وأما زيادة الإيمان بهذا المنهج الرباني فيكون بأن يعلم أبناء المجتمع الإسلامي
في كل حين -مع كل حادثة تجد في هذا المجتمع - أن منهجهم يشملها بحكمه
ورحمته وأنها لن تبقى معلقة بلا حكم ... ولن نذهب نبحث لها عن حكم في غير
هذا المنهج وهنا تزداد الأمة تمسكًا بمنهجها وتزداد عزة وقوة .
2 -أثر الاجتهاد في حفظ الأمة من أن تتسلل إليها آثار الغزو الفكري
الجاهلي ... وذلك يتحقق بأن يقوم المجتهدون بالنظر في جهد الأعداء المادي
والمعنوي ، فينظرون في مجموعة ويفرقون بين الحق والباطل ، والنافع والضار ثم
يختارون -ومنهجهم الرباني هو الحكم وعزتهم وقوتهم تجعلهم يحكمون هذا المنهج
ويختارون وهم في توازن كامل ، فلا يقعون في متابعة أعدائهم ولا يرفضون كل
شيء ... بل يختارون وهم لا يزالون يمثلون الرسالة - الربانية والقوامة على
البشرية ، ولا يضرهم ولا ينقصهم في شيء أن يأخذوا ويختاروا ما ينفعهم ... ولا
يضرهم ولا ينقصهم أن يرفضوا ما لا ينفعهم ... ولا يمكن أن نفرق بين الضار
والنافع وما يوافق المنهج الرباني وما يخالفه إلا عن طريق ( الاجتهاد ) .
3 -أثر الاجتهاد في هداية الأمم الأخرى - وذلك قبل الجهاد - إن موقف
المسلمين هذا لا شك سيكون له أكبر الأثر في أعدائهم فأول ما يعلمه الأعداء أنهم
أمام أمة لا يمكن أن تُستغفل وتُمتطى وهذا له تأثير نفسي عميق يجعل الأعداء في
موقف التأثر والإعجاب والانبهار أمام هذه الأمة القوية التي تحسن أن تختار لنفسها
حسب ما يرتضيه منهجها الرباني ، والأثر الذي يتبعه مباشرة أن يعرف الأعداء-
بعد انكسارهم النفسي-أن في الأرض منهجًا متوازنًا يفرق بين الحق والباطل والنافع
والضار ولا يهدر طاقات العقل البشري النافعة ... ويحول في الوقت نفسه بين
انحرافات البشرية وبين الفطرة الإنسانية ليقوم العدل في الأرض ... وهذا المنهج
هو ( الإسلام ) وهذه دعوة عملية لها من الإيجابية وحسن التأثير شيء عظيم .
هذه هي بعض آثار الاجتهاد في داخل الأمة وفى علاقاتها مع أعدائها ، وهو
دليل قاطع على ضرورته وفرضيته وأنه لا تصلح هذه الأمة إلا به ولا تهتدي
البشرية إلا به ، وإن لم يتحقق فإن تلك الآثار الإيجابية تنقلب لتكون آثارًا سلبية
والضد بالضد ، وضد الحركة والنمو الجمود والتقليد .
ولنتصور نقيض تلك الآثار وضدها .. لكي ندرك الخسارة التي وقعت فيها
هذه الأمة لما أهملت مهمة الاجتهاد (1) وخاصة لما اجتمعت عليها الأمم كما تجتمع
الأكلة إلى قصعتها ، كل أمة من أمم الكفر معها نافع وضار ، نافع يتمثل في ماديات
ضرورية وحاجية ، وضار يتمثل في مبادئ ومفاهيم جاهلية لا تحفظ دينًا ولا
عرضًا ولا عقلًا .. بل ترتكس في مجال العقائد والأخلاق إلى مستوى الكفر
والشرك والفتنة والإغراء ونتج عن ذلك أنظمة وضعية تعارفت عليها تلك الأمم
وانبثقت من عقائدها وأخلاقها ....
وكانت عملية الاجتهاد كفيلة بالتفريق بين الضار والنافع ... وكفيلة أيضًا
بمراعاة الأحوال الجديدة التي نشأت من طبيعة المجتمع الصناعي واستنباط أحكامها
الخاصة بها ومراعاة الضوابط التي تحفظ الضرورات الخمس: الدين والعرض
والنفس والعقل والمال ، فإن المجتمع الصناعي -وإن كان محتاجًا إلى عملية
الاجتهاد كما يحتاجها المجتمع الزراعي والرعوي- إلا أنه أشد حاجة لها ، أضف
إلى ذلك أن السلبيات التي تنتج عن تعطيل مهمة الاجتهاد أو عدم القيام بها على
الوجه المطلوب تظهر آثارًا على نحو مخيف وخطير في المجتمع الصناعي أشد
بكثير من ظهورها في غيره من المجتمعات ذلك أنه مجتمع الحركة الفوارة والتجدد
المستمر فإن لم ينضبط بعملية الاجتهاد ازدادت تلك السلبيات واستمرت في الازدياد .
وهذه الحكمة التي تحدثت عنها هي أعظم حكمة لمهمة الاجتهاد لأنها سبيل
عظيم للمحافظة على التوحيد وأحكامه الذي تمثله هذه ( الشريعة ) والمحافظة على
المجتمع الإسلامي من آثار الشرك وأحكامه الذي يمثله الغزو الفكري الحديث
1-وقعت الأمة في ضد ذلك تمامًا لما أهملت هذه الفريضة وزادت ردود
الفعل من داخلها الأمر سوءًا فقد اختلفت مواقف العلماء من آثار النهضة الأوربية
فمنهم من رفضها كلها ومنهم من قبلها بدون تمييز ... وهذان موقفان سلبيان ...
ومنهم من نادى بالتمييز بين الضار والنافع ... وهذا موقف إيجابي ولكنه لم يكن له
من القوة والانتشار ما يسمح له باكتساح التيار الذي نتج عن سلبية الموقفين السابقين ، وقد كان قيام العلماء بعملية الاجتهاد - كما بينت وعدم اختلافهم عليها وتخلفهم
عنها- كفيلًا بأن يحول بين الأمة وما وقعت فيه من تلك السلبيات العظيمة وأعظمها
أنها أصبحت فريسة لآثار الغزو الفكري الحديث .
مجلة البيان - (ج 47 / ص 38)
محمد الناصر
محمد الناصر
تؤسَّس المدارس الأهلية عادة من أجل أهداف خاصة يحددها أصحاب هذه المدارس، أو المؤسسات التي أقامتها، أو لسد حاجة تعليمية ملحة لم تغطها المدارس الحكومية.
وقد كانت البعثات التبشيرية سباقة إلى هذا المجال في بلاد المسلمين، لأغراض التبشير تحت مظلة الاستعمار الحديث، وما يزال تأثيرها قائمًا حتى الآن.
ثم قامت مدارس وطنية في بلاد المسلمين، بعضها سار على نهج العلمانيين متأثرًا بالهجمة الفكرية الغربية، وبعضها الآخر أراد أصحابه إيقاف هذا الغزو الصليبي، فأنشأ مدارس متناثرة في أنحاء العالم الإسلامي لنشر تعاليم هذا الدين الحنيف، وهذا الذي يعنينا في هذا المقال.
المدارس التبشيرية الأجنبية:
ركز أعداؤنا على زرع المدارس والجامعات في بلادنا منذ مطلع هذا القرن، من أجل تشكيك أبناء المسلمين في قيم الإسلام ومعتقداته باسم العلم والمعرفة، وتمكنوا من تخريج كثير من أبناء المسلمين، قاد بعضهم دفة الحكم في أقطارهم فترة من الزمن، فكانوا أسوأ خلف لشر سلف من أسيادهم.
فقد اعتبر هؤلاء أن (المدارس من أحسن الوسائل لترويج أغراض المبشرين) [1] .
حرص هؤلاء أن تؤسس هذه المدارس والجامعات على النمط العلماني الغربي ظاهرًا.
يقول تاكلي: (يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني؛ لأن كثيرًا من المسلمين قد زعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية وتعلموا اللغات الأجنبية) ! وكانت الأغراض الحقيقية إذن من إنشاء هذه المدارس والجامعات هو التخريب العقائدي والفساد لمصلحة المستعمر، تحت مظلة العلم والمعرفة والتحديث والعلمانية.
وقد تنوعت وسائل المبشرين في أعمالهم هذه فأسسوا المدارس للأطفال، وللبنات، وأنشأوا قسمًا للطب وآخر لنشر الإنجيل [2] .
ومن وسائل المبشرين في كل من سورية وفلسطين:
1-توزيع نسخ من الإنجيل.
2-التبشير عن طريق الطب..
3-المدارس والكليات..
4-الأعمال النسائية مثل: زيارة المبشرات لمنازل المسلمين وإلقائهن المحاضرات الخاصة [3] .
وكانوا يستغلون الفقر والحاجة في بعض بلاد المسلمين، فيختارون الأطفال دون سن الخامسة لقاء مبلغ من المال، ويرسلون بعضهم - بعد تدريسهم في مدارس التبشير - إلى فرنسا، كما حصل في السنغال، إذ يعود الصبي مسيحيًا إلى بلاده، ويُمنح حق المواطن الفرنسي في المستعمرات من حيث المستوى، الاجتماعي والوظائف.
ومن أمثلة هؤلاء: سنغور (سان جورج) رئيس جمهورية السنغال السابق، فهو مسيحي، لكن أبويه وإخوته مسلمون [3] .