فهرس الكتاب

الصفحة 1567 من 3028

(1) وأجد هذا مناسبًا للإشارة إلى ملاحظة غاية في الاهمية ، في طريقة الأستاذ ومنهجه في الكتاب والتأليف ؛ فهو يتأنى ويتأنق في كتبه ، فيكتبها بعد أن تنضج الفكرة ثم يراجعها ويعيد مراجعتها وقد يتوقف الكتاب عن النشر سنوات تبلغ عِقدين أو ثلاثة - يُصدر أثناءها عددًا من الكتب والدراسات - لأنه يحتاج إلى مراجعة أو إضافة وهذا يعني أنه يخرج للقراء كتابًا ناضجًا ، وبحثًا نافعًا ، يمكث في عقول الناس وقلوبهم ، كما يحتل مكانه اللائق في مكتباتهم ولعل في ذلك درسًا لأصحاب الزبد من الكتب ، الذين يتطلعون لإصدار كتاب جديد كل شهر ، ليضربوا بذلك رقمًا قياسيًا في عدد المؤلَّفات والمنشورات ! ، يسودون أوراقًا يزعمونها تأليفًا ، ثم يقذفون بها لتخرج كتابًا (خديجا) ، لا غَناء فيه ولا خير ، وإن كان فهو غناء قليل ! والكتب كالإبل ، مائة لا تجد فيها راحلة ، وهذه الكتب مائة لا تجد فيها كتابًا !. عثمان.

* المصدر: مجلة البيان العدد 63

كانت المجلة العربية قد تفضلت مشكورة في عددها رقم 277 من شهر صفر 1421هـ بنشر مقالي الموسوم بـ: ما سبب إعجابنا بالتاريخ الغربي؟ وقد تضمن المقال إيراد الأسباب والوقوف عليها، وختمناه بتساؤل مفاده: كيف يمكننا إعادة الأنظار إلى تاريخنا الإسلامي المجيد، الذي سيكون موضوع هذا المقال.

ووفاء بالوعد وبعد مرور هذه الفترة سأحاول الإجابة على السؤال المطروح أعلاه، من خلال محاولتي إعادة تسليط جزء من الضوء في هذا المقال على العوامل التي تسهم في إعادة الأنظار إلى التاريخ الإسلامي، ومنها:-

أولًا: اعتماد المصادرالشرعية وتقدمها على كل مصدر:

وذلك أن القرآن الكريم كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد تكفل الله بحفظه من التحريف أو الزيادة والنقصان {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (1) ، والقرآن قطعي الثبوت آية آية وكلمة كلمة، ويأتي بعد القرآن في قوة الثبوت الحديث الشريف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم - كما أخبر عنه- لا ينطق عن الهوى. وفي الكتاب والسنة ورد كثير من الأخبار التاريخية القديمة كسير الأنبياء ومواقف أقوامهم منهم أو الأخبار المعاصرة لنزول الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

كما يجب عدم التسليم لكل ما ورد في الكتب السابقة على القرآن فهذه الكتب السماوية لنزول القرآن منسوخة الشرائع والأحكام بهذه الشريعة الخاتمة، أما أخبارها وقصصها فهي مترددة بين الصواب والخطأ لثبوت وقوع التحريف والزيادة والنقص من اليهود والنصارى (2) .

ثانيًا: إعادة كتابة بعض أحداث التاريخ الإسلامي:

إن الدعوة لإعادة كتابة أو عرض وتحليل التاريخ الإسلامي لا تعني بالضرورة البدء من نقطة الصفر أو الرفض المطلق للصيغ التي قدمها مؤرخونا ومحاولة قلب معطياتهم رأسًا على عقب ومن يخطر على باله أمر كهذا فهو ليس من العلم في شيء والمقصود -شيء آخر يختلف بالكلية- منهج (عدل) يتعامل مع معطيات الأجداد بروح علمية مخلصة، فيتقبل ما يمكن تقبله، ويرفض ما لا يحتمل القبول، ويقدر عطاء الرواد حق قدره، دون أن يثنيه ذلك عن متابعة آخر المعطيات المنهجية والموضوعية التي يطلع علينا بها العصر الحديث، وأشدّها صرامة، موقف وسط يرفض الاستسلام للرواية القديمة ويأبى إلغاءها المجاني من الحساب. (3)

وحول سبب إعادة كتابة التاريخ الإسلامي يقول الدكتور محمد قطب: إذا نظرنا إلى المصادر الإسلامية القديمة التي كتبها كبار المسلمين نجد فيها ذخيرة ضخمة من الأخبار والوقائع والروايات، تصلح زادًا للباحث المتعمق، ولكنها -بصورتها الراهنة- لا تصلح للقارئ المتعجل الذي يريد أن يجد الخلاصة الجاهزة، ممحصة، سهلة الاستيعاب، سهلة الهضم. (4)

ولا بد لنا ونحن ندعو إلى ضرورة التفكير في إعادة كتابة التاريخ من جديد وعرضه عرضًا سليمًا للأجيال وتمحيصه بأسلوب علمي هادف، من وضع منهجية سوية وقواعد موضوعية هدفها تقديم الحقيقة في قالب يجمع الصواب الذي يعرض، والأسلوب الذي لا يعود على الأمة في مختلف عصورها بالإحباط ويقودها إلى مزيد من الفرقة والتمزق والضياع. (5)

أن التاريخ ليس شيئًا يكتب مرة واحدة ولكنه مادة تكتب مئات المرات، وتعاد كتابتها باستمرار، سواء بسبب ظهور معلومات مستجدة عن أي صفحة من صفحات التاريخ أو بسبب تطور في مذاهب التاريخ وفلسفاته، وظهور أدوات مؤرخ يجد في نفسه القدرة والرغبة على أن يدلي بدلوه في التعرض لموضوع ما من موضوعات التاريخ، فكتابة التاريخ إذن - تاريخ فرد أو أمة أو عالم -عملية بطبيعتها متجددة، وكذلك التاريخ ليس شيئًا تكتبه جهة واحدة فليس هناك فرد ولا جهة ولا دولة ولا مجموعة دول تحتكر كتابة التاريخ حتى ولو كان تاريخها . . وأصحاب أي تاريخ يفرحون باهتمام الآخرين بهم فما كان هؤلاء المستشرقين مثلا ليهتموا بالحضارة الإسلامية ويقيموا لها مراكز الأبحاث في جامعاتهم وأقسامًا خاصة في متاحفهم لولا أنها حضارة غنية وتاريخها مهم وأنها حلقة جوهرية في التاريخ الإنساني كله.

ثالثًا: تدريس وتدوين التاريخ من وجهة النظر الإسلامية:

نقصد بذلك أولًا أن ننفي كل الافتراءات والتلفيقات التي أقحمت على هذا التاريخ وكذلك التفسيرات الخاطئة والباطلة التي قامت عليها، ثم عرض الوقائع التاريخية -دون تقليد- وكما هي وبكل جوانبها مسلسلة ومكتملة، واعتبار ماوراءها من المعاني التي ارتبطت بها وبالأسس التي قامت عليها وفهمها على ضوئها . . لذا فإنه يصبح عرض التاريخ الإسلامي بصورة صحيحة ضرورة لا مفر منها، ليس فقط لأهميتها ولكن لانطباقها والواقع التاريخي ولكن هذا العرض لا يمكن أن يتهيأ إلا إذا كان من منطلق إسلامي وبقلم من يقف في المركز الإسلامي يطل على الحياة الإسلامية ويعيش الباحث بكل كيانه في جو الإسلام، وذلك يعني منتهى الإنصاف والبحث عن الحقيقة رائد هذه النظرة تقول ما لها وما عليها، فلا يصح مثلا أن نأخذ تاريخنا بكتابة «جُرجي زيدان» أو «فيليب حتى» أو «ساطع الحصري» ولا بأسلوب المبشرين المتعصبين والمستشرقين (6) ، إن كل أمة تحترم نفسها وعقيدتها ولها شخصيتها لا تهمل تاريخها ولا ترضى أي نوع من التعليم أو الأفكار أو إن الموجهين يسيؤون ويشوهون هذا التاريخ ويثيرون الشبهات الباطلة التي لا سند لها من الواقع، بل هي قلب للواقع والحقيقة وليس وراءها إلا العداء والكراهية فلا أقل عن مناقشتها، ونعرض الحقائق الناصعة معه إن لم يكن قبله. (7)

رابعًا: تحقيق التوازن بين الجوانب السياسية والحضارية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت