فهرس الكتاب

الصفحة 1530 من 3028

ولقد جبل الله الوالدين على محبة الأولاد والشفقة عليهم والرحمة بهم ، وإيثارهم بالمصالح والملذات في هذه الحياة الدنيا ، والخوف عليهم من أسباب العطب والهلاك ، فقد حكى الله تعالى عن نوح عليه السلام نداءه لابنه الذي عصى عليه ، فقال تعالى: سورة هود الآية 42 وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ . وبعد أن خرج الابن عن طاعة أبيه وتمرد عليه ، لم يغفل عنه بل دعا ربه أن ينجيه بقوله: سورة هود الآية 45 رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ . فهو يتذكر أن ربه تعالى وعده بنجاة أهله بقوله: سورة هود الآية 40 قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ . فظن أن ابنه من أهله الذين وعد الله بنجاتهم ، ولكن الله تعالى عاتبه بقوله: سورة هود الآية 46 إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ . أي: الذين وعدناك بنجاتهم . فعرف من هذا شفقة الوالد على ولده ولو كان عاصيا له وخارجا عن طواعيته . وهكذا ما حكى الله تعالى عن إبراهيم -عليه السلام- مما يدل على شفقته وخوفه على ولده ، ففي مقام الطلب والرجاء لما قال الله تعالى له: سورة البقرة الآية 124 إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي .

(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 129)

فلم يغفل عن ذريته لما منحه الله هذه الإمامة التي هي جعله قدوة وأسوة لمن بعده من الناس الذين هداهم الله للإسلام ، فلما وعده ربه بهذه الإمامة لم يغفل عن ذريته؛ لحرصه على صلاحهم ، وأهليتهم لأن يكونوا قدوة للناس في أمر الدين الصحيح . وهكذا حكى الله تعالى عنه دعاءه لربه بقوله: سورة إبراهيم الآية 40 رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي . فما غفل عن ذريته بل أشركهم مع نفسه في هذه الدعوة الصالحة ، بأن يجعله مقيما للصلاة ، محافظا عليها ، وكذا ذريته؛ لما لها من أثر بليغ في صلاح الذرية واستقامتهم . وكل هذا دليل كمال الشفقة والرقة والرحمة للولد ، ورجاء أن يستقيموا على الخير ، ويسلكوا الصراط السوي المتمثل في إقامة الصلاة ، وما تؤثره من ثمرات وأعمال صالحة .

وهكذا في مقام الخوف ، فقد حكى الله تعالى عنه عليه السلام قوله: سورة إبراهيم الآية 35 وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ . فلم يقتصر في طلب النجاة من الشرك على نفسه ، بل أشرك بنيه ، فطلب نجاتهم من عبادة الأصنام؛ لما رأى من ضلال الكثير- كأبيه وقومه- بعبادة تلك الأخشاب والأحجار التي ينحتونها ، ثم يظلون لها عاكفين ، تقليدا لآبائهم وأسلافهم . وهكذا مدح الله تعالى إسماعيل -عليه السلام- بقوله: سورة مريم الآية 55 وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ . والأمر منه يستدعي

(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 130)

الطلب والحرص على التطبيق منهم للصلاة التي هي عماد الدين ، والتي ذكر أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، والزكاة وهي حق المال .

وقال الله تعالى: سورة البقرة الآية 132 وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ إلى قوله: سورة البقرة الآية 133 أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي . فهذا كله من تمام الحرص والشفقة على القريب الأدنى قبل البعيد من أنبياء الله تعالى ورسله ، وهم القدوة والأسوة لمن بعدهم ، فالأمر لهم يعم كل من دان بدينهم من أتباعهم . وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- عند تفسير قوله تعالى: سورة طه الآية 132 وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا . عن ابن أبي حاتم بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يوقظ أهله لصلاة التهجد بالليل ، ويتلو هذه الآية الكريمة . فإن ظاهرها يعم صلاة الفرض والنفل .

ويدخل في الأهل: الأولاد والخدم والزوجات ومن تحت كفالة الإنسان ، كما ذكروا ذلك في تفسير قوله تعالى: سورة التحريم الآية 6 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ . يعني: أنقذوهم وخلصوهم من الكفر والبدع وكبائر الذنوب وصغائرها ، مما يسبب العقوبة الأخروية بدخول النار التي وقودها الناس والحجارة . فوقايتهم تستدعي الحرص على تربيتهم ، وتهذيب أخلاقهم ، وتلقينهم في الصغر ما يعرفون به ربهم ودينهم ونبيهم وما يلزمهم أن يدينوا به في هذه الحياة ، وبيان الحسنة

(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 131)

والسيئة ، وأسباب كل منهما . فالوالد والولي الناصح يبذل جهده في تقويم موليه ، وفي نصحه وإرشاده ، وتحريضه على الخير ، وتحذيره من العاقبة السيئة؛ ليكون سببا في نجاته وفلاحه ، كما أن الله تعالى قذف في قلبه الرحمة التي تستجلب الرقة والشفقة في الدنيا ، فقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- صحيح البخاري كتاب الأدب (5651) ,صحيح مسلم كتاب الفضائل (2318) ,سنن الترمذي كتاب البر والصلة (1911) ,سنن النسائي كتاب قيام الليل وتطوع النهار (1651,1746,1795,1797) ,كتاب الجنائز (1868) ,كتاب الطهارة (190) ,كتاب الصيام (2401,2420) ,كتاب الزكاة (2551) ,كتاب مناسك الحج (3041,3042) ,كتاب الطلاق (3466,3469) ,كتاب الحيض والاستحاضة (360) ,كتاب الوصايا (3635) ,كتاب الهبة (3688) ,كتاب الأيمان والنذور (3789) ,كتاب تحريم الدم (3979,4101,4120) ,كتاب قسم الفيء (4147) ,كتاب الصيد والذبائح (4311) ,كتاب الغسل والتيمم (432) ,كتاب الصلاة (448) ,كتاب القسامة (4731) ,كتاب قطع السارق (4883) ,كتاب المواقيت (531,536) ,كتاب آداب القضاة (5386) ,كتاب الافتتاح (904) ,كتاب الطهارة (95) ,سنن أبو داود كتاب الأدب (5218) ,سنن ابن ماجه كتاب الحدود (2613) ,مسند أحمد بن حنبل (2/241,2/269,2/514) ,موطأ مالك كتاب الأقضية (1444) ,كتاب الجامع (1648,1828) ,كتاب النداء للصلاة (265) ,كتاب الجنائز (562) ,سنن الدارمي كتاب المقدمة (647) . أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل الحسن ، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم . فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إنه من لا يرحم لا يرحم ، صحيح البخاري كتاب الشروط (2583) ,كتاب الجهاد والسير (2880) ,كتاب المناقب (3497) ,كتاب المغازي (3767,3910,4156) ,صحيح مسلم كتاب الفضائل (2317) ,سنن الترمذي كتاب النكاح (1140) ,كتاب الطلاق (1192) ,كتاب الأضاحي (1523) ,كتاب السير (1548) ,كتاب اللباس (1723) ,كتاب الفتن (2240) ,كتاب الإيمان"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت