6 -ومن أعظمهم شيطنة، ومن أشدهم خبثًا على الإطلاق من يعمل على إزاحة الناس عن ملة إبراهيم، وعن شريعة محمد عليهما الصلاة وأتم التسليم. إنك لتجد الشيطان الإنسي مرهقًا متعبًا، يلهث كما يلهث الكلب، لنشر دعايته، وترويج فكرته، وينفق الأموال الطائلة للصد عن سبيل الله: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [36] } [سورة الأنفال] .
فكن أيها المسلم على حذر ويقظة مما يقذف إليك سرًا وجهرًا، وظاهرًا وباطنًا، واجعل كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام هما الميزان الذي تزن به كل شيء، وكل أحد. فإذا أعجبك كلام أحد أو تبجحه بدعوى الإصلاح، فلا تجعل له في قلبك مجالًا حتى تنظر في سيرته وأعماله، وتقارن ما يقول بما يفعل:
فإذا كانت أعماله على وفق كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ورأيته حاملًا رسالة الله آخذًا بكتابه، عاملًا لنصرة دينه، مدافعًا عن قضايا المسلمين في كل قطر؛ فذلك من حزب الله.
وإن رأيت أن أحواله وأعماله كحال المنافقين التي كشفها الله في القرآن، وأن ما يدعيه مجرد مزاعم يتاجر فيها بعقول الناس، ويلعب بعواطفهم، وأن أعماله ومبادئه مستمدة من الشرق، أو الغرب؛ فذلك شيطان، من جند إبليس، ودعاة الضلال مهما كبرت مكانته، أو كثرت كتبه ومقالاته، أو كثر أتباعه والمجندون لمبادئه، فإن الله تعالى يقول: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... [116] } [سورة الأنعام] .
لقد جرى للمختار بن عبد الله الثقفي الكذاب مما نقرأ في كتب التاريخ ما جرى، وراج أمره بحجة الأخذ بالثأر حتى كشفه الله وأهلكه وأخزاه، ونقرأ في التاريخ ما جرى من أبي مسلم الخراساني ما أنجح خطته، ثم أهلكه الله على يد الذين سعى من أجلهم.
ونقرأ في التاريخ - وكل هذه صور حية لبعض النوعيات من الشياطين- نقرأ ما جرى من فتنة العبيديين الباطنيين والقرامطة في مصر والشام والأحساء والحجاز ماجرى، حتى ادعى بعضهم الألوهية، وقتل الحجاج، وصعد كبيرهم الكعبة صارخًا بأنه الله الذي يحيي ويميت، فسلط الله الآكلة في جسده، حتى هلك شر هلكه.
ونقرأ في التاريخ ما جرى من النصيرية، وطغاة المبتدعة الذين صاغتهم سياسة اليهود الماكرة فظائع عظيمة، كشف الله غمتها، وأراح أهل دينه منهم.
ثم تنوعت أساليب سياستهم في القرون الأخيرة بأنواع الغزو الثقافي الفكري: فنقرأ في التاريخ أنهم نبشوا النعرات القومية في أنحاء أوربا، وركزوا جهودهم في تركيا، لنبش القومية الطورانية التي بسببها تنكر حكامها للإسلام والمسلمين، مما سهل لليهود، وأذنابهم من النصارى، وتلاميذهم بث النعرة العصبية في العرب، فتولى كبرها بعض الشياطين، وتم نشرها في وقت سريع أحدثوا تحت شعاراتها كثيرًا مما يهدم ملة إبراهيم، ويناقض شريعة الإسلام، ويمزق القرآن تمزيقًا معنويًا، فحصل من جراء ذلك في تركيا وغيرها من بلاد المسلمين شر كبير وفتنة، تتغلغل إلى أكثر الأدمغة.
وورائها شياطين يبذلون ما يبذلون في نشرها وترويجها .. فهلك من هلك من أولئك الشياطين، وسطر لنا التاريخ قبيح أفعالهم، فبقيت فيهم وصمة عار إلى قيام الساعة، وكذلك شياطين هذا الزمان ممن أكمل المشوار، وسار على خطى من قبله، سيكتب التاريخ عليهم كل شيء، وسيأتي اليوم، التي تعرف فيه الأجيال، أسماء وطرق وأساليب وحيل جميع شياطين هذا الزمان، بل سيزيد الأمر فضيحة لأنها ستكون موثقة بالأرقام والإحصائيات، والوثائق، بخلاف كتابة التاريخ في الماضي، فإنها كتابة عامة. لكنه أولًا وأخيرًا كتابة التاريخ.
فعليك أيها المسلم: بمعاداة من هذه صفاته، وإن قال ما قال، وادعى ما ادعى، فإنه من شياطين الإنس، الذين هم أضر من ابليس أبي الجن وذريته.
وإذا كان الله أمرنا بالاستعاذة من جنس الشيطان: من همزه ونفثه ونفخه، ورفض خطواته عمومًا، فأمره يدل بطريق أولى على معاداته ومنابذته في كل شيء، فواجب المسلم أن يتعوذ بالله متبرئًا من الشيطان:
من همزه: الذي يكون بالوسوسة والإغراء على الشر بجميع الوسائل، مقروءة ومسموعة، مرئية ومشاهده.
وكذلك من نفخه: الذي يكون بغرس الكبر، بأن يقذف في روع الإنسان أنه من نوع كذا، أو أنه من عنصرٍ سام، فيلهب صدره بالقومية الفلانية، أو النعرة الفلانية، أو يطغيه بمركزه، فيجعله بهذا، أو ذاك معرضًا عن الحق، ساعيًا بالباطل كما وصف الله بعضهم بقوله: ... إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ... [56] } [سورة غافر] .
ومن نفثه: بالشعر، والكلمات الرنانة المغرية على السير بالباطل، والتمادي فيه، معتقدًا نجاح طريقته، بهذا النفث في آذان الناس ... وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ... [4] } [سورة المنافقون] . فإن الكثير من الناس يُخدع بالكلام المعسول .. هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ [221] تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [222] يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [223] } [سورة الشعراء] .
لقد تفاقم شر الشاطين في هذا الزمان، إلى حد أنهم أراحوا الأبالسة من الجن في كثير من الأمور، وأراحوا شياطين الاستعمار في كثير من المهام. فصارت فتنتهم أشد من القتل؛ وذلك لأنهم احتسوا من قيح الاستعمار ودمه وصديده، فأخذوا يمجونه على القلوب الطاهرة، وتجرءوا على ما لم يتجرأ عليه المستعمر قولًا، وعملًا، وتنفيذًا، وفتنة.
وشياطين الجن مهدوا السبيل لهم بإحراق ما قدروا على إحراقه مما في الإنسان من مواهب الخير، أو طمسها، أو تصدئتها، بحيث يكون قلب غُلفًا بذلك، مما تقذف به شياطين الإنس وتحشوه من الباطل.
فأكثر أيها المسلم من الإستعاذة، متبعًا لها بالحذر واليقظة، والعمل الدائم لإعلاء كلمة الله، وحفظ حدوده، وأشغل نفسك في جميع أوقاتك بطاعته، كيلا تجعل للشيطان مجالًا، أو فراغًا ينفذ منه، فلا يحصل له عليك سلطان.
وإن خير ما شغل به المسلم نفسه، للتصدي لهذا الشيطان بعد إقامة أركان الإسلام: الدعوة إلى الله عز وجل، والعمل للإسلام، والبذل للدين، ومن جملة العمل: التصدي لهؤلاء الشياطين بفضح خططهم، وتوضيح أساليبهم، وتحذير الناس منهم، تحذيرًا عامًا وخاصًا، واستغلال بعض المناسبات لتحذير الناس من شر هؤلاء الشياطين، وتبيين مدى خطرهم.
والمفرّط في دينه، إما بترك بعض الطاعات، أو إرتكاب بعض المخالفات، أو الغفلة والجهل بهؤلاء الشياطين، فإنه لابد من استيلاء الشيطان عليه، من بعض النواحي والجوانب، والمعصوم من عصمه الله. فنسأل الله أن يقينا شر أنفسنا، وشر الشيطان وشركه. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين من شياطين الإنس والجن بسوء فأشغله بنفسه, واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدبيرًا عليه يا رب العالمين.
من خطبة:'شياطين الإنس' للشيخ/ناصر الأحمد
عدد 1603 ـ جمادى الآخرة 1425 هـ