وآفة الآفات، ومنشأ الخلل الحاصل من قِبَلِ بعض الباحثين، هو ممارسة تحقيق الأحاديث، والحكم على الأسانيد والمتون، استقلالًا من دون الرجوع إلى أئمة العلم لمعرفة كيفية ممارساتهم العملية.
فكما أن القواعد النظرية في هذا العلم تؤخذ من أهله المتخصصين فيه، فكذلك ينبغي أن يؤخذ الجانب العملي منهم؛ لا أن تؤخذ منهم ـ فقط ـ القواعد النظرية، ثم يتم إعمالها عمليًّا من غير معرفة بطَرَائِقِهم في إعمالها وتطبيقها.
فإن أهل مكة أعلم بشِعَابها، وأهل الدار أدرى بما فيه، وإن أفضل من يطبق القاعدة هو مَنْ وضعها وحرّرَها، ونظم شَرائِطَها، وحدّ حدودها.
وليس هذا جُنُوحًا إلى تقليدهم، ولا دعوة إلى تقديس أقوالهم، ولا غَلْقًا لباب الاجتهاد، ولا قتلًا للقدرات والمَلَكَات؛ بل هي دعوة إلى أخذ العلم من أهله، ومعرفته من أَرْبَابه، ودخوله من بابه، وتحمّلِه على وجهه.
وما رجوع أهل العلم ونقاده، بعضهم إلى بعض، وسؤال بعضهم بعضًا عن الأحاديث والروايات ـ كما صنع الإمام مسلم؛ لمّا صنف كتابه: ( الصحيح ) عَرَضَه على علماء عصره؛ ليقولوا كلمتهم فيه ـ مع ما حَبَاهُ الله ـ عز وجل ـ من سَعَةِ في الحفظ، ودقة في النقد، وصحة في النظر، وقوة في البحث، وصدق في الرأي، وما كان هذا إلا مَظْهَرًا من مظاهر معرفة أقدار العلماء، واحترام اختصاصاتهم.
وما تجريح أئمة الحديث للمُصِرّ على الخطأ، وهو مَن بينوا له خطأه فيما يرويه، فلم يرجع عن خطئه، ولم يبالِ بنقد النقاد، وأقام على روايته له آنفًا من الرجوع عنه (1) إلا رسالة تهديد شديدة اللّهْجَة لكل من تُسَوّل له نفسه أن يضرب بنقد النقاد عُرْضَ الحائط، ولا ينزّله منزلته اللائقة به.
الأصول والاصطلاحات
وحيث بان لنا أهمية الرجوع إلى أئمة الحديث للتفقّهِ بفقههم، والتفهّمِ بفهمهم، كان من الضروري معرفة أصول الأئمة ومناهجهم واصطلاحاتهم.
فإن مذاهب النقاد للأحاديث غامضة دقيقة؛ فربما أَعلّ بعضهم حديثًا استنكره، بعلة غير قادحة في الأصل، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر؛ وحجتهم في هذا: أن عدم القدح بتلك العلة مطلقًا، إنما بني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا يغلب على ظن الناقد بطلانه، فقد يحقق وجود الخلل، وإذ لم يوجد سبب له إلا تلك العلة؛ فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.
وبهذا يتبين
أن ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صححوا ما لا يُحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقب أن الخبر غير منكر (1) .
وربما يطلقون بعض الاصطلاحات على غير معناها المتقرر والمتعارف عليه؛ كمصطلح (الحسن) ، فإن بعض أهل العلم يستعمله في موضع (الغريب) أو (المنكر) على عكس معناه المتقرر، والذي يقتضي ثبوت الحديث.
وقد قال إبراهيم بن يزيد النخعي: ( كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يُخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده) .
قال الحافظ الخطيب البغدادي شارحًا له (2) : ( عَنَى إبراهيم بالأحسن: الغريبَ؛ لأن الغريب غير المألوف يُسْتَحْسَن أكثر من المشهور المعروف، وأصحاب الحديث يعبرون عن المناكير بهذه العبارة ) .
شرائط الكتب
إن أئمة الحديث ـ عليهم رحمة الله تعالى ـ لم يصنفوا هذه الكتب الحديثية جُزَافًا، بل كل مصنّفٍ لهم لمصنّفه فيه شرط التزمه، وغاية نشدها؛ فكان إخراج الحديث في مصنف ما، على وجه ما، كالإشارة من مصنّفه إلى حال هذا الحديث عنده.
ومن هنا؛ ندرك الخطأ الذي يقع فيه بعض الباحثين؛ حيث يخرجون الحديث من كتب متعددة، غير ملتفتين إلى الفائدة التي أسْدَاها إليهم صاحب الكتاب بإخراجه الحديث فيه.
فدلالة الاحتجاج بالحديث في ( الصحيحين ) على صحته، وتلقي العلماء له بالقبول؛ حيث لا يكون ثَمّة تعقب من بعض الحفاظ؛ لا ينبغي أن تهمل، بل على الباحث الاستفادة من هذه الدلالة، وتلك الفائدة، فلا يعامل أحاديث ( الصحيحين ) معاملته لغيرها.
ودلالة إخراج الحديث في كتب الأصول، كالسنن الأربعة و (الموطأ) و (المسند) لأحمد ـ أيضًا ـ لا ينبغي إهمالها.
بل من أهل العلم من يرى أن من علامات ضعف الحديث خُلُوّ هذه الكتب منه (1) .
وإخراج الحديث في ترجمة راويه المتفرد به في كتب الضعفاء مثل: ( الكامل ) لابن عدي، و ( الضعفاء ) للعقيلي، و (المجروحين) لابن حبان ـ يدل على ضعف الراوي دلالة واضحة جلية؛ لأن هؤلاء الأئمة إنما يخرجون في ترجمة الراوي بعض أحاديثه المنكرة؛ ليستدلوا بذلك على ضعفه، فكانت هذه الأحاديث، من هذه الأوجه، عند هؤلاء المصنّفين غاية في النكارة؛ حيث إنهم لم يضعفوها فحسب، بل استدلوا بها على ضعف راويها المتفرد بها.
وقد قال ابن عدي في مقدمة كتابه (2) ( .. وذَاكرٌ لكل رجل منهم مما رواه ما يُضَعّف من أجله، أو يَلْحَقه بروايته له اسم الضعف؛ لحاجة الناس إليها ) .
وقال الحافظ ابن حجر (3) : ( من عادة ابن عدي في الكامل، أن يخرج الأحاديث التي أنكرت على الثقة، أو على غير الثقة ) .
وكثيرًا ما يتبرّأ ابن حبان في (المجروحين) من تلك الأحاديث التي يخرجها في كتابه، ويصرح بأنه ما دفعه إلى إخراجها إلا الرغبة في بيان الضعفاء وبيان أحاديثهم المنكرة.
يقول في المقدمة (1) : ( وإنما نُمْلِي أسامي من ضُعّفَ من المحدّثين، وتَكَلّم فيه الأئمة المرضيون... ونذكر عند كل شيخ منهم من حديثه ما يُستدل به على وَهَنِه في روايته تلك) .
ويقول أيضا (2) ً: ( وإني لا أحل أحدًا روى عني هذه الأحاديث التي ذكرتها في هذا الكتاب إلا على سبيل الجرح في روايتها على حسب ما ذكرنا) .
وكرر هذا المعنى في غير ما موضع من كتابه (3) .
ملتقى أهل الحديث
حقائق حول التراث الإسلامي
أنور الجندي
إن نظرية فصل واقع الأمة وحاضرها عن التراث هي أكبر مؤامرة تواجه
الفكر الإسلامي الذي لم تنقطع مسيرته خلال أربعة عشر قرنًا ، أما دعاة التغريب فهُم يريدون فصله عن الإسلام وربطه بالعصر السابق كما حدث للفكر الأوروبي الذي انفصل عن العصر المسيحي ، وربط نفسه بالعصر الهلّيني . أما المسلمون فيؤمنون بضرورة وصل حاضر الأمة بماضيها ، وأهمية إضاءة الطريق إلى التراث لتكون الخطوات القادمة متصلة .
ولقد حرص النفوذ الأجنبي على الفصل بين الحاضر والماضي عند بدء كُتّاب (الرواد والقمم الشوامخ) من العصر الحاضر ، ووقفوا بماضيهم عند الحملة الفرنسية ، وأخذوا في معالجة التراث على أساس إخضاعه للنظريات الغربية المعاصرة القائمة على:
1-نظرية دارْوِن واعتبار الإنسان حيوانًا ناطقًا .
2-إعلاء شأن العنصر والدم ، وتجاهل الحقيقة الواضحة من أن الإسلام هو الذي وضع أسس العقل الغربي الحديث ، وأن وحدة الفكر الإسلامي قامت على أساس العقيدة لا العنصر أو الدم .
ولقد كان أول من هاجم التراث الإسلامي وأثار الشبهات حوله الدكتور طه حسين في (مسألة الشعر الجاهلي) ودعا إلى تطبيق منهج الشك الديكارتي عليه . ولقد تبين فساد منهج الشك الذي اصطنعه طه حسين ، ووضح اختلافه مع منهج ديكارت .
كما حاول الغربيون تطبيق المنهج الغربي (المادي) في دراسة التراث
الإسلامي ، وهو منهج تشكّل في ضوء الصراع مع النصرانية ، وحاولوا به