فهرس الكتاب

الصفحة 2998 من 3028

محمد قطب

سم الله الرحمن الرحيم

( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )

صدق الله العظيم .

"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل".حديث شريف

مقَدّمَة

كيف انحسر مفهوم الإسلام في نفوسنا إلى هذا الحد ؟؟

كيف انحسر من مفهوم شامل للحياة البشرية في جميع اتجاهاتها ، بل مفهوم شامل - في الحقيقة - للكون والحياة والإِنسان ، لكي يصبح مجرد عبادات تؤدى على نحو من الأنحاء ، بل لا تؤدى أحيانًا إلا"بالنية".. بل لا تؤدى أحيانًا على الإِطلاق ، لا بالنية ولا بغير النية .. ثم يظل يدور في أخلادنا - مع ذلك - أننا مسلمون صادقو الإِسلام ؟

كيف انحسر من دستور شامل يحكم الحياة البشرية كلها وينظمها: يحكم اقتصادياتها واجتماعياتها ، ومادياتها وروحانياتها ، وسياستها وأفكارها ومشاعرها ، وسلوكها العملي في واقع الحياة ، لكي يصبح مجرد مشاعر هائمة لا رصيد لها من الواقع .. مشاعر تدور في نفس صاحبها - إن دارت - وهو يعيش في مجتمع غير مسلم ولا يستنكر الحياة فيه ولا يحاول تغييره . وتدور في نفسه - إن دارت - وهو ذاته لا يسلك سلوك المسلمين في حياته الخاصة ولا العامة . فتقاليده غير إسلامية ، وأفكاره غير إسلامية ، وتصوراته غير إسلامية ، وسلوكه اليومي لا يمت بصلة إلى الإِسلام ، سواء في علاقة الفرد بالفرد أو الفرد بالجماعة أو الفرد بالدولة ، أو علاقة الرئيس بالمرءوس ...

كيف انحسر من حياة كاملة قائمة على مبادئ الإِسلام وأفكاره ومثله وسلوكه الواقعي ، تشمل الدنيا والآخرة والأرض والسماء والحاكم والمحكوم والرجل والمرأة والأسرة والمجتمع ، لكي يصبح جزئيات مبعثرة لا رابط بينها ولا دلالة فيها ، كالرقعة الشائهة في نسيج غير متناسق الأجزاء ؟

كيف نبتت تلك الأفكار العجيبة التي تقسم الإِسلام مشاعر من ناحية وسلوكا عمليا من ناحية أخرى ، ثم تفصل بين هذه وتلك ، وتتصور أن المشاعر وحدها يمكن أن تكون إسلاما بمعزل عن السلوك ؟!

كيف دار في أخلاد المسلمين أنهم يستطيعون أن يستوردوا اقتصادياتهم من أي نظام على وجه الأرض غير إسلامي ، ويستوردوا أصول مجتمعهم وقواعده من أية فكرة على وجه الأرض غير إسلامية ، ويستوردوا تقاليدهم من أي مجتمع على وجه الأرض غير مسلم ، ثم يظلوا مع ذلك مسلمين ؟!

كيف أمكن أن يتصور المسلم أنه يستطيع أن يخالف تعاليم ربه في كل شيء ، ويخون أماناته كلها ، فيغش ويكذب ويخون ويخدع ، ويتجاوز المتاع المباح إلى المتعة المحرمة ، ويقبل الذل والمهانة حرصًا على هذا المتاع ، ويخلي نفسه من تبعة إقامة المجتمع المسلم سواء بسلوكه الذاتي أو بالدعوة إلى ذلك المجتمع ، ويشارك بذلك كله في إقامة مجتمع غير مسلم ، قائم على الظلم والانحراف والمعصية .. ثم يتصور بعد ذلك أن بضع ركعات في النهار - مخلصة أو غير مخلصة - يمكن أن تسقط عنه تبعاته أمام الله وتسلكه في عداد المسلمين ؟!

كيف أمكن أن تتصور المسلمة أنها تستطيع أن تخالف تعاليم ربها وتخون أماناته: فتغش وتكذب وتحقد وتغتاب .. وتخرج عارية تعرض فتنتها في الطريق لكل عين نهمة وجسد شهوان ، وتخلي نفسها من تبعة إقامة المجتمع المسلم ، سواء بالسلوك المستقيم في ذات نفسها ، أو بتربية أبنائها عليه ، أو بالدعوة إلى ذلك المجتمع .. وتشارك بذلك كله في إقامة مجتمع غير مسلم قائم على الظلم والانحراف والمعصية .. ثم يدور في خلدها بعد ذلك أن"النية الطيبة"في داخل قلبها يمكن أن تسقط عنها تبعاتها أمام الله وتسلكها في عداد المسلمات ؟!

من أين أتت تلك الأفكار الغريبة التي تقول: ما للدين ونظام المجتمع ؟ ما للدين والاقتصاد ؟ ما للدين وعلاقات الفرد بالمجتمع وبالدولة ؟ ما للدين والسلوك العملي في واقع الحياة ؟ ما للدين والتقاليد ؟ ما للدين والملبس - وخاصة ملابس المرأة ؟ ما للدين والفن ؟ ما للدين والصحافة والإذاعة والسينما والتلفزيون ؟

وباختصار .. ما للدين والحياة ؟ ما للدين والواقع الذي يعيشه البشر على الأرض ؟!

لا شك أن هناك أسبابا كثيرة لهذا"الانحسار"الذي يعانيه الإِسلام في نفوس المسلمين .

فلم يكن كذلك المجتمع المسلم حين كان يمارس حقيقة الإسلام .

بل لم يكن كذلك المجتمع المسلم إلى عهد قريب - مع كل ما أصابه من فساد خلال القرون - إلى ما قبل الحملة الفرنسية على وجه التحديد .

لقد بدأت الفُرقة بين مثل الدين والسلوك الواقعي مبكرة في تاريخ الإِسلام .. من عهد الأمويين مثلا .. ولكنها كانت فرقة لا تخل بقواعد المجتمع المسلم في مجموعه . كانت الحكومة في العاصمة هي التي تفسد - فسادًا جزئيا - في سياسة الحكم والمال . ولكن المجتمع في غير العاصمة ظل إلى حد كبير يمارس أصول الإِسلام وقواعده ، وتحكم حياته المفاهيم الإسلامية في الكليات والجزئيات . والأهم من ذلك كله أن نظام المجتمع كان يقوم على الإسلام ابتداء ، ويستمد قوانينه كلها من شريعة الإسلام ولا يستمدها من أي مصدر سواه .

ثم اتسعت هذه الفرقة حين حكم الأتراك ...

ومع ذلك فقد ظل كثير من أمور المجتمع ومفاهيمه إسلامية خالصة ، وكذلك سلوكه العملي وأخلاقه ومعاملاته وتصوراته وأفكاره .

حتى كان الغزو الصليبي الأخير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . وامتداده في القرن العشرين .

وعند ذلك حدث اختلاف كبير في المجتمع المسلم .. واختلال كبير ..

وهذا الكتيب الصغير محاولة - سريعة - لتتبع هذا الخط الذي أدى إلى انحسار المفهوم الإسلامي الضخم الشامل ، لكي يصبح جزئيات مبعثرة لا رابط لها ولا دلالة فيها .. ولكي يصبح مجرد عبادات - مخلصة أو غير مخلصة - يحسب أصحابها أنها الإِسلام كله ، وأنهم ملاقو ربهم بها وقد رضي عنهم ورضوا عنه .. حتى وهو يقول لهم في كتابه العزيز إن ذلك ليس هو الإِسلام كما أراده الله !

فإذا عرفنا كيف نبع هذا الانحراف وامتد .. فلعلنا أن نصحو إلى ما فيه من كيد .. ولعلنا أن نفيء إلى الله وإلى أنفسنا ..

ونعود مسلمين ..

والله الموفق إلى ما يريد .

محمد قطب

كيف فهم المسلمون الأوائل معنى الإِسلام ؟

وكيف ينبغي لنا نحن أن نفهم معناه ؟

لا شك أن المسلمين الأوائل لم يفهموا من الإِسلام ما نريد نحن أن نفهمه في عصرنا الحاضر: أنه مجموعة من العبادات يؤديها الإنسان بمعزل عن السلوك العملي ، وأن الإنسان يستطيع أن يتجه إلى الله - مخلصا - في أثناء العبادة ، ثم يتجه لغير الله في أي أمر من أمور الحياة .

إنما الإِسلام - كما فهمه الرسول صلى الله عليه وسلم وكما فهمه عنه أصحابه وأتباعه - هو إسلام النفس كلها لله . هو أن يكون كيان الإِنسان كله متوجها إلى الله . هو أن تكون أفكار الإِنسان ومشاعره وسلوكه العملي كلها محكومة بالدستور الذي أقره الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت