابات عن هذا السؤال ؟.
إذا كان الأمر كذلك فابدأ رحلتك من ألان . وإذا كان الأمر غير ذلك"فتذكر إن عقلك مثل جني فانوس علاء الدين . وانه لن يعطيك إلا ما تطلبه منه . لذا عليك أن تكون حريصا فيما تطرحه من أسئلة. إذ انك لن تجد إلا ما تبحث عنه".وتذكر أن من اعتاد طرق الأبواب حتما سيدخلها .
طارق حسن السقا
محمد شاكر الشريف
تقديم فضيلة الشيخ
عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين
العلمانية
وثمارها الخبيثة
الحمد لله رب العالمين قيوم السموات والأرضين مدبر الخلائق أجمعين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الملك الحق المبين ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، الصادق الأمين ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد .. فهذه مقالة مقتضبة ، كتبها بعض العلماء في طائفة وفرقة خرجت في هذه الأزمنة ، وتمكنت في الكثير من دول الإسلام ، ألا وهي فرقة ( العلمانية ) ، التي يظهر منها الحب ، والوئام لأفراد الأمة ، ولكنها تظهر أحيانًا خفايا تضمرها تنبئ عن حقد ، وشنآن للدين الإسلامي ، وتعاليمه ، وتتنكر للحدود الشرعية ، وللعبادات ، والمعاملات الدينية ، وتجعل جل هدفها المصالح ، والشهوات النفسية ، وترى عزل الدين عن الدولة ، وترمي المتمسكين به بالتخلف ، والجحود ، والتأخر ، ولاشك أن هذه الطائفة أخطر على الأمة من المنافقين الأولين ، ومن كل الطوائف المنحرفة .
ولقد أبان الكاتب وفقه الله جُلَّ أهداف هذه الفرقة الضالة ، وأكبر خطرها .. فجدير بالمسلم أن يأخذ حذره ، وأن يعرف عدوه ، وأن يبعد بنفسه ، وبإخوانه عن أمثال هؤلاء العلمانيين ، ليسلك سبيل النجاة .. والله الموفق الهادي إلى سبيل الرشاد .
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين
المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .
أما بعد:
فإن أمتنا الإسلامية اليوم تمر بقترة من أسوأ فترات حياتها ، فهي الآن ضعيفة مستذلة ، قد تسلط عليها أشرار الناس من اليهود والنصارى ، وعبدة الأوثان ، وما لذلك من سبب إلا البُعد عن الالتزام بالدين الذي أنزله الله لنا ، هداية ورشادًا ، وإخراجًا لنا من الظلمات إلى النور .
وقد كان هذا البُعد عن الدين في أول أمره مقصورًا على طائفة من المسلمين ، لكنه بدأ الآن ينساح حتى تغلغل في طائفة كبيرة من الأمة ، وقد كان لانتشار العلمانية على المستوى الرسمي والمستوى الفكري والإعلامي الأثر الأكبر ، في ترسيخ هذا البُعد وتثبيته ، والحيلولة دون الرجوع مرة أخرى إلى نبع الهداية ومعدن التقوى .