فهرس الكتاب

الصفحة 2622 من 3028

لقد أصبحت الحاجة ملحة إلى إنشاء دار نشر إسلامية عالمية تقوم بنشر المطبوعات الإسلامية بكافة اللغات، حتى لا تظل المطبوعات الإسلامية باللغات الأجنبية تحت رحمة الناشر في الغرب. وأقرب الأمثلة على ذلك أن المفكر الفرنسي المسلم ( جارودي ) يجد الآن صعوبة في نشر كتاب يفضح فيه ادعاءات الصهيونية بعنوان ( ملف إسرائيل بين أحلام وأكاذيب الصهيونية ) . والمعروف أن دور النشر في فرنسا كانت تتلقف كل ما يكتبه جارودي لتنشره على نطاق واسع في أوروبا وأمريكا. ولكن إسلامه وتعاطفه مع قضية العرب والمسلمين قد غير الوضع .

ويمكن أن تقوم هذه الدار المقترحة أيضًا بإصدار صحف ومجلات إسلامية بلغات مختلفة، وتكون هذه الصحف والمجلات وسيلة للربط بين المسلمين في كل مكان: تعمل على تجميعهم وتوحيد صفوفهم وتعريفهم بقضايا الإسلامهم وإعلامية بأخبار بعضهم بعضا من مصادر صحية . وحبذا لو استطاع المسلمون إنشاء وكالة أنباء إسلامية عالمية تستطيع أن تثبت وجودها بصورة مشرفة، وتكون هي المصدر الذي يستقي منه الغرب معلوماته عن العالم الإسلامي وليس العكس، فنحن نستقي حاليًا معلوماتنا عن العالم الإسلامي من وكالات الأنباء الغربية التي لا تتحرى الموضوعية في غالب الأحيان في عرضها لأخبار العالم الإسلامي. فوسائل الإعلام الغربية بصفة عامة تتخذ موقفًا سلبيًا إزاء الإسلام وتساعد على تشويه صورته، انطلاقا من النظرة الغربية العامة للإسلام والتي تتركز أساسًا على المواقف الاستشراقية التي ترسخت في الأذهان على مدى قرون عديدة (160) .

وبعد:

فقد كانت تلك بعض المقترحات التي يمكن أن يكون لها أثرها في مواجهة الاتجاهات السلبية المعادية للإسلام في الحركة الاستشراقية. ولعل غيري يستطيع أن يضيف إليها وسائل أخرى فعَّالة . فلست أدّعي أنني أحطت بكل الجوانب ووضعت الحلول لسد كل الثغرات . فما قلته ليس هو نهاية المطاف وإنما هو جهد المقل الذي يعرف حدوده. والمهم في هذا الصدد هو توفر إرادة التنفيذ لدى الجهات الإسلامية المعنية، وتوفر الرغبة في العمل لدى علماء المسلمين. وقبل هذا كله لا بد من توفر الإدراك الواعي للمشكلة وما لها من أبعاد مختلفة . فمثل هذا الإدراك هو البداية الصحيحة نحو الاتجاه السليم لمواجهة مشكلاتنا الإسلامية الراهنة.

وإذا استطاع هذا الكتاب أن يثير انتباه القارئ الكريم إلى التأمل والتفكير في أبعاد الحركة الاستشراقية وأهدافها ومراميها بغية الوصول إلى اتخاذ المواقف الصحيحة، فسيكون بذلك قد نجح في تحقيق الهدف من تأليفه . والله من وراء القصد ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

المقدمة بقلم:عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:

(ثُمَّ أَوْرَثْنا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتصِدٌ وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (فاطر:32 ) وأورث النبوة الأمة المسلمة، وجعلها محل الرسالة الخاتمة، وحمَّلها الأمانة وناط بها مسؤلية الشهادة على الناس، وبعد:

فهذا الكتاب العاشر في سلسلة (( كتاب الأمة ) )التي تصدرها رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر (التراث والمعاصرة ) للدكتور أكرم ضياء العمري . . ولا شك أن مشكلة التراث والمعاصرة، أو ما يعبر عنه بالأصالة والمعاصرة، قضية لا تزال مطروحة في حياتنا الثقافية منذ أوائل القرن التاسع عشر تقريبًا، الذي حمل معه ـ إضافة إلى المواجهات العسكرية التاريخية ـ مواجهة من نوع آخر، إنها المواجهة الحضارية الشاملة التي جاءت بها أوروبا إلى بلادنا حاملة معها نواتج نهضتها ووسائل تقدمها كلها، إضافة إلى اعتقادها أن الحضارة الأوروبية وقيمها هي المقياس الوحيد لكل نهوض وتقدم، تؤمن بذلك وتبشر به في عالمنا الإسلامي الذي أصيب بهذه الصدمة الحضارية، وعاش حالة الانبهار التي أفقدته القدرة على التمييز والرؤية الصحيحة بعد أن توقف العقل المسلم عن الإبداع والعطاء، وخرجت الأمة المسلمة من الساحة وافتقدت الفاعلية الحضارية، وخيم عليها الركود، وسادها مناخ التخلف، وأصبحت القضية المطروحة على العقل المسلم بإلحاح:

كيف نواجه التحدي ونواكب العصر؟

هل نعوض مركب النقص، ونعالج هذه الأزمة النفسية ونردم فجوة التخلف بتبني الثقافة والتقنية الغربية؟ ذلك أن الذهنية التي خلّفتها حالة الانبهار أمام هذه الصدمة الحضارية أوصلت أصحابها إلى درجة الشعور بالاستحالة التي تقضي على كل محاولة للابتكار والإبداع، وتشل كل نشاط، والمغلوب مولع بتقليد الغالب.

لقد استجاب كثيرون لحالة الانبهار هذه، وتعالت أصواتهم في المجتمع الإسلامي أن لا سبيل إلى اللحاق بركب الحضارة والمعاصرة إلا بالانسلاخ الكامل من موروثاتنا كلها والالتحاق السريع بركب الحضارة الغربية، ومحاكاة الإنسان الأوروبي في كل شيء حتى لباسه وعاداته.

وكان هذا النزوع إلى الأوْرَبة ـ إن صح التعبير ـ أحد ردود الفعل الذي أنتجته الصدمة الحضارية للعالم الإسلامي، والذي سقط ضحيته أفراد، وانتهت إليه دول في العالم الإسلامي، واتخذوا من التراث المواقف الرافضة نفسها التي اتخذتها أوروبا، وحاولوا تطبيق مقاييس الفحص والاختبار التي يجب أن تقتصر على أحكام العقل (فهوم الناس واجتهاداتهم ) على التراث كله، بما فيه الوحي (الكتاب والسنة ) ، دون تمييز بين المعرفة الواردة عن طريق الحواس القابلة للخطأ والصواب وتلك المقررة من طريق الوحي، فوقعوا بتناقضات واضطرابات رهيبِة، كانت سببًا في ضياع الأمة وتيهها عن معالمها الراشدة.

وعلى الجانب المقابل أخذ هذا النزوع وجهًا آخر من الفخر والاعتزاز بالآباء والأجداد ودورهم التاريخي، وإسهاماتهم المبدعة في مجال الحضارة والثقافة والعلوم كنوع من رد الفعل الطبيعي في الالتجاء إلى التاريخ والتراث للاحتماء به واتخاذه درعًا وحصنًا يدفع غوائل التيار الكاسح القادم من بلاد غريبة عنا في ثقافتها وحضارتها وموروثاتها، يستهدف ذاتنا الإسلامية، ويعمل على تذويبنا، وبذلك تُتَجَاوز حالة الشعور بالذل والهوان والانكسار النفسي التي أوقعتنا فيها الصدمة الحضارية.

إن الالتجاء إلى التراث، والاحتماء بالتاريخ يعتبر رد فعل طبيعي لحماية الحالة النفسية للأمة من الانكسار، والشخصية الحضارية التاريخية من الذوبان في مراحل المواجهة الأولى، لكن تبقى المشكلة المطروحة هنا أن معالجة تخلف أي مجتمع من المجتمعات، ونقله إلى المعاصرة المطلوبة لا تتحقق برواية أمجاد ماضية واستغراقه في نشوة الفخر والاعتزاز، واستسلامه للمديح الذي قد ينقلب إلى مانع ومعوِّق حضاري بدل أن يكون دافعًا إلى تجديد العمل على ضوء هذا الماضي، وشاحذًا للفاعلية، لأن ظاهرة الإغراق في مدح الماضي ومثاليته، والفخر به إذا تجاوزت الحدود المطلوبة للحماية، تنقلب إلى معوِّق يبتعد بالماضي عن قدرة الأشخاص عن الإفادة منه حيث نقتصر على تعظيم البطل ونعجز عن محاكاة البطولة، ذلك أن النهوض لا يمكن أن يتحقق بالاقتصار على رواية الماضي والافتخار به كبديل عن ممارسة تغيير الواقع، كما لا يمكن في الوقت نفسه أن يتحقق باستيراده من خارج أفكار الأمة وقيمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت