فهرس الكتاب

الصفحة 1529 من 3028

وهكذا تجد كل منتحل للنبوة من القاديانيين والبهائيين وغيرهم قد استمدوا أفكارهم تلك من الباطنية التي جمعت بمرور الزمن خليطا من الفكر الغنوصي والمجوسي واليهودي واليوناني ، ولما كان فكر الباطنية غريبا عن فكر المسلمين ، لم يلق قبولا إلا في أماكن معينة ، وبفعل ظروف تاريخية خاصة مما دفع بالباطنيين إلى الظهور حينا والاستتار حينا آخر ، وهي في فترات استتارها تظهر على الناس بأسماء مختلفة مثل القاديانية والبهائية ، وإن كانتا هما وغيرهما تمتاج جميعها من مورد باطني واحد .

وبعد:

فإنه يمكننا من خلال الرؤية التاريخية والفكرية التي قدمناها لرسالة الحرمين الشريفين الخالدة أن نتبصر أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه خادم

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 348)

الحرمين الشريفين باعتباره الممثل الشرعي للمسلمين ، والذاب عن العقيدة والشريعة ، والحارس للمقدسات الإسلامية التي تحتل مكانتها المرموقة في شعائرنا وعباداتنا .

وإن كانت عزة المسلمين وكرامتهم تستمد من اعتزازهم بعقيدتهم ، ومن التفافهم حول شعائرهم المقدسة ، تجمعهم معا على كلمة التوحيد التي من الله بها على أمتنا الإسلامية بقوله تعالى: سورة آل عمران الآية 103 وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا .

وإن كان أيضا لرسالة الحرمين الشريفين أهميتها على هذا النحو ، فما أحوجنا اليوم ، ونحن نواجه فتنا كظلام الليل الدامس تكالبت علينا من كل جهة ، وزاحمتنا في كل شبر ، وصاحبتنا في الغدو والرواح أن ندعم تلك الرسالة لنواجه به شتى ضروب التحدي:"التحدي الفكري الذي أقام حواجز فكرية بين أبناء الأمة الواحدة ، التحدي الطائفي لأصحاب القوميات والنعرات التعصبية التي مزقت كيان أفضل أمة قد أخرجت للناس ، التحدي العقدي الذي ساعد على سلخ بعض النحل الضالة من الدين الإسلامي فادعت دينا غير الدين ، ونبوة غير النبوة ، ومقدسات غير المقدسات ."

وخلاصة هذا: أن رسالة الحرمين الشريفين هي رسالة السماء ، وهبة الله لعباده المؤمنين ، فما أجلها من رسالة ، إن اعتصمنا بها سلمنا ونجونا ، وإن فرطنا فيها بقيت شماء بحماية ربها ، فللبيت رب يحميه ، بينما يبقى المفرطون غرباء عنها حيارى ضالين إلى أن تحل كلمة الله ويقع عقابه ، يقول الله تعالى: سورة هود الآية 57 فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ .

محمد محمد إبراهيم زغروت

مجلة البحوث الإسلامية - (ج 43 / ص 192)

للشيخ الدكتور: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

الحمد لله وحده ، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه ومن سار على نهجه .

أما بعد:

فقد كثر السؤال عن استقدام الخادمات والمربيات والمعلمات ، وعملهن داخل البيوت ، وفي دور التربية والحضانة وروضات الأطفال ، كما كثر تناقل ما تفعله الجمعيات من اليهود والنصارى والمشركين في بلادهم ، كما في أمريكا ، وبريطانيا ، وأستراليا ، وكندا ، وروسيا ، وهولندا ، والولايات الأخرى التي تحاول عمل ما يصرف المسلمين عن أصل دينهم ، حيث تحتضن الأطفال الذين فقدوا آباءهم أو من يعولهم ، وقد جعلت لها مراكز في البلدان النامية ، مثل: مصر ، والسودان ، والسلفادور ، وهندوراس ، وكينيا ، وأوغندا ، والفلبين وغيرها . وهكذا الدعاة المنصرون الذين يغزون البلاد الفقيرة ، وينتهزون حاجة أهلها وعجزهم ، فيفتحون بها مدارس ومعاهد ومستشفيات ، ويحرصون على تنشئة الأطفال على أيديهم ، ويتصرفون في المناهج العلمية ، ويربون أولاد المسلمين كما شاءوا ، ويلقنونهم عقائدهم الكفرية ، وأديانهم المنحرفة ، ولقد

(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 126)

نجحوا في كثير من مخططاتهم ، وأضلوا أعدادا وأفرادا وجماعات كثيرة من ناشئة المسلمين ذكورا وإناثا . وهكذا ما يفعله الكثير من المسلمين المعجبين- وللأسف- بالكفار وعلومهم ، حيث يبعثون أولادهم وفلذات أكبادهم من ذكور وإناث إلى تلك الدول المتقدمة -كما يعبرون- قاصدين منهم التربية والتدريب ، وتعلم لغاتهم الراقية في زعمهم؛ فلا تسأل عن آثار ذلك ومفاسده ، وأقرب ذلك وأشهره ما تؤثره تربية المستقدمين إلى بلاد المسلمين كالنساء اللاتي يتولين تربية الأطفال وحضانتهم ، وكالمدربين والمعلمين في المدارس والمنازل ، من أولئك الأعداء الألداء الذين يضمرون العداء للإسلام وأهله ، ويحملون مذاهب هدامة ، أو كفرا بواحا ، أو بدعا منكرة مكفرة أو مفسقة ، قد أشربتها قلوبهم .

ولا شك أن كل أولئك على يقين من صحة ما يدينون به وأحقيته ، رغم بعد ذلك عن الصواب ، ولكنهم تربوا على تلك الأديان منذ الطفولة ، وتلقوا عقائدهم الزائفة عمن يثقون بنصحه ، ولقنهم آباؤهم ومعلموهم ما يؤكد لهم صحتها وسلامتها ، وبطلان ما سواها ، فتمسكوا بتلك المذاهب والنحل وعضوا عليها بالنواجذ ، وزين لهم الشيطان أن الصواب في جانبهم ، وأنهم على عقيدة صحيحة الأصول ، قويمة الأدلة ، تلقوها عمن يثقون بعلمه ونصحه ، فلهذا يندر أن يتخلوا عن معتقداتهم ودياناتهم ، وكيف يتحولون عن مذاهب ومعتقدات تقلدوها عن أسلافهم ومشايخهم الذين هم محل ثقة عندهم وإجلال وإكبار ، فلا يتصورون أو يخطر ببال أحد منهم أن يصدر خطأ أو ضلال أو انحراف من أفراد علمائهم فضلا عن جماعتهم .

(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 127)

ولا شك أن أولئك الوافدين مع رسوخ تلك العقائد في نفوسهم ، ومع تمكنهم من إظهارها والدعوة إليها ، متى أمنوا الضرر فلا بد أن يحرصوا بكل ما أوتوه من جهد على نشر دياناتهم ، وترسيخها في نفوس من يتولون تعليمه محتسبين في ذلك الأجر والثواب ، كما قال الله عنهم: سورة الكهف الآية 104 وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا .

لكن الدعاة إلى دين الإسلام الصحيح ، وعقيدة السلف الصالح ، يرجون من الله ما لا يرجو هؤلاء من التعليم أو التربية أو الحضانة .

فلا تسأل عما يقومون به من بث سمومهم ، ونفث شرورهم في أذهان من يحتكون بهم ، أو يتولون تنشئتهم وتعليمهم ، فيتلقن أولئك الأطفال والجهال ما يلقيه عليهم أولئك المربون والمدرسون من عقائد منحرفة ، وبدع منكرة ، مسلمين بصحتها ، محسنين الظن بأساتذتهم ومشايخهم الذين اختارهم أولياء الأمور لهم ليتربوا على أيديهم ، فيصعب بعد ذلك تخلي أحدهم عن هذه التوجيهات والتعاليم التي نشأ على استحسانها في صغره ، ويخيل إليه أن من خالفها فقد خالف الصواب ، ولو كان من آبائه وإخوانه أو المواطنين معه إلا من شاء الله تعالى .

فلا جرم أحببت أن أكتب كلمات حول هذا الموضوع تحت هذه العناوين:

شفقة الآباء ورحمتهم بأولادهم:

لا شك أن الإنسان العاقل يهمه صلاح أولاده واستقامتهم ، ويتمنى سلامة فطرهم ، ويسره تمسكهم بالحق وسيرهم على الصراط

(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 128)

السوي ، وتخلقهم بمعالي الأخلاق وفضائل الأعمال ، وعملهم بتعاليم الدين الصحيح ، ويستاء ويشق عليه متى رآهم منحرفين ضالين قد خالفوا سنة الله تعالى وشرعه ، وتنكبوا الطريق السوي ، وارتكبوا المآثم وفعلوا الجرائم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت