وهكذا يريد سفهاء البشرية أن يتحكموا في فهم تراثها ونصوصها الدينية والتاريخية ، كما يحلو لهم بدون رقابة من ضوابط المنهج العلمي ، وعلى أصول
المعرفة ، سواء ما كان منها عند ( المسلمين ) أو عند ( أهل الكتابين ) أن تخضع لما
زعمه الفكر الاستشراقي والحداثي من أن( كل دين عند تحليله إنما تتعدد أشكاله
بعدد معتنقيه ، إنها حقيقة تاريخية أساسية لا غنى عنها لإدراك الدين وتاريخه )،
وإن في المناقشة السابقة الذكر ما يثبت لك أن هذا هراء لا حقيقة له ، ولن تجد ( أصلًا ) معرفيًّا عند المخالفين للإسلام يقوم على أساس علمي ، وعند تأمل أصولهم
السابقة يظهر لك هذا بجلاء .
-فالعلمانيون يدافعون عن أصلهم المعرفي الذي كشفنا عنه في مقال سابق
بقولهم: أنترك ما جاءت به القوانين الوضعية ونفعل في أنفسنا وأموالنا ومجتمعاتنا
ما تريده الشريعة الإسلامية ؟ ! .
-والقوميون قال قائلهم:
سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلًا وسهلًا بعدها بجهنم
والحداثيون يدافعون عن ( الخرافة ) التي يحملونها ، بمثل ما يقوله ولفرد سميث
وأضرابه .
وإذا قال لنا قائل: كيف تسقطون ( العلمية والشرعية ) عن كل أصل معرفي
يعارض أصلكم المعرفي ؟ قلت: الجواب: إن أصلنا المعرفي لم نضعه نحن ، ولم
يضعه بشر على الإطلاق ، ولم نؤمن به بهذا الاعتبار ، وإنما آمنا به ودعونا إليه
لأنه في الحقيقة ( وحي رباني ) جاءت به الرسل من عند الله ، فنحن نؤمن به بهذا
الاعتبار ، ولذلك لما انتفت عنه البشرية انتفت عنه طبائع البشر من الاختلاف
والاضطراب وتعدد الأسماء والشارات ، فهو ليس خاصًا بقوم دون قوم ، ولا بزمان
دون زمان ، بل جعله الله أصلًا في المعرفة لبني الإنسان ، وأمر الرسل بأن يدعوا
إليه وجعل رسوله محمدًا مبعوثًا به إلى كافة الناس ، وأمر بإبلاغه والتربية على
مقتضاه ، وتسفيه ما يخالفه من الأصول والأفكار ، فنحن إذًا ندعو إليه باعتباره دين
الله إلى البشرية كافة في جميع أحوالها وعصورها ، وعلى اختلاف أجناسها وأممها .
وتسقط الشرعية عن ما يخالفه - من علمانية وقومية وحداثية - .. باعتبارها
مخالفة لدين الله ، ولدعوة الأنبياء ، ولفطرة البشرية التي فطهرها الله عليها .
وإذا استبان هذا الأمر واتضح فإنه مما يجب على كل إنسان أن يعلم أن
الخلاف الحقيقي بين أهل الحق وأهل الباطل إنما هو على حاكمية الشريعة على ما
سبق بيانه عند عرض أصول المعرفة ، وليس الخلاف على ربوبية الله ، ولا على
مشروعية صرف بعض أنواع العبادة له سبحانه ، لأن أكثر أهل الملل والنحل قديمًا
وحديثًا يرتضونه إلهًا في بعض أنواع العبادة على الدوام ، ومنهم من يجعلونه إلهًا
في بعضها في بعض الأحيان ، ثم يفترق أهل الحق وأهل الباطل ، فيقول أهل
الحق: الله هو المعبود وهو صاحب الحكم الكوني والشرعي ، وشريعته هي
الحاكمة على كل حال . وخالف أهل الباطل فمنهم من يقول:
-ليس له من الحكم الكوني والشرعي شيء .
-ومنهم من يقول له الحكم الكوني لا الشرعي .
-ومنهم من يقول له الحكم الكوني ، وأما الشرعي ففي حال دون حال .
ثم يقول هؤلاء المخالفون بلسان واحد: كيف نجعل الشريعة الإسلامية حكمًا
على جميع تلك المتغيرات من المذاهب والمبادئ والأحكام ؟ . كيف يكون الحكم
الوحيد على جميع الأحداث وفي جميع الأوضاع والأحوال هو( الشريعة
الإسلامية )؟.
أيكون الحكم الكوني القدري لله ، وكذلك الحكم الديني الشرعي له أيضًا ؟ فماذا
بقي لنا ؟ .
ولم لا يكون لله الحكم الكوني القدري - أي الخلق والرزق والتدبير- ويكون
لنا الحكم الشرعي الديني ، فنحدد منهاج حياتنا بأنفسنا كما نشاء ؟ .
أيعقل أن يكون الحكم كله لله ؛ ويكون الدين هو الحكم الوحيد في أمورنا
الخاصة والعامة ؟ .
ولم لا نختار فنقرر بالحكم الشرعي الديني ثم نأخذ منه ما نريد ونعرض عما
لا نريد ؟ أنلتزم بكل ما جاءت به الشريعة الإسلامية ؟ أهذا هو ( الدين القيم ) الذي
لا ننجو إلا باتباعه ؟ ! وماذا نصنع بهذه الأسماء ( العلمانية ) ( القومية ) ( الحداثة )
( الشيوعية ) ( القوانين الوضعية ) ... إنها أسماء ومذاهب عرفها مفكرونا وآباؤنا
الروحيون . أيعقل أن تعزل عن السلطان فلا يكون لها أمر ولا نهي ومفاهيم ومبادئ
معمول بها ومجتباة ؟ ! ! .
[ إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ] ،[ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذَا إلاَّ
اخْتِلاقٌ ]وإذا كان موقف أهل الباطل واحدًا ، وتعجبهم متشابهًا ، فإن جواب أهل الحق واحد وموقفهم تالد ، فهذا يوسف عليه السلام أحد أنبياء بني إسرائيل قال لقومه:[ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ ، مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ
إلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ
تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ] [يوسف: 39 ، 40] .
وإن هذا الموقف القرآني هو موقف الرسل جميعًا وهو يوجب إسقاط الشرعية
عن جميع المذاهب والقوانين المخالفة للشريعة الإسلامية ، وهو أشد ما يزعج أعداء
الإسلام ، ويأتي على أصولهم في المعرفة بالإبطال .
(1) وشهد شاهد من أهلها ، انظر حديث (جب) عنها في كتابه: الاتجاهات الحديثة / 4 .
(2) هذا هو أصل الفكرة القومية المستوردة ، أما الآن فإن كثيرًا من القوميين بعد أن أدركوا صعوبة بل استحالة تجاهل الدين ، تكرموا بالاعتراف بأهميته ، على دخل في النوايا ، وزغل كثير في الطوايا (التحرير) .
(3) انظر كتاب القومية العربية على ضوء الإسلام ، للدكتور صالح العبود .
(4) الفكر العربي ، لمحمد أركون ، ترجمة عادل العوا ، بيروت ، منشورات عويدات 189-132-134-155 .
(5) المصدر السابق .
(6) الإسلام في التاريخ الحديث ، للمستشرق ولفرد كانتول سميث 7-8-11- 41 .
/ د.عابد السفياني
إن من المعلوم أن مجرد بقاء الوحي - كتابًا وسنة- بلا تحريف ولا تبديل لرسمه ، لم هو الذي بنى الجيل الأول والقرن الذي يليه والقرن الذي يليه ، ولم يكن أيضًا مجرد الانتساب ، بل كان وراء ذلك فهم متوازن متكامل للعقيدة على منهج أهل السنة ، وتطبيق حي واقعي لأحكام الإسلام ، وكنهج تربوي يحفظ هذا المجتمع على الصورة الصحيحة للإسلام فكرًا وعملًا ، ومن ثم كان ذلك الجيل هو الحجة علينا وعلى البشرية جمعاء وسبيله هو السبيل الوحيد لإقامة الحق والخير في هذه الأمة وفي البشرية بإذن الله ، ومما تميز به ذلك الجيل الأمور التالية:
-التسليم للنص الشرعي ، والمحافظة على الأسماء الشرعية والدفاع عنها ونشرها وتعليمها للناس كافة ، ودعوتهم إلى الإذعان لحاكمية الشريعة الإسلامية ، وبناء المنهج الإصلاحي على هذا الأساس .
-التحذير من المصطلحات الحادثة التي ابتدعها الناس ، وكشف زيفها وبيان حكم الشرع فيها .
-التأكيد على تجديد الأصول والأسماء الشرعية دائمًا ، وإبراز خصائص هذه الأمة واستقلالها ، والدفاع عنها .