اللغة هي وعاء الفكر والحضارة، فبدونها لا يمكن التعبير عن المعاني، وتعتبر إحدى المقومات الرئيسة التي تكوِّن شخصية الأمة، وتعطيها ملامحها وهويتها، وترسي دعائم التفاهم بين أبنائها وتحقق وحدتها؛ وكلما ارتقت لغة الأمة نمت واتسعت مفرداتها وكثر الاشتقاق والتوليد فيها كلما دلَّت على حيوية الأمة وتحضُّرها، ومن هنا حظيت لغة الأمم الراقية باهتمام بالغ، فلها مجامعها العريقة، ومعاجمها المتطورة النامية، ودورياتها المستمرة التي توضح ما استجد فيها وما طرأ عليها؛ فثمة ألفاظ تموت بعد قرن أو أكثر من حياة اللغة، وثمة ألفاظ تولد، وعلى المدى البعيد تتسع الهوة بين اللغة وأصولها القديمة.
ومن المعلوم أن اللغة الإنجليزية المعاصرة تختلف كثيرًا عن لغة (( شكسبير ) )، كما أن لغة (( شكسبير ) )تختلف عن أصولها اللاتينية اختلافًا عظيمًا ...
واللغة العربية احتلت مكانًا عظيمًا في العصر الجاهلي؛ حيث تميز العرب باهتمامهم الكبير بالشعر والخطابة، وعقدوا لهما الأسواق الأدبية، فكان للكلمة قيمة كبيرة، لكن العرب لم يكونوا يدونون ذلك.
ونزل القرآن الكريم بلغة قريش العربية، فأعطى العربية فرصة عظمى لتتقارب لغاتها وتتبلور في لغة القرآن .. لغة الشمال .. كما أعطاها فرصة أعظم للحفاظ على أصولها حيث يحتوي القرآن الكريم على 30% من الجذور التي يحتويها كتاب (الصحاح ) للجوهري (5 ) سواء أكانت حيَّة أم ميتة، وترتفع النسبة بالطبع إذا أخذت بالنسبة للجذور المستعملة فقط من صحاح الجوهري؛ وبالتالي فقد أعطى الحياة الدائمة لهذه الجذور في حين فقدت العديد من الجذور الأخرى حياتها مع تعاقب القرون ..
وارتفع الإسلام بلغة العرب إلى لغة الإدارة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والعلوم بعد أن كانت لغة الأدب والثقافة فحسب .. وذلك عندما استعملت الدولة الإسلامية اللغة العربية في عصر الراشدين والأمويين والعباسيين ..
ودخلت أمم أعجمية في الإسلام واتسعت دائرة انتشار العربية؛ تبعًا لانتشار الإسلام الذي يحتاج التفقه فيه وفهمه إلى معرفة اللغة العربية .. وزادت خصوبة العربية واتسع نموها.. وتعكس المعاجم اللغوية التي ألِّفت في فترات متعاقبة مقدار النمو اللغوي عبر العصور.
فقد حوى كتاب (الصحاح ) للجوهري (ت 393هـ ) (5618 ) جذرًا.
في حين حوى (لسان العرب ) لابن منظور (ت711 هـ ) (9273 ) جذرًا، أما (تاج العروس ) للزبيدي (ت1205 هـ ) فإنه حوى (11978 ) جذرًا أي بزيادة (25% ) على ما في (لسان العرب ) و (50% ) على ما في (الصحاح ) للجوهري، أي أن (تاج العروس ) تفرَّد بربع اللغة تقريبًا (6 ) ، ثم لم تُجْرَ محاولة شاملة للتأليف المعجمي واحتواء المفردات الجديدة حتى أواسط القرن العشرين عندما ظهر المعجم الوسيط، وتحركت المجامع العلمية اللغوية العربية لتدارك الأخطار المحدقة بلغتنا نتيجة التحديات المعاصرة .. فما يستجد من ألفاظ الحضارة في العالم قدر هائل يصل في المتوسط إلى خمسين كلمة جديدة تولد في كل يوم، وتتطلب اجتهادًا من أصحاب اللغة يسيغها ويطوعها للغة العربية (7 ) وإلاَّ انعزلت اللغة العربية عن عالم الحضارة والفكر، رغم مرونتها العظيمة وقدرتها الهائلة على الاشتقاق والتوليد منها، وما ذلك إلاَّ لعجز أبنائها عن مواكبة الحياة ..
أهمية مراقبة تطور اللغة العربية
إن ترك اللغة العربية تتطور مثل بقية اللغات العالمية بانسياب، ودون الاهتمام بالمحافظة على لغة القرون الهجرية الأولى يولِّد أخطارًا كبيرة، إن التطور الانسيابي للّغة الإنجليزية جعل الإنجليز لا يقرؤون (( شكسبير ) )دون قاموس لغوي؛ فهل سيحدث هذا مع اللغة العربية فلا يتمكن المسلم من قراءة القرآن والسنة وكتب التراث إلا بالقواميس؟!
إن لغتنا الأدبية لا تزال هي الفصحى، والتراث اللغوي القديم يرفدها بالمفردات والأساليب ويوسع من دائرتها.
ولذلك فإن دراسة التراث القديم يؤثر في الارتقاء بلغتنا الأدبية والحفاظ على أصالتها؛ كما يؤدي إلى استمرار إفادتنا من النتاج الفكري المكتوب بالعربية الفصحى في حياتنا المعاصرة.
وإهمال تراثنا الأدبي القديم يقطع صلتنا بالقرآن الكريم والحديث الشريف، ويُمَكِّن لِلَّجهات العامية من النمو على حساب الفصحى؛ مما يخلف التمزق في الأمة؛ لأن لِلُّغة مكانة خطيرة في الوحدة الثقافية والهوية الذاتية.
وهنا تكمن أخطار الدعوة إلى تغيير القواعد النحوية والصرفية والبلاغية في دراسة العلوم الشرعية .. سيظهر القُصور في فهم القديم، ثم الانقطاع النهائي، بل الشك في ذلك كله لأنه مبني على الأصول القديمة؛ اعتبارًا من بلاغة القرآن وإعجازه اللغوي، إلى طرق استنباط الأحكام وفق قواعد (( أصول الفقه ) )المبنية بصورة أساسية على قواعد اللغة العربية وفهم أساليبها.
في عام 1973م كانت نسبة سكان قارة أوروبا لا تتجاوز
(5 ,12% ) من مجموع سكان العالم؛ ومع ذلك فإن هذه النسبة أنتجت (45% ) من مجموع كتب العالم.
وعلى العكس من ذلك كانت نسبة سكان آسيا دون الجمهوريات السوفييتية) (57% ) إلاَّ أن إنتاجها من الكتب لم يتجاوز (30% ) .
وتتضح هذه المقابلة مرة أخرى بمقارنة الاتحاد السوفييتي بأفريقيا، فنسبة سكان الاتحاد السوفييتي (5 ,6 % ) من مجموع سكان العالم، في حين أن نسبة سكان أفريقية ترتفع (7 ,9% ) ومع ذلك فالاتحاد السوفييتي أنتج (14% ) من كتب العالم في حين أنتجت أفريقية (7 ,1 % ) فقط .
وباختصار فإن عشر دول فقط تنتج (60% ) من مجموع كتب العالم ... (8 ) .
ومن المعلوم أن العالم الإسلامي يقع في آسيا وأفريقيا حيث النسبة المتدنية من الإنتاج الثقافي العالمي؛ ولا شك أن الإنتاج الثقافي هو قمة الإنتاج الحضاري.
فمشكلة الثقافة مرتبطة بالمشكلة الحضارية ولا تنفك عنها، وواضح أن البلدان المتقدمة تكنولوجيًا هي التي حققت النسب العليا من الإنتاج الثقافي.
ولو تمت دراسة أبعاد مشكلة البحث العلمي والإنتاج الثقافي في العالم الإسلامي لأمكن تحديد بعض العوامل المؤثرة في تخلف الواقع الثقافي؛ وربما يكون من المجدي حصر الكلام عن الدراسات الإنسانية والعلوم الإسلامية وما تعانيه من عقبات عامة؛ فهذا النمط من الدراسات ألصق بالأيديولوجية وبروح الحضارة.
ومن أجل النفاذ إلى جذور المشكلة لابد من التأمل في برامج إعداد القيادات الفكرية في العالم الإسلامي.
ولا شك أن وقت الإنسان وطاقته محدودان؛ والعمل الدؤوب في البحث العلمي، أو تحقيق النصوص، ثم تحليلها قد يستنفذ حيوية الإنسان إذا لم تضبطه ضوابط من وضوح الرؤية، والقدرة على الموازنة بين القديم والجديد، أو التراث والمعاصرة، إن الخوف من ضياع الباحث في زاوية من زوايا الفكر يظل قائمًا ما لم يلتزم بالرؤية الواضحة ...
المفكر والأستاذ الجامعي
وبالنسبة للمفكر وللأستاذ الجامعي فإن الأمر جدير بكثير من التأمل، وبمراجعة المناهج التي وضعت لتكوين شخصية الأستاذ الجامعي وبناء ثقافته الأكاديمية في مجال العلوم الإنسانية ...
تلك المناهج التي تبدأ عادة بمرحلة الماجستير وتنتهي باجتياز الدكتوراه. ما مدى تكاملها؟ وما قدر سعتها؟ وهل تنتهي بالدارس إلى أن يصبح مفكرًا أو أديبًا أو أستاذًا جامعيًا؟ هل يكفي أن يحقق طالب في التاريخ مخطوطة للماجستير وأخرى للدكتوراه ليحتل مقعد الأستاذية ويصبح مسؤولًا عن تكوين كوادر المثقفين أو المتعلمين تعلمًا عاليًا؟! ..