لقد تعايشت مختلف الأقوام والطوائف والديانات والملل على أرض الإسلام لمدة أربعة عشر قرنًا، الجميع شارك في صناعة الحضارة الإسلامية في وئام وانسجام وتعاون. لكن الغرب المعاصر -ممثلًا في الولايات المتحدة وأوروبا- يستهدف تحويل هذه النعمة إلى نقمة، ووضع لذلك مخططًا تجزيئيًّا للعالم الإسلامي صاغه المؤرخ الصهيوني المعروف"برنارد لويس"، شمل تقسيم العالم العربي وحده إلى أزيد من ثلاثين دولة جديدة على أسس عرقية ودينية ومذهبية، منها مثلًا دعوته إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دول (السنة والشيعة والأكراد) وهو ما ينفذ حاليًّا، وتقسيم المملكة العربية السعودية لعدة كيانات فسيفسائية، وتقسيم السودان لدولتين أو أكثر. وفي بداية التسعينيات انعقدت ندوة ضخمة بإسرائيل كان موضوعها هو التمايزات العرقية والإثنية بالعالم العربي، وقدمت فيها عشرات البحوث أحدها تحت عنوان"إسرائيل ونضال البربر في شمال إفريقيا".
لقد كانت مفاهيم التسامح وحرية التدين والحقوق اللغوية والثقافية من أخطر الأسلحة التي وظفها الغرب، وما يزال، للتدخل في شئون الدول الإسلامية. فباسم التسامح مثلًا جاءت العديد من البعثات التنصيرية الكنسية إلى المغرب؛ لجمع المعطيات التي مهدت فيما بعد للغزو الاستعماري المباشر، وباسم الحرية الدينية يضغط الغرب لفتح المجال أمام المنصّرين؛ ليمارسوا مهمتهم في البلاد الإسلامية حتى الخليجية منها. وكم يحزّ في النفس أن تكون منطقة القبائل الأمازيغية بالجزائر هي قبلة المنصرين، حتى إن التقارير الصحفية تتحدث عن عشرات الآلاف ممن تنصروا من أبناء هذه المنطقة التي عرفت عبر التاريخ بشدة تشبثها بالإسلام ودفاعها عنه، وما زال الشعب الجزائري يتذكر أسماء مثل للا فاطمة نسومر والعقيد عميروش، وغيرهما.
وكائنًا ما كانت العوامل الخارجية والتدخلات الأمريكية في هذا الشأن فإنه لا ينبغي التعامل معها بنوع من المبالغة والتهويل كوسيلة للتنصل من مسئولية النخب الحاكمة في إيجاد صيغ للتلاقي والتعايش والوحدة في ظل التعددية والتنوع. والمطلوب هو وضع أسس عادلة للتعايش الداخلي في الدول الإسلامية داخل نظام ديمقراطي تعددي ووحدوي في آن واحد، خاصة أن الإسلام يضمن ذلك
وحدة الاستماع والمتابعة - إسلام أون لاين.نت/ 12-8-2004
أورلاندو بلوم بطل الفيلم في أحد المشاهد
تستعد آلة السينما الأمريكية لإطلاق فيلم جديد في العام 2005 يصور الصراع الشرس الذي خاضه المسلمون ضد الصليبيين لتحرير مدينة القدس في القرن الثاني عشر الميلادي، يتزامن مع صور الصراع الدامي بين المسلمين والقوى الغربية في العراق التي تعرضها الفضائيات ليل نهار، وهو ما اعتبرته صحيفة"نيويورك تايمز"الأمريكية الخميس 12-8-2004 توقيتًا غير مناسب لهوليوود للكشف عن فيلمها الملحمي الذي تنتجه شركة"فوكس القرن العشرين"، ويحمل اسم"مملكة السماء".
والفيلم من إخراج المرشح لجائزة الأوسكار ريدلي سكوت، وتم تصويره في المغرب واستعان بمئات الكومبارس والخيول والملابس التاريخية، وبلغت تكلفته نحو 130 مليون دولار أمريكي.
وقالت الصحيفة الأمريكية: إن نص الفيلم كتبه وليام ماناهان، ويتحدث عن شخصيات حقيقية في القرون الثلاثة للحملات الصليبية منهم باليان إبلين، وهو فارس صليبي تولى الدفاع عن القدس في عام 1187، والقائد المسلم صلاح الدين الأيوبي الذي هزمه في النهاية.
ويحاول الفيلم التركيز على الجانب الرومانسي والإثارة الحركية، لكن مسلمين ونشطاء حصلوا على نسخة من السيناريو (نص الفيلم) شككوا في الحكمة من وراء إنتاج فيلم ضخم حول صراع ديني قديم، خاصة في وقت يعتقد فيه الكثيرون أن تلك الصراعات اشتعلت من جديد في سياق حديث.
وقالت ليلى القطمي المتحدثة باسم اللجنة الأمريكية العربية ضد التمييز ومقرها واشنطن:"إن قلقي الوحيد ينصب على مجرد تصور عرض فيلم حول الصليبيين وما يعنيه ذلك بالنسبة للخطاب الأمريكي الحالي".
وأضافت القطمي:"أشعر أن هناك الكثير من التشدق بالكلام، وكثير من الكلمات المتطايرة هنا وهناك؛ إلى جانب وجود شخصيات بارزة تتحدث عن أن الإسلام لا يتماشى والقيم المسيحية والأمريكية. إن هذا النوع من الأفلام يمكن أن يقوي هذا النوع من الخطاب".
لكن القس جورج دينيس أستاذ التاريخ بجامعة لويولا ماريماونت في لوس أنجلوس، قال: إنه أعجب كثيرًا بدقة النص الذي بُني عليه الفيلم.
وقال دينيس:"وجدت أنه دقيق بشكل كبير من الناحية التاريخية. لا أعتقد أن هناك اعتراضات من الجانب المسيحي، كما لا أعتقد أن هناك ما ينبغي أن يعترض عليه المسلمون. لا أعتقد أن هناك تعديات على أحد"، على حد قوله للصحيفة الأمريكية.
من جانبه، عارض خالد أبو الفضل أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، دينيس بشدة، وأكد أن الفيلم يمثل اعتداء ونموذجًا مكررًا للأعمال التاريخية من جانب هوليوود التي تشوّه صورة العرب والمسلمين.
وقال أبو الفضل:"أعتقد أن الفيلم يعلِّم الناس أن يكرهوا المسلمين.. إنه يصور المسلمين على أنهم أغبياء دائمًا، ومتخلفون ورجعيون وغير قادرين على التفكير. إنه مثير للضيق حقًّا على المستوى الفكري، كما أنه يقدم التاريخ بصورة غير سليمة على مستويات عدة".
وحذر"أبو الفضل"أن الفيلم يمكن أن يدعم توجهات سلبية نحو المسلمين في أمريكا. وأوضح قائلًا:"في مثل هذا المناخ (الذي يعيشه مسلمو أمريكا حاليًّا) كيف يمكن أن يكون رد فعل الناس حول صور المسلمين الذين يهاجمون الكنائس ويمزقون الصليب ويسخرون منه؟!".
وتقول"نيويورك تايمز": إن الفيلم مشحون بالعاطفة. وأشارت إلى أن الرئيس الأمريكي عندما أعلن ما أسماه بـ"الحرب على الإرهاب"بعد هجمات سبتمبر 2001 سماها في البداية حربًا"صليبية"، وأنه تعرض لانتقادات من جانب البعض لاستخدامه مصطلحًا طالما حمل معاني معادية للمسلمين.
وفي الوقت نفسه فإن بعض الخبراء الذين حللوا دوافع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بعد هجمات سبتمبر قالوا إنه كان يحاول أن يظهر نفسه على أنه صلاح الدين الجديد، بحسب الصحيفة. كما استعان نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين باسم صلاح الدين أيضًا في محاولة حشد المسلمين لمواجهة الغزو الأمريكي للعراق.
من جانبه قال سكوت مخرج الفيلم: إنه لم يكن مهتمًّا بشأن حساسية الأمر بالنسبة لأي طوائف دينية. وأضاف في مقابلة تليفزيونية أجريت معه الأسبوع الماضي أن الفيلم"يظهر كما لو أن صبيًّا يحاول استكشاف الأخلاق.. إنه يتحدث عن كيفية استخدام قلبك ورأسك للتزود بالأخلاق. كيف يمكن الجدال في ذلك؟ لا يوجد أي هجوم على القرآن، لا يوجد شيء من هذا القبيل". وتضيف الصحيفة من جانبها أن الفيلم الذي يدور حول الحرب المقدسة، لا يحتوي إلا على خطاب أو محتوى ديني قليل للغاية.
قصة الفيلم
ويقوم الممثل البريطاني أورلاندو بلوم بدور البطولة في الفيلم، حيث يلعب دور حداد فرنسي اشترك على مضض في الحرب الصليبية في أعقاب انتحار زوجه. وبعد وصوله إلى القدس التي تبدو نموذجًا للتعايش بين معتنقي الديانات السماوية الثلاث (بحسب الفيلم) ، يقع الحداد في حب أخت الملك.
وبعد مذبحة تعرض لها المسلمون على أيدي فرسان المعبد، يقرر صلاح الدين، الذي يلعب دوره الممثل غسان مسعود، الذهاب إلى الحرب. ويصور الفيلم صلاح الدين على أنه شخصية متزنة تتمتع بصفات الفارس على الأقل في بعض المراحل.