فهرس الكتاب

الصفحة 1205 من 3028

حتى خُيِّل لبعض المنهزِمين أن لا امتطاءَ لصهوَة التقدم والحضارة إلاّ بالتمرُّد على الدين والنيلِ من قيَمه ومفاهيمه والمساسِ بثوابتِه والمطالبة بإخضاع مسلَّماته ومحكَماته للنَّظر والحوار، فظنّ بعضهم الإفسادَ إصلاحًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَاكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] ، وقد قال قائلهم عن نبيّ الله موسى عليه السلام وكلميه: إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26] .

فمهلًا مهلًا أيّها المفتونون، ورويدَكم رويدَكم أيّها المنهزِمون، وعلى رسلِكم أيّها الخائضون في أمور الشريعة، فأعطُوا القوسَ باريها، وحنانَيكم أيّها المخالِفون، فها قد برِح الخفا، وتبيَّن الحقّ وانجلى، وظهرَ المحقّ واعتلى، ووُضعت المفاهيم في صحيح مجاريها، وحاد السالكُ عن الشطَط في مراميها، ولم يبقَ لمعاندٍ مستمسَك، ولا لمجادلٍ مستعصَم، ولن يُخرجَ الأمّةَ من وهدتها وينقذها من جديدِ صراعاتها إلاّ عودتها الجادّةُ لتصحيح مفاهيمها في أنفسها أوّلًا، ثمّ عند غيرها ثانيًا، مستثمرةً وسائلَ العصر وثقافاته في تحقيق ذلك قبلَ أن يستفحلَ داؤها ويستحيلَ دواؤها، ولنا عِبرةٌ أيّ عِبرة تتبعُها لوعة وعَبرة في أساطين المفاهيم المغلوطَة عبر التأريخ الذين ندِموا على ما قدَّموا، واعترفوا بحيرتهم واضطِرابهم، فأرواحُهم في وحشةٍ من جسُومهم، وحاصلُ دنياهم أذًى ووبال، وآخَر قد طاف المعاهدَ كلَّها، وسيَّر طرفَه بين تلك المعالم، فلم يرَ إلاّ واضعًا كفَّ حائرٍ على ذَقَنٍ أو قارعًا سنَّ نادم.

فيا هؤلاء، ويا أولئك، ويحكم، البدارَ البدارَ قبل فواتِ الأوان، فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50] .

ألا وصلّوا وسلّموا ـ رحمكم الله ـ على الرحمةِ المهداة والنّعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله، كما أمركم ربكم جلّ في علاه فقال تعالى قولًا كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمّ صلّ وسلِّم وبارك على سيّد الأوّلين والآخرين وأشرفِ الأنبياء والمرسلين نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين...

(1) صحيح مسلم: كتب الإيمان (145) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) بيت من القصيدة الميمية لابن القيم.

(3) أخرجه الدار قطني في سننه (4/206-207) ، والبيهقي في السنن الكبرى (10/ 119، 150) ، قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (6/71) :"رسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبي موسى الأشعري تداولها الفقهاء، وبنوا عليها واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه، ومن طرقها ما رواه أبو عبيد وابن بطة وغيرهما بالإسناد الثابت عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري..."، وقال الحافظ في التلخيص (4/196) :"ساقه ابن حزم من طريقين، وأعلهما بالانقطاع، لكن اختلاف المخرج فيهما مما يقوي أصل الرسالة، لا سيما وفي بعض طرقه أن راويه أخرج الرسالة مكتوبة".

(4) أخرجه البخاري في الجهاد (3047) بنحوه.

(5) أخرجه البخاري في المناقب (3654، 3904) ، ومسلم في فضائل الصحابة (2382) .

(6) أخرجه أحمد (1/266، 314، 328، 335) ، والطبراني في الكبير (10/238، 263) ، وصححه ابن حبان (7055) ، والحاكم (6287) ، وقال الهيثمي في المجمع (9/276) :"لأحمد طريقان، رجالهما رجال الصحيح"، وصححه الألباني في شرح الطحاوية (180) . وهو متفق عليه دون قوله: (( وعلمه التأويل ) )، أخرجه البخاري في الوضوء (143) ، ومسلم في فضائل الصحابة (2477) .

(7) إعلام الموقعين (1/87-88) .

(8) هذا البيت من الكافية الشافية لابن القيم.

(9) المدخل إلى السنن الكبرى (ص110) ، ومناقب الشافعي (1/442) للبيهقي.

(10) 10] السنة (ص78) .

(11) 11] الموافقات (3/77) .

(12) صحيح البخاري: كتاب التفسير (4547) ، صحيح مسلم: كتاب العلم (2665) .

(13) سنن الدارمي: المقدمة (119) ، وأخرجه أيضا الآجري في الشريعة (1/48، 52) ، واللالكائي في أصول الاعتقاد (202) .

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3259)

عبد العزيز بن محمد القنام

وادي الدواسر

جامع النويعمة القديم

الخطبة الأولى

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واشكروه على إدراك رمضان بالصيام والقيام حتى أكملتم عدته وقضيتم مدته بأمن وإيمان ورغد واطمئنان وعافية في العقول والأبدان، فالحمد لله الذي بنعمته أتم الصالحات، وبفضل رحمته هدانا للطيبات، ونسأله قبول الطاعات وتكفير الخطايا والسيئات ورفيع الدرجات.

أيها المسلمون، إنكم في يومٍ تبسمت لكم فيه الدنيا، أرضُها وسماؤها، شمسُها وضياؤها، صمتم لله ثلاثين يومًا، وقمتم لله ثلاثين ليلة، ثم جئتم اليوم إلى مصلاكم تكبرون الله ربكم على ما هداكم إليه من دين قويم وصراط مستقيم وصيام وقيام وشريعة ونظام، وقد خرجتم إلى صلاة العيد وقلوبكم قد امتلأت به فرحًا وسرورًا، تسألون الله الرضا والقبول، وتحمدونه على الإنعام بالتمام والتوفيق للصيام والقيام، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

أيها المقبولون، هنيئًا لكم. أيها المردودون، جبر الله مصيبتكم، ماذا فات من فاته خير رمضان؟! وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان؟! كم بين من حظّه فيه القبول والغفران ومن حظّه فيه الخيبة والخسران؟! متى يصلح من لم يصلح في رمضان؟! ومتى يصحُّ من كان فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان؟! فيا أرباب الذنوب العظيمة، الغنيمةَ الغنيمةَ في هذه الأيام الكريمة، فمن أُعتق فيها من النار فقد فاز ـ والله ـ بالجائزة العظيمة والمنحة الجسيمة، أين حَرَق المهتمين في نهاره؟! أين قلق المجتهدين في أسحاره؟! فيا من أعتقه مولاه من النار، إياك ثم إياك أن تعود بعد أن صرت حرًا إلى رق الأوزار.

فهنيئًا للمسلمين في هذا اليوم المبارك، هنيئًا لهم بحلول هذا العيد السعيد، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن السعادة في العيد لا تكمن في المظاهر والشكليات، وإنما تتجسد في المعنويات وعمل الصالحات، واذكروا نعمة الله عليكم مما تنعمون به من حلول العيد المبارك في أمن وأمان وصحة وخير وسلام وإيمان، فهذه النعم سلبها كثير من الناس. عندما يقبِل العيدُ تشرِق الأرضُ في أبهى صورَة، ويبدو الكونُ في أزهى حللِه، كلّ هذه المظاهر الرائعةِ تعبيرٌ عن فرحةِ المسلمين بالعيد، وهل أفرحُ للقلب من فرحةٍ نال بها رضا ربّ العالمين لِما قدّمه من طاعةٍ وعمل وإحسان. إنَّها فرحةٌ تشمَل الغنيَّ والفقير، ومساواةٌ بين أفرادِ المجتمع كبيرِهم وصغيرِهم، فالموسرون يبسطون أيديَهم بالجود والسخاء، وتتحرَّك نفوسهم بالشفقة والرحمة، وتسري في قلوبهم روحُ المحبّة والتآخي، فتذهب عنهم الضغائن وتسودُهم المحبّة والمودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت