وهكذا يمكن القول بأن الاستشراق ـ في دراسته للإسلام ـ ليس علمًا بأي مقياس علمي، وإنما هو عبارة عن أيديولوجية يراد من خلالها ترويج تصورات معينة عن الإسلام، بصرف النظر عما إذا كانت هذه التصورات قائمة على حقائق أو مرتكزة على أوهام وافتراءات .
وهذا يذكرنا بما كان يفعله السوفسطائيون قديمًا .
فإذا وصفنا المستشرقين المتحاملين على الإسلام بأنهم السوفسطائيون الجدد فنحن بذلك لم نتجن عليهم على الإطلاق ، ولم نتجاوز التعبير عن الواقع الذي يعيشونه مع الإسلام المفترى عليه .
وأخيرًا ..
فإن قضية التفاهم بين الأمة الإسلامية والشعوب الغربية وإقامة علاقات ودية بينهما لخدمة مصالح كل من الجانبين، أصبحت من القضايا الملحة في عصرنا الراهن الذي تشابكت فيه المصالح وتعددت أوجه اعتماد كل جانب على الآخر .. هذه القضية ـ التي هي قضية السلام والاستقرار ـ لا تخدم عن طريق التهجم على مقدسات الشعوب الإسلامية أو الطعن في دينها وعقائدها أو الانتقاص من قيمها. وقد آن الأوان لوضع حد لهذه الحملات العدائية ضد الإسلام والمسلمين ، سواء من جانب المستشرقين أو في وسائل الإعلام الغربية .
ومن ناحية أخرى فإن الديانات السماوية بصفة خاصة قد أصبحت اليوم مهددة من جانب التيارات المادية الإلحادية التي تجتاح العالم اليوم . والتهديد ليس موجهًا،ضد الإسلام فقط وإنما هو موجه بالقدر نفسه ضد النصرانية واليهودية وهذا أمر يتطلب توحيد جهود الأديان السماوية كلها للوقوف صفًا واحدًا ضد الإلحاد الذي يكاد يعصف بكل القوي الروحية في العالم ولن يتحقق مثل هذا التعاون طالما ظلَّت فئة من المستشرقين سادرة في غيها، ومستمرة في عدوانها على الإسلام ومقدساته، وعلى المسلمين وقيمهم الدينية .
وإذا كانت المسألة سوء فهم ترسخ على مدى قرون طويلة فعلى المستشرقين أنفسهم أن ينهضوا اليوم للقضاء عليه، لأن الفهم ليس من جانبنا نحن المسلمين، وإنما أساسًا من جانب الغربيين أنفسهم. فنحن نحترم المسيح عليه السلام، ونؤمن بنبوته وسمو رسالته وطهارة مريم، كما نؤمن بموسى عليه السلام ونبوته. ونؤمن بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان آخر حلقة في سلسلة النبوات الربانية.
ويعترف بعض الكتاب الغربيين المعتدلين بتحمل الغربيين للجانب الأكبر من سوء الفهم. وفي ذلك يقول (إميل دير مانجيم) :
(.. حين اشتعلت الحرب بين الإسلام والنصرانية ودامت عدة قرون اشتد النفور بين الفريقين، وأساء منهما فهم الآخر، ولكن يجب الاعتراف بأن إساءة الفهم كانت من جانب الغربيين أكثر مما كانت من جانب الشرقيين. ففي الواقع أنه على أثر تلك المعارك العقلية العنيفة التي أرهق فيها الجدليون البيزنطيون الإسلام بمساوىء واحتقارات دون أن يتعبوا أنفسهم في دراستهم ـ هب الكتاب والشعراء المرتزقة من الغربيين وأخذوا يهاجمون العرب، فلم تكن مهاجمتهم إيَّاهم إلا تهمًا باطلة بل متناقضة) (144) .
تمهيد ..
بعد أن اتضحت لنا بعض الشيء ـ في الفصلين السابقين ـ أبعاد المواقف الاستشراقية بإيجابياتها وسلبياتها يبقى أمامنا السؤال الكبير.
ماذا فعلنا نحن ؟ .
ما موقفنا من الحركة الاستشراقية ؟
إنها حركة فكرية هائلة، وما تنتجه يخصنا ويخص عقيدتنا ولغتنا وتراثنا وتاريخناوذاتيتنا هل نكتفي بموقف المتفرج في المسرح تعجبه بعض المشاهد فتتهلل أساريره، ولا تعجبه بعض المشاهد الأخرى فيقطب جبينه ويمط شفتيه ؟
إن الأمر هنا يختلف تمامًا، فالأمر ليس مجرد استحسان أو استهجان عابرين: نفرح حين يمن علينا بعضهم بكلمات المدح، ونفزع غاضبين حين يصب علينا بعضهم الآخر صواعق فكرية، فنستعيذ، بالله من شياطين الإنس ونعتبر الموضوع منتهيًا ثم نستأنف سيرنا العادي الرتيب . لا، إن الأمر أخطر من ذلك بكثير، لأنه يتعلق بأعمق أعماقنا عقديًا وفكريًا وحضاريًا. وليس هناك أمامنا من سبيل إلا المواجهة وقبول التحدي وإثبات الذات، وإلا فلسنا جديرين بالحياة..
لقد أضعنا الكثير من عمر الزمن في تفاهات الأمور، وغيرنا يصارعنا في عظائم الأمور، ونحن لاهون، غافلون، غير مكترثين .. يزلزل الآخرون في جذورنا ونحن لا نشعر ولا نعي، وإن شعرنا فهو شعور الكسول المتباطئ الذي يجد المتعة في التمطي والتثاؤب أكثر مما يجدها في الحركة والعمل.
إن المستشرقين يعملون ونحن لا نعمل. وهذا هو الفارق بيننا وبينهم بصرف النظر عن طبيعة العمل الذي يقومون به. وقد آن الأوان لنعمل نحن أيضًا .. لنعمل حتى الموت لأن مسألة مصير .
وفي الصفحات التالية نستعرض معًا موقفنا وما يطلبه العمل الإسلامي منا في هذا المجال، ونضع أمام المسلمين الغيورين بعض المقترحات التي نعتقد أنها يمكن أن تعوض بعض ما فات من وقت ضائع وكرامة مهانة وذاتية منهارة .
الصراع الفكري ومتطلباته ..
[1] موسوعة الرد على المستشرقين ..
[2] مؤسسة إسلامية علمية عالمية:
[3] دائرة معارف إسلامية جديدة ..
[4] جهاز عالمي للدعوة الإسلامية ..
[5] ترجمة إسلامية لمعاني القرآن الكريم:
[6] تنقية التراث الإسلامي ..
[7] الحضور الإسلامي في الغرب..
[8] الحوار مع المستشرقين المعتدلين ..
[9] دار نشر إسلامية عالمية..
لقد كانت التيارات الفكرية الأجنبية القديمة ـ التي كانت تمثل تحديًا للإسلام والفكر الإسلامي الأصيل في عصور الإسلام الزاهرة ـ كانت حافزًا للمسلمين في تلك الأيام الخوالي للوقوف أمامها بقوة وصلابة. وقد كانت المواجهة على مستوى التحدي بل تفوقه. فقد هضم الفكر الإسلامي تلك التيارات هضمًا دقيقًا واستوعبها استيعابًا تامًا ثم كانت له معها وقفته الصلبة وبالأسلحة الفكرية نفسها. فالمواجهة إذن كانت مواجهة فكرية وكأن التاريخ الآن يُعاد نفسه، فالحرب الآن بين الإسلام والتيارات المناوئة له حرب أفكار، والمعركة معركة فكرية، ولهذه المعركة أدواتها التي يجب التسلح بها، فالخسران في هذه المعركة اشد وطأة وأقوى تأثيرًا وأعظم فتكًا من خسارة اية معركة حربية أيًا كان حجمها.
لننظر مثلًا أنموذجًا رائدًا في تاريخ الفكر الإسلامي .. إنه حجة الإسلام (الغزالي) الذي خاض غمار معارك فكرية عديدة وخرج منها جميعًا منتصرًا، فماذا يفعل ؟ يقول ( الإمام الغزالي) في كتابه ( المنقذ من الضلال ) :
(.. إنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوي أعلمهم من أهل ذلك العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم .. وإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقًا ) (145) .
وقياسًا على ما يقوله الإمام الغزالي نجد أن استيعاب الإنتاج الاستشراقي حول الإسلام ودراسته دراسة عميقة هو الخطوة الأولى لنقده نقدًا صحيحًا وإثبات ما يتضمنه من تهافت أو زيف ، الأمر الذي يجعل المستشرقين المنحرفين عن الصواب يفكرون ألف مرة قبل أن يكتبوا تحسبًا لما قد يواجههم من نقد علمي يعريهم ويثبت زيف ادعاءاتهم .
ويؤكد هذه الحقيقة المستشرق الفرنسي ( مكسيم رودنسون ) حين يشير إلى أن النقد الأوروبي ربما يكون غير عادل في نقاط معينة، ولكن القيام بتفنيد هذا النقد يقتضي بدوره دراسته أولًا، إذ لا يمكن نقضه إلا على الأساس نفسه الذي قام عليه (146) .
ويجب أن يرتبط نقدنا لإنتاج المستشرقين بنقد ذاتي حقيقي بصفة مستمرة، يجب أن نواجه أنفسنا مواجهة حقيقية بعيوبنا وقصورنا وتقصيرنا، وأن نكون على وعي حقيقي بالمشكلات التي تواجهنا في هذا العالم المعاصر.