وما زالت مسيرة البذل والتضحية في تمزيق هذا التحالف الجائر زاخرة بمواقف الدعاة المصلحين: كموقف أبي حنيفة، وأحمد، والبخاري، وابن حزم، وابن تيمية، وابن الوزير وأمثالهم، عليهم رحمة الله (8) . إلا أن آثار ذلك التحالف الباغي على الفكر الحضاري للأمة مؤلمة لطول زمنه الجاثم على فكر الأمة وحضارتها؛ فقد أضرم البلاد نارًا، وأسعرها بالجور إسعارًا، وأحوج أهلها إلى الجلاء والتفرق في البلاد، ولعلِّي في هذه العجالة أُعدد بعض آثار الإرهاب الفكري المدمرة على الحضارة الإسلامية، فمنها:
1 ـ ترسيخ مفاهيم الاستبداد في المجتمع المسلم، حتى تصبح ثقافة سائدة في السياسة والدين، والبيت، والشارع، والجامعة، وفي كل نواحي الحياة، وهذه أخطر آثاره المدمرة.
2 ـ ترسيخ المفاهيم المغلوطة في نفوس البشر، وتزويق الباطل، وتصويره بصورة الحق الذي لا يقبل النقاش؛ وذلك ما حصل في «فتنة القول بخلق القرآن» .
3 ـ زرع الالتباس في أذهان الناس بين الأحكام الشرعية والأحكام الوضعية؛ فأعلاها أن يلتبس على العوام الفرق بين الحاكم والإله، كما حصل لقوم فرعون، ولأتباع الحاكم بأمر الله العبيدي المعروف بالفاطمي، ومن صور هذا الأثر السلبي في أحكام «الإمامة العظمى» بين الحق الذي أراده الله، والباطل الذي أراده الاستبداد.
4 ـ قمعه للإبداع الفكري، وهذا ما حصل للفكر في أعقاب زمن الحضارة الإسلامية؛ فقد مرت على الأمة قرون كان الاجتهاد فيها محرمًا؛ ونودي فيها بإقفال بابه.
5 ـ ازدهار سوق النفاق والتملق في عهد ذلك التحالف المشؤوم؛ إذ هو عدو لدود للصدق والصفاء والنقاء. كما كان هو الفلاَّح المشؤوم الذي زرع الجبن والخور والكذب في نفوس أُسرائه، ومن لطيف ما يرويه التاريخ لنا أن رجلًا دخل على المهدي (أحد خلفاء بني العباس) فوجده يلعب بالحمام، فساق في الحال حديثًا يتلمس به رضا سيده، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح» فزاد «أو جناح» كذبًا ونفاقًا (9) .
فقاتل الله الاستبداد والاستعباد الذي لا تكاد تفقده عند المطامع المردية والمآكل اللئيمة والمعايش المخزية، وإني في الختام أدعو علماء الأمة ومثقفيها وقراءها وحكماءها إلى المساهمة في مشروع نهضوي فكري، عنوانه «مكافحة الإرهاب الفكري» .
وذلك بالسعي إلى الإصلاح الديني، وتنقية المفاهيم الشرعية من علائق وشوائب الاستبداد؛ فالإصلاح الديني أقرب طريق للإصلاح السياسي، والإصلاح السياسي هو المؤثر إيجابًا وسلبًا على النواحي الحضارية الأخرى، مثل: الاجتماعية، والاقتصادية، والعلمية، كما أنني أدعو إلى تجديد ثقافة الحوار المبني على قاعدة «الأمن الفكري» ؛ فما أجمل الإعذار والتسامح مع الفكر ما دام أنه يدور في فلك الشريعة، لا يصادم ضروراتها، ولا ينتهك قواعدها القطعية!
وما أقبح «الإرهاب الفكري» حتى مع المخالفين لنا جملة وتفصيلًا!
(1) مشكلة الثقافة، مالك بن نبي، دمشق، دار الفكر، سنة 1979م. ص 115.
(2) أخرجه البخاري صحيحه برقم (73520) ، ومسلم في صحيحه برقم (1716) .
(3) انظر: «الأشباه والنظائر في قواعد فروع الشافعية، مطبعة دار إحياء الكتب، مصر، ص 113.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 9/546، والبيهقي في السنن الكبرى (8/135) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/154.
(5) أخرج هذه القصة ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» برقم (870) بتحقيق الزهيري، دار ابن الجوزي 1419هـ 1998م، والقصة وإن كان في سندها «محمد بن عمر الواقدي» وهو متروك إلا أن الذهبي قال بعد إخراجه للقصة برواية أخرى: «هذا إسناد حسن» انظر سير أعلام النبلاء 8/62.
(6) انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط وآخرين، ط 2 بيروت، مؤسسة الرسالة 1401هـ ـ 1981م. 8/61 ـ 62.
(7) الإمام محمد بن إبراهيم الوزير، وكتابه العواصم والقواصم «للقاضي إسماعيل الأكوع، مطبوع في مقدمة كتاب «العواصم والقواصم» تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، 1/63.
(8) ومن الجهود التي تذكر ولا تنكر في تمزيق هذا التحالف المشؤوم، جهود الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» ويلاحظ أن الكواكبي لديه بعض الانحرافات الفكرية التي تقربه من العلمانية انظر كتاب: (جذور الانحراف في الفكر السياسي) للأستاذ جمال سلطان.
(9) تلك القصة في «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» للذهبي، دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان، ط الأولى، 1416هـ ـ 1995م، 5/407 في ترجمة غياث بن إبراهيم النخعي، والقصة في مصادر كثيرة
مما يميز إنسانية الإنسان أنه كائن عاقل مفكر يُنمّي فكره ومعارفه عن طريق التفكير والتجارب والتعلم من الآخرين، وإن من الغرائز الأساسية التي يشترك فيها الإنسان والحيوان هي غيرة التجمع، أو غريزة القطيع.
فالحيوان والطير والأسماك تتجمع في شكل جماعات ومجموعات في المراعي والسير والاستراحة والهجرة والبحث عن الطعام والشراب وقد عبر المثل العربي عن ذلك بقوله: (الطيور على أشكالها تقع) فنجد قطيع الغزلان، وتجمعات العصافير والحمام والغربان والأسماك المتماثلة، كما يتجمع الناس في المجالس والنوادي ومواقع الاجتماعات المتعددة.
ومن الواضح أن الطفل ينشأ في بيئة محددة الثقافة، والحضارة، والانتماء الفكري والثقافي، فتساهم تلك البيئة النفسية والثقافية في تكوين شخصيته، ونمط حياته، فمنها يكتسب، وبها يتأثر.
والقرآن الكريم يرفض طريقة التبعية غير الواعية، ويهاجمها بشدة ويطالب بالوعي والتأمل، وتوظف العقل في محاكمات القضايا وتمحيصها، واختيار الطريق الأسلم، وتحديد الانتماء الفكري والسياسي الانتخابي على وعي وبصيرة. قال - تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصير أنا ومَن ابتعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) يوسف/ 108.
ولقد استنكر القرآن طريقة الإنتماء البيئي غير الواعي أو تقليد الآباء والأجداد من غير فهم ولا تمحيص ولا تمييز بين الخطأ والصواب في العديد من آياته، منها قوله - تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أوَلو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون) المائدة/ 104.
ويحدثنا القرآن الكريم عن معاناة الأنبياء والرسل من تبعية الإنتماء البيئي والتحجر الفكري، والوقوف على الموروث الثقافي المتردي لدى شعوبهم وأممهم، لذلك وجدناهُ يشخص تلك الظاهرة المعيقة في طريقة التفكير والإنتماء الفكري والسياسي، ويحذر منها، كما في قوله - تعالى:
(وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أثارهم مقتدون) الزخرف/ 23.
وحذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من تبعية الإمّعة الذي لا يحدد موقفه وانتماءه عن فهم ووعي وقناعة علمية سليمة، بل يعيش مقلدًا تابعًا للآخرين، أو لظروف البيئة التي ولد فيها. فلا يكلف نفسه بمناقشة أو تمحيص ما وجد نفسه جزءًا منه، من فكر وعقيدة وسلوك وأعراف، ليتمسك بالصواب، ويرفض ما أخطأ السابقون بحمله، لتتم الغربلة والتنقيح عبر مسيرة الأجيال، وليتم التخلص من تراكمات الرواسب والأخطاء والممارسات غير السوية.