فهرس الكتاب

الصفحة 2112 من 3028

وفي الدول الأخرى لا يثير ارتداء علامات دينية ظاهرة أي جدل بشكل عام؛ ففي بريطانيا يترك لكل مدرسة حرية اعتماد نظامها الداخلي الخاص في ما يختص بالزي المدرسي، وبشكل عام يسمح بارتداء الحجاب والقلنسوة اليهودية والعمائم، وفي هولندا يحظر القانون أي تمييز ديني، ويسمح بشكل عام بوضع الحجاب والرموز الدينية الأخرى في المدارس الرسمية. وفي الدانمارك يسمح بوضع الرموز الدينية لكنه غير منتشر كثيرا في المدارس. ولا تعتمد أسبانيا أي تشريع وطني بهذا الخصوص، ولا تخضع العلامات الدينية في المدرسة ومنها الحجاب لأي جدل علني. وفي حال وقوع نزاعات يعود القرار النهائي إلى المناطق التي تتمتع باستقلال ذاتي، وفي إيطاليا يسمح قانونان أقر العام 1924 و 1927م بوجود علامات خاصة بالديانة الكاثوليكية في المدارس.

وعليه فإن التفرقة بين سلوكيات المسلمين وعاداتهم بشكل عام وبين سلوكيات وتصرفات الأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية تثير تساؤلات عديدة حول حقيقة التعاطي الأوروبي مع الأقليات المسلمة في أوروبا بشكل عام.

? الحجاب وصراع الهوية:

في نفس الوقت فقد لفتت قضية الحجاب في أوروبا إشكالية الصراع بين العنصرية من جهة والمحافظة على الهوية الوطنية داخل البلدان الأوروبية في الجهة الأخرى، فالمسلمون في أوروبا رغم عددهم القليل إلا أنهم ذوو تأثير كبير في نفوس الآخرين مما ولد مخاوف من إمكانية انتقال هذا التأثير إلى مستويات وقطاعات عريضة من السكان المحليين. فضلًا عن هذا ترى بعض الدول الأوروبية ومن بينها فرنسا بالطبع، أن مسألة الحجاب تثير حساسيات داخل جدران المدارس بما قد يؤثر على العملية التعليمية، ويحدو بها بعيدًا عن هدفها الأساسي. بيد أن هذا القول مردود عليه؛ لأن هناك العديد من المدارس الفرنسية والألمانية والأمريكية في العديد من البلدان الإسلامية تمارس فيها سلوكيات وتقاليد بلدان كل مدرسة دون أن يكون هناك تخوف من امتداد تأثير هذه السلوكيات خارج الصرح التعليمي.

الأكثر من ذلك أن بعضًا ـ خاصة في فرنسا ـ ينظر للحجاب باعتباره غطاء لمفاهيم إسلامية أخرى، وينتج في نفس الوقت ثقافة عنيفة؛ فعلى سبيل المثال بات يُنظر إليه في فرنسا باعتباره عنوانًا للأقلية المسلمة التي تعيش هناك، وتحولت المعاداة والريبة من قطعة القماش إلى النسيج الاجتماعي نفسه، ومن الحجاب إلى الديانة الإسلامية. وأصبحت مناطق الحظر تتوسع، وأخذ إطار الحرية لهذه الأقلية يتقلص شيئًا فشيئًا. فمن المدرسة أصبح الحديث عن المستشفيات، وطالب بعضٌ بأن تحترم العلمانية من طرف الطبيب والمريض؛ حيث تبين أن بعضًا من الطاقم الطبي النسائي يلبسن الحجاب؛ فقبل أن تكون طبيبًا أو مريضًا عليك أن تكون علمانيًا، ثم تم غلق مسبح كان يسمح فيه لسويعات معدودة في الأسبوع للنساء المسلمات بالترفيه عن أنفسهن بعيدًا عن أعين الغرباء، حتى لا يتناقض مع مياه العلمانية التي ترفض الفصل بين المواطنين! ثم قام رئيس بلدية إحدى الضواحي الباريسية (Nogent sur marne) برفض الإشراف وقبول الزواج المدني لعروس؛ لأنها رفضت نزع الخمار، بدعوى عدم احترام القيم العلمانية للدول؛ لأن مقر البلدية رمز ومكان مبجل للجمهورية، ثم تلاه رفض أحد مديري المدارس دخول أولياء متحجبات إلى المدرسة لحضور حوار داخلي دعت إليه الدولة لمناقشة دور المدرسة، بدعوى علمانية المكان.

وكل هذه المظاهر الجديدة في المجتمع الفرنسي ليست شواذًا، ولكنها تعبير خطير عن عقلية جديدة بدأت تُنسج خيوطها في البيت السياسي أولًا، ثم تفشت في النسيج الاجتماعي، وهي الخوف والتوجس من هذا الدين ومن أصحابه، واعتبار أن جزءًا من هذا الوطن غير مرغوب فيه. وبالرغم من أن الرئيس الفرنسي قد حذر من هذا المنعطف، إلا أن القانون الذي أصدره بحظر الحجاب، قد يؤدي إلى نتائج خطيرة ترتبط بطبيعة العلاقة بين مختلف الطوائف بعضها ببعض، وإلى التدرجات الاجتماعية داخل الوطن الواحد، وسيشعر جزء منه أنه مضطهد، وأنه مواطن من الدرجة الثانية لاختلافه في المعتقد والدين. فهل هو عجز المجتمع الفرنسي عن استيعاب هذا الدين وتفهم ثقافة حامليه والقبول بالظاهرة الإسلامية؟ أم أن الخوف من الاحتواء الإسلامي للثقافة الأوروبية ولتاريخها يسوِّغ مثل هذه القوانين ويبشر بالمزيد منها؟

في نفس الوقت فقد كشفت قضية الحجاب في فرنسا أن العلمانية لم تعد تمارس حضورها كوعاء حاضن للاختلاف والتعدد ـ أي لا تمارس علمانيتها ـ إلا من خلال الأطر الثقافية والاجتماعية المهمشة، أو تلك المفرغة من أية مضمون أو بنية «عقائدية ـ نضالية» ، والتي لا تمثل تهديدًا لـ «هويتها الثقافية» وليس لـ «علمانيتها السياسية» ، مثل الجماعات الداعية إلى «عبادة الشيطان» أو «البوذية» أو «الزواج المثلي» أو الحرية الجنسية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. ومن هنا فإن فرنسا لم تخفق في محاولتها دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، وإنما تعمدت تهميشهم، وحصارهم داخل المناطق والجماعات المهمشة، وحشرهم داخل الأطر المشابهة، غير المؤهلة بطبيعتها للتمدد والتأثير الثقافي. هنا وهنا فقط تظل العلمانية الفرنسية محتفظة بوظيفتها كمظلة يستظل بها التعدد والاختلاف؛ وهذا شرط أساسي من الشروط التي تستقي منه العلمانية الفرنسية حيويتها. ولذا فإن فكرة دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، ربما تكون «واقعًا» ، ولكن عندما يستسلم المسلمون لثقافة فرنسا وهويتها المسيحية، وليس الانصياع كما يُدعَى لمبادئ العلمانية، فليس ثمة مشكلة في الأخيرة؛ فهي في روحها وقوانينها تقبل هذا الاندماج، متى تحررت من القيود الحضارية (أو الثقافية) ، وكذلك من أعباء الحفاظ على الجذور المسيحية للهوية الفرنسية.

من جانب آخر قد يتساءل أحد: ولماذا تثار حفيظة المسلمين نتيجة إلغاء هذه القطعة من القماش «الحجاب» باعتبارها ليست دليلًا قائمًا على إيمان العبد وقربه من ربه خاصة في البلدان المسلمة؟ وهنا يأتي الجواب من مسلمي أوروبا؛ فالحجاب بالنسبة لهؤلاء ليس مجرد سترة تستتر بها الفتاة أو المرأة المسلمة التزامًا بتعاليم دينها، بقدر ما هو تعبير عن الهوية الإسلامية والتخوف من انصهارها في الهوية الغربية المسيحية كما يأمل الأوروبيون. وعليه يصبح التفريط في حق ارتداء الحجاب بمثابة التفريط في ركن أصيل من أركان الهوية الإسلامية التي يجاهد المسلمون في أوروبا في التمسك بها والمحافظة عليها.

السنة التاسعة عشرة * العدد 197* المحرم 1425هـ * فبراير- مارس 2004م

أحمد الصويان

تضطرب البيئة المعاصرة بطوفان متعدد الأطياف من التيارات الفكرية، وهذا الاضطراب ناتج في كثير من الأحيان عن صراع فكري واجتماعي متعدد الجبهات في البلاد الغربية، تمتد انعكاساته في البيئة العربية والإسلامية، فترى ألوانًا من التخبط والخلط الفكري الذي بلغ مداه في العقد الأخير.

ومع كثرة الهزائم والنكسات السياسية والحضارية التي تشهدها البلاد الإسلامية ازداد التخبط والاضطراب، وتكاثر المتهوكون في أودية الباطل.. أولئك المنهزمون الذين لم يجدوا سبيلًا لرفع رؤوسهم إلا بالتقليد المطلق لكل ما غربي؛ فهو المحور الذي يدورون في رحاه، واستعلوا بانهزاميتهم، وتطاولوا بسقوطهم، وعدُّوا ذلك بابًا من أبواب التزيّن يتبخترون به على غيرهم..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت