? وفي يوم الخميس 24/4/2003م أكد وزير الأوقاف المصري محمود حمدي زقزوق ـ في لقائه مع أكثر من 1600 إمام وداعية في محافظة قنا جنوب مصر ـ أهمية تجديد الخطاب الديني، واعتبره حقيقة أصبحت ملحة في ظل المتغيرات التي يشهدها العالم حاليًا، وأمام حملات التشويه المستمرة على الإسلام، رافضًا ما يتردد حول وجود ضغوط خارجية لتحقيق ذلك الهدف.
? وفي يوم 11/6/2003م انتهت أول دورة راقية للأئمة والخطباء في المساجد ـ بحسب وصف وزارة الأوقاف المصرية ـ شارك فيها نحو 50 إمامًا وخطيبًا معظمهم من حملة الماجستير والدكتوراه؛ ليكونوا نواة لجيل جديد من الأئمة المتميزين المتحدثين بلغة الخطاب الديني الجديد، وقد استمرت الدورة 3 أشهر في الإسكندرية بنظام الإعاشة الكاملة للمتدربين.
? وفي يوم الخميس 3/7/2003م، عقد بالقاهرة مؤتمر (نحو خطاب ثقافي جديد) ، شارك فيه 150مثقفًا ومفكرًا عربيًا، وقد طالب المثقفون المجتمعون بـ «أفق مجتمعي جديد يضمن حرية الاجتهاد الفكري المسؤول (...) الذي يرفض الوصايات التي تحتكر المقدسات القومية والدينية» ، واعتبروا أن ذلك «يمر عبر الوصول إلى الشروط الاجتماعية والثقافية التي تنتج خطابًا دينيًا متطورًا منفتحًا على العصر يتجاوز الخطابات الدينية الركودية والمتزمتة التي أساءت إلى الإسلام والعرب والمسلمين» ، وطالبوا «الدول العربية أن تأخذ موقفًا محايدًا في صراع الأفكار والاجتهادات دون توظيف ديني للسياسة أو توظيف سياسي للدين!!» .
وقد برز في مناقشات المؤتمر المطالبة بالتصدي للمؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية؛ حتى يمكن إعادة صياغة الخطاب الثقافي ومن ثم المشروع الثقافي المستقبلي، وأهم من عبر عن هذا الاتجاه حلمي شعراوي الذي طالب صراحة بإلغاء مؤسسة الأزهر.
كما أجمل وزير الأوقاف المصري محمود حمدي زقزوق سلبيات الخطاب الديني المعاصر بـ: «انفصال عن الواقع، تركيز على الشكليات، تركيز على أمور الآخرة وإغفال أمور الدنيا، التخويف والترهيب، النظرة الدونية إلى المرأة، الانتقاد الداحض لحضارة الغرب مع أننا من صنّاعها، اعتبار التضامن الإسلامي كأنه رفض للآخر» .
ولا يسع المقام هنا اقتباس مقتطفات مما باح به بعض متبجحي العلمانيين العرب في هذا المؤتمر الذي نال فيه (تجديد الخطاب الديني) اهتمامًا ملحوظًا، ولكن يمكن القول عمومًا إن ما قاله هؤلاء كان من الخطورة بحيث رفضه واستنكره مثقفون علمانيون آخرون حضروا المؤتمر.
? وفي يوم 23/9/2003م نظمت كازاخستان مؤتمرًا للحوار بين الحضارات وأتباع الأديان السماوية، حضرته وفود من معظم دول العالم الإسلامي، وفيه اقترح الدكتور حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري عقد مؤتمر لزعماء الأديان في العالم، يهدف إلى دعم الحوار بين الثقافات، وتأكيد التكامل بين الأديان، والتقارب بين الشعوب، وقد حظي الاقتراح بتأييد دولي، وتم الاتفاق على تشكيل لجنة من رؤساء الوفود المشاركين في المؤتمر لتنفيذه (الأهرام 15/10/2003م) .
? هل ينجحون؟
لا شك أن تحقق ذلك أو عدم تحققه يتوقف على عوامل كثيرة خارجية وداخلية، ولكن ما يعنينا أن في قلوب القوم أماني ساردة تبدو على ألسنتهم وفي كتاباتهم من حين لآخر، كما أن في أذهانهم أهدافًا محددة تشير إليها مخططاتهم وأنشطتهم، ومن غير المبالغ فيه القول إن من أماني أئمتهم: محو القرآن من الوجود، ولعلمهم باستحالة ذلك فإنهم يعملون على تحقيق أهداف يظنون تحقيقها ممكنة، وعلى رأس هذه الأهداف: تحريف المعاني القرآنية، وتفريغ القرآن من أهدافه ورسالته، وإبعاد المسلمين عن تدبر القرآن والعمل به، أي إنهم يريدون أن يتحول القرآن إلى حبر على ورق ـ كما يقولون ـ، والله من ورائهم محيط.
وحتى لا نخدع أنفسنا فإنه يجب التنبه إلى أن تحقيقهم لهذه الأهداف ـ أو بعضها ـ في عالم الواقع ليس مستحيلًا شرعًا أو عقلًا؛ فالله ـ عز وجل ـ تعهد بحفظ الذكر، ولكنه لم يتعهد بحفظ معانيه في عقول المسلمين وقلوبهم، ومسيرة الانحراف في فهم الكتاب والسنة وتطبيقهما مسيرة قديمة، حقق فيها أعداء الإسلام نجاحات لا يستهان بها، ومن هنا يمكن القول: إن المعوَّل عليه في الحفاظ على هذه المعاني من التحريف والتبديل وتطبيقها في واقع المسلمين في أي وقت وأي مكان: هو ما يقوم به أهل الحق أنفسهم بحسب جهدهم ووفق سنن التغيير التي تسير بها حركة المجتمعات، وليس وفق الأماني والنيات.
وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عندما قال: «ولما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر: أن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه: وجب أن يكون فيهم من يحرف الكلم عن مواضعه فيغير معنى الكتاب والسنة فيما أخبر الله به أو أمر به.
وفيهم أميون لا يفقهون معاني الكتاب والسنة، بل ربما يظنون أن ما هم عليه من الأماني ـ التي هي مجرد التلاوة، ومعرفة ظاهر من القول ـ هو غاية الدين، ثم قد يناظرون المحرفين وغيرهم من المنافقين أو الكفار مع علم أولئك [المحرفين] بما لم يعلمه الأميون، فإما أن تضل الطائفتان ويصير كلام هؤلاء [الأميين] فتنة على أولئك [المحرفين] ؛ حيث يعتقدون أن ما يقوله الأميون هو غاية علم الدين ويصيرون في طرفي النقيض، وإما أن يتبع أولئك الأميون أولئك المحرفين في بعض ضلالهم.
وهذا من بعض أسباب تغيير الملل، إلا أن هذا الدين محفوظ؛ كما قال ـ تعالى ـ: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، ولا تزال فيه طائفة قائمة ظاهرة على الحق، فلم ينله ما نال غيره من الأديان من تحريف كتبها وتغيير شرائعها مطلقًا؛ لما ينطق الله به القائمين بحجة الله وبيناته الذين يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصِّرون بنوره أهل العمى؛ فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة؛; لكيلا تبطل حجج الله وبيناته» (4) .
فالفيصل في المحافظة على المعاني والقيم والتصورات الإسلامية صحيحة في عقول المسلمين وقلوبهم وحياتهم هو مدى تحقيق أهل الحق لسنة التدافع مع الأطراف الأخرى، وهذا يتطلب يقظة وجهدًا ونشاطًا وعملًا دؤوبًا ومنظمًا من جميع الأفراد.
والذي أراه أن الظرف الذي تمر به الأمة يتطلب ـ فوق اليقظة والنشاط ـ حلولًا غير تقليدية لاستنفار جموع الأمة واستخراج القوى الكامنة في قطاعاتها الشعبية، بعد أن رفعت معظم الأنظمة جميع الرايات البيضاء التي في حوزتها، حتى إنهم رفعوا أخيرًا ما كانوا يسترون به عوراتهم أمام شعوبهم.
نسأل الله ـ عز وجل ـ أن ينصر دينه ويعلي كلمته.
(1) د. محمد محمد حسين، الإسلام والحضارة الغربية، ص 45 ـ 46.
(2) السابق، ص 133- 134.
(3) راجع إن شئت مداخلة الكاتب على هذه الوثيقة، في مجلة البيان، العددين: 175، 176
(4) مجموع الفتاوى، جـ 25، ص 130 ـ 131، وانظر: جـ 17، ص 442 ـ 444 .
مجلة البيان، العدد (195) ، ذو القعدة 1424،يناير 2004
06 / 06 / 2007 ... مجلة البيان الإسلامية
مازن عبد الله