وهكذا تجد كل منتحل للنبوة من القاديانيين والبهائيين وغيرهم قد استمدوا أفكارهم تلك من الباطنية التي جمعت بمرور الزمن خليطا من الفكر الغنوصي والمجوسي واليهودي واليوناني ، ولما كان فكر الباطنية غريبا عن فكر المسلمين ، لم يلق قبولا إلا في أماكن معينة ، وبفعل ظروف تاريخية خاصة مما دفع بالباطنيين إلى الظهور حينا والاستتار حينا آخر ، وهي في فترات استتارها تظهر على الناس بأسماء مختلفة مثل القاديانية والبهائية ، وإن كانتا هما وغيرهما تمتاج جميعها من مورد باطني واحد .
وبعد:
فإنه يمكننا من خلال الرؤية التاريخية والفكرية التي قدمناها لرسالة الحرمين الشريفين الخالدة أن نتبصر أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه خادم
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 348)
الحرمين الشريفين باعتباره الممثل الشرعي للمسلمين ، والذاب عن العقيدة والشريعة ، والحارس للمقدسات الإسلامية التي تحتل مكانتها المرموقة في شعائرنا وعباداتنا .
وإن كانت عزة المسلمين وكرامتهم تستمد من اعتزازهم بعقيدتهم ، ومن التفافهم حول شعائرهم المقدسة ، تجمعهم معا على كلمة التوحيد التي من الله بها على أمتنا الإسلامية بقوله تعالى: سورة آل عمران الآية 103 وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا .
وإن كان أيضا لرسالة الحرمين الشريفين أهميتها على هذا النحو ، فما أحوجنا اليوم ، ونحن نواجه فتنا كظلام الليل الدامس تكالبت علينا من كل جهة ، وزاحمتنا في كل شبر ، وصاحبتنا في الغدو والرواح أن ندعم تلك الرسالة لنواجه به شتى ضروب التحدي:"التحدي الفكري الذي أقام حواجز فكرية بين أبناء الأمة الواحدة ، التحدي الطائفي لأصحاب القوميات والنعرات التعصبية التي مزقت كيان أفضل أمة قد أخرجت للناس ، التحدي العقدي الذي ساعد على سلخ بعض النحل الضالة من الدين الإسلامي فادعت دينا غير الدين ، ونبوة غير النبوة ، ومقدسات غير المقدسات ."
وخلاصة هذا: أن رسالة الحرمين الشريفين هي رسالة السماء ، وهبة الله لعباده المؤمنين ، فما أجلها من رسالة ، إن اعتصمنا بها سلمنا ونجونا ، وإن فرطنا فيها بقيت شماء بحماية ربها ، فللبيت رب يحميه ، بينما يبقى المفرطون غرباء عنها حيارى ضالين إلى أن تحل كلمة الله ويقع عقابه ، يقول الله تعالى: سورة هود الآية 57 فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ .
محمد محمد إبراهيم زغروت
مجلة البحوث الإسلامية - (ج 43 / ص 192)
للشيخ الدكتور: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
الحمد لله وحده ، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه ومن سار على نهجه .
أما بعد:
فقد كثر السؤال عن استقدام الخادمات والمربيات والمعلمات ، وعملهن داخل البيوت ، وفي دور التربية والحضانة وروضات الأطفال ، كما كثر تناقل ما تفعله الجمعيات من اليهود والنصارى والمشركين في بلادهم ، كما في أمريكا ، وبريطانيا ، وأستراليا ، وكندا ، وروسيا ، وهولندا ، والولايات الأخرى التي تحاول عمل ما يصرف المسلمين عن أصل دينهم ، حيث تحتضن الأطفال الذين فقدوا آباءهم أو من يعولهم ، وقد جعلت لها مراكز في البلدان النامية ، مثل: مصر ، والسودان ، والسلفادور ، وهندوراس ، وكينيا ، وأوغندا ، والفلبين وغيرها . وهكذا الدعاة المنصرون الذين يغزون البلاد الفقيرة ، وينتهزون حاجة أهلها وعجزهم ، فيفتحون بها مدارس ومعاهد ومستشفيات ، ويحرصون على تنشئة الأطفال على أيديهم ، ويتصرفون في المناهج العلمية ، ويربون أولاد المسلمين كما شاءوا ، ويلقنونهم عقائدهم الكفرية ، وأديانهم المنحرفة ، ولقد
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 126)
نجحوا في كثير من مخططاتهم ، وأضلوا أعدادا وأفرادا وجماعات كثيرة من ناشئة المسلمين ذكورا وإناثا . وهكذا ما يفعله الكثير من المسلمين المعجبين- وللأسف- بالكفار وعلومهم ، حيث يبعثون أولادهم وفلذات أكبادهم من ذكور وإناث إلى تلك الدول المتقدمة -كما يعبرون- قاصدين منهم التربية والتدريب ، وتعلم لغاتهم الراقية في زعمهم؛ فلا تسأل عن آثار ذلك ومفاسده ، وأقرب ذلك وأشهره ما تؤثره تربية المستقدمين إلى بلاد المسلمين كالنساء اللاتي يتولين تربية الأطفال وحضانتهم ، وكالمدربين والمعلمين في المدارس والمنازل ، من أولئك الأعداء الألداء الذين يضمرون العداء للإسلام وأهله ، ويحملون مذاهب هدامة ، أو كفرا بواحا ، أو بدعا منكرة مكفرة أو مفسقة ، قد أشربتها قلوبهم .
ولا شك أن كل أولئك على يقين من صحة ما يدينون به وأحقيته ، رغم بعد ذلك عن الصواب ، ولكنهم تربوا على تلك الأديان منذ الطفولة ، وتلقوا عقائدهم الزائفة عمن يثقون بنصحه ، ولقنهم آباؤهم ومعلموهم ما يؤكد لهم صحتها وسلامتها ، وبطلان ما سواها ، فتمسكوا بتلك المذاهب والنحل وعضوا عليها بالنواجذ ، وزين لهم الشيطان أن الصواب في جانبهم ، وأنهم على عقيدة صحيحة الأصول ، قويمة الأدلة ، تلقوها عمن يثقون بعلمه ونصحه ، فلهذا يندر أن يتخلوا عن معتقداتهم ودياناتهم ، وكيف يتحولون عن مذاهب ومعتقدات تقلدوها عن أسلافهم ومشايخهم الذين هم محل ثقة عندهم وإجلال وإكبار ، فلا يتصورون أو يخطر ببال أحد منهم أن يصدر خطأ أو ضلال أو انحراف من أفراد علمائهم فضلا عن جماعتهم .
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 127)
ولا شك أن أولئك الوافدين مع رسوخ تلك العقائد في نفوسهم ، ومع تمكنهم من إظهارها والدعوة إليها ، متى أمنوا الضرر فلا بد أن يحرصوا بكل ما أوتوه من جهد على نشر دياناتهم ، وترسيخها في نفوس من يتولون تعليمه محتسبين في ذلك الأجر والثواب ، كما قال الله عنهم: سورة الكهف الآية 104 وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا .
لكن الدعاة إلى دين الإسلام الصحيح ، وعقيدة السلف الصالح ، يرجون من الله ما لا يرجو هؤلاء من التعليم أو التربية أو الحضانة .
فلا تسأل عما يقومون به من بث سمومهم ، ونفث شرورهم في أذهان من يحتكون بهم ، أو يتولون تنشئتهم وتعليمهم ، فيتلقن أولئك الأطفال والجهال ما يلقيه عليهم أولئك المربون والمدرسون من عقائد منحرفة ، وبدع منكرة ، مسلمين بصحتها ، محسنين الظن بأساتذتهم ومشايخهم الذين اختارهم أولياء الأمور لهم ليتربوا على أيديهم ، فيصعب بعد ذلك تخلي أحدهم عن هذه التوجيهات والتعاليم التي نشأ على استحسانها في صغره ، ويخيل إليه أن من خالفها فقد خالف الصواب ، ولو كان من آبائه وإخوانه أو المواطنين معه إلا من شاء الله تعالى .
فلا جرم أحببت أن أكتب كلمات حول هذا الموضوع تحت هذه العناوين:
شفقة الآباء ورحمتهم بأولادهم:
لا شك أن الإنسان العاقل يهمه صلاح أولاده واستقامتهم ، ويتمنى سلامة فطرهم ، ويسره تمسكهم بالحق وسيرهم على الصراط
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 128)
السوي ، وتخلقهم بمعالي الأخلاق وفضائل الأعمال ، وعملهم بتعاليم الدين الصحيح ، ويستاء ويشق عليه متى رآهم منحرفين ضالين قد خالفوا سنة الله تعالى وشرعه ، وتنكبوا الطريق السوي ، وارتكبوا المآثم وفعلوا الجرائم .