والتواصي إنما يكون بالحق ، فالذي تراه أنت ليس بالضرورة أن يكون هو الحق ، وإنما الحق الذي نطق به القرآن الكريم أو صرح به النبي العظيم عليه الصلاة والسلام أو أجمعت عليه الأمة أما الرأي الذي تراه فقصاره أن يكون صوابًا يحتمل الخطأ ، ويمكن أن يكون خطأ يحتمل الصواب ، فليس أحد يملك الحق ، أو يجزم به أو يخوّل أن يكون لديه الكلمة الأخيرة أو المقالة المطلقة.
رابعًا: التواصي بالصبر: وهو مطية لا تكبوا .. كما قال علي رضي الله عنه ، وهو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فمن لا صبر له فلا إيمان له ، الإيمان يحتاج إلى صبر ، والعمل الصالح يحتاجه ، والحق والدعوة تحتاجه ، والصبر أيضًا يحتاج إلى صبر.
سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري ... ...
سأصبر حتى يحكم الله في أمري
سأصبر حتى يعلم الصبر أنني ... ...
صبرت على شيء أمر من الصبر
والدين يحتاجه والدنيا تحتاجه ، الصبر هو أساس الفضائل ورأس الأخلاق ، به تصفو الحياة ويطيب العيش ، قال عمر رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا بالصبر.
وكان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء تلفت يمينًا وشمالًا ثم قال: سحابة صيف عن قليل تقشعُّ.
وقال سفيان في تفسير قوله تعالى:"وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ" [السجدة:24] قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوسًا.
فالصبر يحافظ على ا لاعتدال في شخصية الإنسان وفي رأيه وفي علمه وعمله وفي دعوته وفي دنياه وفي آخره.
أيتها المرأة الشاكية من صلف زوجها وسوء حالها وشراسة خلقه وقلة اهتمامه...
أيها المريض الذي تحير فيه الأطباء...
أيها المدين الذي أثقلت كاهله المطالب...
أيها المهموم الذي باكره الهم وغابت البسمة عن شفتيه، وعاجله الحزن قبل الأوان...
علاجكم الناجع هو الصبر ، فهو علاج الحالات المستعصية الذي ينتظر فيها فرج الله تبارك وتعالى .
لك الحمد مهما استطال البلاء
ومهما استبدّ الألم
لك الحمد، إن الرزايا عطاء
وإن المصيبات بعض الكرم
ألم تُعطني أنت هذا الصباح ؟
وأعطيتني أنت هذا السّحر؟
فهل تشكر الأرض قطر المطر
وتجزع إن لم يجدها الغمام؟
كتب إلي أحد الإخوة قصته مع الفقر والدَّين والجوع ، وقال في آخر المطاف: هممت أن أكتب قصيدة التمس فيها المعونة من تاجر أو أمير أو وزير ، فإذا بهاتف في أعماقي يقول: هؤلاء هم الآخرون مخلوقون مثلنا وفقراء إلى الله تعالى ، فقدرت أن أنظم قصيدة فيمن خلقني وخلقهم ، وكتبت القصيدة.
وكانت هذه نهاية المعانات مع الفراغ والبطالة والدَّين خلال شهور .
سلمان بن فهد العودة 25/6/1424
إن الصبر ذو وجهين ، ضبط الإقدام ، فلا يقدم الإنسان إلا بما يعلم أنه ينفعه في دينه أو دنياه ، ولا يتورط فيما لا يعلم عواقبه ومآلاته .
وضبط الإحجام: فلا يحجم الإنسان إلا عما يضره .
ليس الصبر أمام الأزمات فقط ، بل الصبر سلوك ومنهج يحكم حياة الإنسان في كل شيء ، الصبر لا بد منه في كل شيء ، في الصحبة، في الشركة.
"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ" [الكهف:28] في العلاقة بين اثنين ، زوجين ، أو صديقين"إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا" [الكهف:67-69] .
الصبر لطالب العلم كما في قصة موسى والخضر ، والصبر ضروري للعبادة:"وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى" [طه:132] .
الصبر للدعوة .."يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" [لقمان:17] .
الصبر للجهاد .."يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [الأنفال:45] .
الصبر ضروري عند المصائب.."وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ" [البقرة:45] .
فيا من فقدت حبيبها .. أو رزئت بأملها .. أو صدمت بما لا تنتظر .. الصبر .. الصبر.
ويا كل أب مفجوع بفلذة كبده، وشعبة روحه الصبر الصبر.
وداعًا حبيبي لا لقاء إلى الحشر ... ...
وإن كان في قلبي عليك لظى الجمرِ
صبرت لأني لم أجد لي مخلصًا ... ...
إليك وما من حيلة لي سوى الصبر
تراءاك عيني في السرير موسدًا ... ...
على وجهك المكدود أوسمة الطهر
براءة عينيك استثارت مشاعري ... ...
وفاضت بأنهار من الدمع في شعري
أرى فمك الحلو المعطر في فمي ... ...
كما اعتدت هذا الحب من أول البرِ
أراك جميلًا رافلًا في حريرةٍ ... ...
بمعشبة فيحاء طيبة النشرِ
فكيف يصبر الفتى .. وكيف تصبر الفتاة أمام نوازع الشهوات وتنوع الفتن والمغريات وسهولة الوصول إليها؟ إن أعظم عون على الصبر على ذلك مراعاة:
أولًا: مشهد إجلال الله تبارك وتعالى أن تعصيه وهو يراك ، وأنت منه بمرأى ومسمع، لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية .. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ) .أخرجه البخاري (2475) ، ومسلم (57) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه-.
إن الذي يستحضر عظمة الله تبارك وتعالى وإطلاعه عليه يستحي من الله تعالى أن يجده حيث نهاه ، أو يفقده حيث أمره.
لو كان المرء عاريًا أو متلبسًا بشهوة فوجد شخصًا يراه من خلل الباب فإنه حينئذ يرعب ويرتبك ويصعب عليه أن يضع عينيه في عينيه مرة أخرى .
إذا ما خلوت الدهر يومًا ... ...
فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ثانيًا: مشهد محبته سبحانه وتعالى"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [آل عمران:31] .
تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... ...
هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقًا لأطعته ... ...
إن المحب لمن يحب مطيع
ثالثًا: مشهد النعمة والإحسان ، فأنت تتقلب في نعمه ، وتعصيه بجوارح هو خلقها ، وأمتن بها عليك وائتمنك عليها ، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
رابعًا: مشهد الغضب والانتقام: أن يغضب الله تبارك وتعالى عليك .
"أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُون * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ" [النحل:45-47] وهذا قد يتأخر ليوم الحساب حين يغضب ربنا تبارك وتعالى الغضب المعروف في الحديث. انظر صحيح البخاري (4712) ، وصحيح مسلم (194) .
خامسًا: مشهد المعاجلة والمباغتة والمعاقبة على حال لا تسر: ربما أخذ أحدهم وهو سكران ، أو انقلبت السيارة على من فيها ، وفيها شاب وفتاة في غفلة من أعين الرقباء.