فهرس الكتاب

الصفحة 2044 من 3028

(5) محمد عبده، سلسلة الأعمال المجهولة، لعلي شلش، ص 53، وانظر: العلمانية من منظور مختلف، ص 179، ومنهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، لفهد بن عبد الرحمن الرومي، ص 161، وانظر صورة الرسالة بخط محمد عبده، ص 162، 163، من الكتاب الأخير، وقد حذف رشيد رضا هذا المقطع عند إيراده لرسالة محمد عبده في (تاريخ الأستاذ الإمام) على عادته في حذف ما يرى عدم مناسبة نشره، انظر: تاريخ الأستاذ الإمام، ج 2، ص 599.

مجلة البيان

ماذا يُراد بأمتنا العربية والإسلامية؟ الاستعمار النفسي في ثوبه الجديد

مقدمة:

عرف العالم منذ القرن الخامس عشر الميلادي ما يُسمى بالاستعمار الغربي، وكان يعني في ذلك الوقت:"إخضاع جماعة من الناس لحكم أجنبي، ويسمى سكان البلاد المحتلة بالمستعمَرين بفتح الميم، وتسمى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال البلاد المستعمَرة بفتح الميم" (1) . والآن ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين يشهد العالم نوعًا جديدًا من الاستعمار يمكن تسميته ب (الاستعمار النفسي) .

مفهوم الاستعمار النفسي وأهدافه:

إن الاستعمار النفسي استعمار جديد يعمد إلى استعمار النفوس والعقول والأفئدة بدلًا من استعمار الأرض؛ وذلك أن السيطرة على النفوس والعقول والأفئدة يعني السيطرة على كل شيء، فتكاد هذه النفوس ألاَّ ترى إلا بعينه، ولا تسمع إلا بأذنه، ولا تفكر إلا بعقله، تكره ما يكره، وتهوى ما يهوى، وتفني حياتها في سبيل رضاه، ثم ليتها تحظى به؛ فربما كان نصيبها النقمة والازدراء!!

وإذا قِيسَ الاستعمار القديم بهذا الاستعمار النفسي فإنه يعد استعمارًا ساذجًا؛ ذلك أن الاستعمار النفسي أشد فتكًا، وأعظم ضراوة، فهو شديد المراوغة والخداع، سريع التطوير لخططه الخبيثة، وطمعه لا تحده حدود؛ فهو لا يقنع بامتلاك الأرض واستغلال ثرواتها فحسب، بل يريد الأرض ومن عليها، وكأن لسان حاله يقول:

لنا الدنيا ومَنْ أمسى عليها

ونَبْطشُ حين نبطشُ قادرينا (2)

أستغفر الله من زلة القلم، فهذا هدف يعد متواضعًا في حقه؛ فهو يريد الكون بأسره، فلا يكتفي بغزو الأرض حتى يتسابق إلى غزو الفضاء، ويعد برامجه لحرب الفضاء (3) .

خطره على الأمة العربية والإسلامية:

وأمتنا العربية والإسلامية مستهدفة من هذا الاستعمار لما فيها من طاقات متنوعة وثروات طبيعية هائلة، ولما تحمل في عقيدتها ودينها من مقومات الصمود أمامه؛ فلم ينس هذا الاستعمار هزيمته النكراء أمامها يومًا ما (1) ؛ ولذا طور خططه، ووسع دائرة أهدافه، ونوَّع وسائله، وغيَّر خطابه؛ فهو يريد هذه المرة ألا يُفلت أحد من قبضته ولا يحيد عن سلطانه قدر أنملة، يريد أن يسبِّح الجميع بحمده، ويتغنى بمآثره، ويعشق ثقافته، ويتمنى رضاه، ويكون طوع هواه.

الهزيمة النفسية:

إن الاستعمار النفسي يهدف أول ما يهدف إلى هزيمة أمتنا هزيمة نفسية تشعر معها بمرارة العجز والقهر (2) واليأس، وتزول لديها أية بارقة أمل في نهضة حضارية ومستقبل مشرق واعد، وإذا تمكن من تحقيق هذا الهدف فإن ما سواه أهون؛ فالأمة المهزومة نفسيًا ليس لها في ظني إلا خياران: إما أن تنتحر وتفنى، أو تلقي بنفسها في أحضان هذا المستعمِر بكسر الميم، وتمكّنه من نفسها يعبث بها كيفما يشاء، وتدين له بالتبعية والولاء التام، فيتحقق له ما أراد من السيطرة عليها ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا... إلخ؛ فالهزيمة النفسية أقسى أنواع الهزائم البشرية؛ بحيث تفقد الأمة معها كيانها، وتشعر بالتخبط والاختلال، وتسلم قيادها وهي مخدرة إلى هذا المستعمر ليوجهه كيف شاء، وأين شاء، ومتى شاء.

الاستعمار عن بعد:

وهذا إن دل فإنما يدل على مدى ذكائه وضرواته، فقد رأى أن الاستعمار العسكري بمفهومه التقليدي استعمار ساذج لا بد أن يُقضى عليه يومًا ما، وحينئذ يخرج منهزمًا منبوذًا وقد تكبد خسارة مادية ومعنوية وعسكرية فادحة. أما الاستعمار النفسي فيحقق جميع أهدافه ومكاسبه بمفاتيح التحكم عن بعد، وبأقل جهد: يأمر فيطاع، ويطلب فيلبى طلبه؛ فالعقول مخدرة، والنفوس أشبه ما تكون نائمة بفعل التنويم النفسي.

وسائل وأقنعة:

يلجأ هذا الاستعمار إلى وسائل خبيثة وفتاكة أدمنها ضحاياه، ويتخذ من بعضها قناعًا يخفي تحته أهدافه الحقيقية، فإذا ما اكتشفت حقيقتها أسفر عن وجهه الحقيقي المرعب، وأبرز أنيابه المخيفة الحادة يغرزها في جسد ضحاياه، مطبقًا عليهم من كل جانب، متلذذًا بأنينهم وصراخهم، ثم تطفر من عينيه دمعة عليهم، فتكون المساعدات الاقتصادية، وإغاثة هيئة الصليب الأحمر؛ فيا له من استعمار رحيم مرهف الإحساس!!!

ومن أهم هذه الوسائل والأقنعة:

1 وسائل الإعلام:

لقد أدرك هذا الاستعمار أهمية وسائل الإعلام في عصر من يمتلك فيه هذه الوسائل يمتلك العالم (3) ، فلا عجب إذن إذا علمنا أن هناك حوالي (120) وكالة إعلام دولية في العالم (1) منها (30) وكالة أمريكية لها قرابة (200) فرع توكيل في العالم العربي، وميزانية هذه الوكالات وحدها تعادل الميزانية المخصصة للتعليم في البلاد العربية (2) ، والإعلام الغربي عامة يمثل أكثر من (90%) من الإعلام العالمي (3) .

سيطرة اليهود على الإعلام الأمريكي:

والجدير بالذكر أن اليهود يسيطرون على الإعلام الأمريكي، سواء فيما يتعلق بالشبكات التليفزيونية، مثل شبكة (CNN) وشبكة (ABC) ، وشبكة (CBS) ، أو فيما يتعلق بالصحف؛ حيث يمتلك اليهود أكبر ثلاث مؤسسات صحفية أمريكية مؤثرة هي: (نيويورك تايمز) ، و (واشنطن بوست) ، وصحيفة (وول ستريت جورنال) ، أو فيما يتعلق بالمجلات الأسبوعية؛ حيث يمتلك اليهود أهم هذه المجلات وهي: مجلة (التايم) ، ومجلة (نيوزويك) ، ومجلة (يو إس نيوز) (4) .

التبعية الإعلامية:

وإذا تساءلنا: ما دور وكالات الأنباء العربية والإسلامية في الساحة الإعلامية؟ فالإجابة تبدو مخزية؛ وذلك أن هذه الوكالات العربية والإسلامية تعمل من الداخل لصالح وكالات الأنباء الأجنبية، خاصة الوكالات الخمس الكبرى التي تحتكر الأخبار والمعلومات بنسبة (80%) ، وهي: (رويتر) ، و (أسوشيتد برس) ، و (يونايتد برس إنتر ناشيونال) ، ووكالة الأنباء الفرنسية، ووكالة (تاس) الروسية (5) ، ولا تجد وكالات الأنباء العربية والإسلامية أمامها إلا أن تعتمد عليها في نقل الأخبار وتغطية الأحداث (6) . هذا فضلًا عن أن المسلسلات والبرامج الدرامية في الفضائيات العربية تقريبًا (70%) منها أمريكية، علمًا بأن القنوات الفضائية الأمريكية لا تعرض أكثر من (2%) فقط من المسلسلات والبرامج غير الأمريكية، ولا يخفى على كل ذي بصيرة أن أمريكا لا تصدر إلينا إلا إنتاجها الثقافي الرديء الذي يحمل في طياته قيمًا تتعارض مع منظومة قيمنا وتقاليدنا العربية والإسلامية (7) ، وفي ندوة (همر شولد) الدولية التي عقدت في نيويورك عام (1975م) ، أكد المتحدثون"أن أنظمة الأخبار والحكومات والمصالح العسكرية والتجارية الغربية تقوم عمدًا بالتلاعب بتدفق الأخبار العالمية لصالحها، وذلك بهدف الإبقاء على العالم الثالث في حالة تبعية" (8) .

2 -ثورة المعلومات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت