هذا التمنع البريطاني لم يطل كثيرًا، حيث قام مجلس الأمن في عام 1996 بفرض عقوبات ضد السودان على خلفية عملية محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في العام الذي سبق. وكانت الولايات المتحدة قد سبقت بإضافة السودان إلى قائمة الدول الداعمة للإرهاب (وهي في معظمها دول إسلامية) في عام 1994، وقد تطورت الأمور سريعًا بعد ذلك، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حيث لم تعد الدول الغربية تلقي بالًا لمثل هذه الاعتبارات. فقد بادرت الولايات المتحدة بغزو أفغانستان في أكتوبر من عام 2001، بدعم دولي قوي، ثم أعقبت ذلك بغزو العراق عام 2003 بدعم دولي أقل. وهي مشغولة هذه الأيام بإجراءات تستهدف إيران والسودان وسوريا، إضافة إلى قيامها وحلفائها الغربيين بفرض عقوبات ضد الفلسطينيين.
يأتي هذا في وقت كثر الحديث فيه عن الإرهاب كأخطر تهديد يواجه الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا، وكثر فيه أيضًا الربط بين الإسلام والإرهاب. وقد كثر أيضًا الجدل حول بواعث الإرهاب ومبرراته، وكان هناك ترجيح لكون بواعث الإرهاب ترتبط بغضب المسلمين من السياسات الغربية، وخاصة السياسات الظالمة تجاه الفلسطينيين. وقد قبلت الإدارة الأمريكية جزئيًا بهذا المنطق حين قررت على أعلى المستويات إطلاق حملات لكسب «عقول وقلوب» المسلمين وخطب ودهم كجزء من حملتها لمكافحة الإرهاب.
ولعله من الطريف أن وزير الخارجية البريطاني الأسبق دوغلاس هيرد، الذي دار في عهده الجدل الذي أشرنا إليه أعلاه حول العقوبات على السودان، كان أيضًا ممن قلل من عواقب السياسات الغربية الجائرة ضد المسلمين. وفي تصريح له مشهور عقب حرب تحرير الكويت ذكر هيرد من كانوا هددوا بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا وطئت أقدام القوات الأجنبية أرض الحرمين الشريفين وشنت منها الحرب على العراق، ذكرهم بأن القوات وصلت وأقامت في الجزيرة العربية، وشنت الحرب على العراق، ولم يحدث شئ مما خوَّف منه الناس، سواءً كان ذلك مظاهر احتجاج شعبي أو إسقاط أنظمة صديقة أو ما إلى ذلك. ولكنني استمعت إلى نفس السيد هيرد وهو يعقِّب على خطاب ألقاه رئيس الوزراء الحالي توني بلير، ويسفه مقولة بلير بألا علاقة لما تعرضت له بريطانيا من أعمال إرهابية وسياسة حكومة بلير المؤيدة لغزو العراق والمساهمة النشطة فيه. ولا أدري إن كانت مقولة هيرد تعبيرًا عن صحوة ضمير وإدراك لما كان لا يعترف به في السابق، أم مجرد كيد سياسي ضد حكومة حزب مناوئ.
مهما يكن فإن التحركات الغربية الحالية تعطي الانطباع الذي كان هيرد يتخوَّف منه حول حملة منظمة تستهدف العالم الإسلامي، وأهم من ذلك فإن من يتولون كبر هذه الحملات لم يعودوا يحفلون بهذا الأمر أو يتخوفون منه. فلو كان هناك أدنى اهتمام بمشاعر الأمة الإسلامية، أو بأي اعتبارات إنسانية، لكان في مضاعفة الحصار على الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال أمر يحاذر منه كل عاقل. وفي الحديث أن إمرأة دخلت النار لأنها حبست قطة فجوعتها حتى الموت. وإذا كان في تجويع القطة الواحدة ما يورد مورد التهلكة، فما بالك بتجويع شعب بكامله كما حدث في العراق من قبل، ويحدث في فلسطين اليوم، وينتظر أن يحدث في إيران قريبًا؟
لماذا إذن كل هذا التجرؤ على اضطهاد المسلمين والاستخفاف بمشاعرهم، وعدم مراعاة الاعتبارات الإنسانية في التعامل مع قضاياهم؟ والإجابة بسيطة، وهي أن المسلمين هم أول من ينكر إنسانيته ولا يضع لها اعتبارًا. حصار العراق مثلًا كان مطلبًا عربيًا إسلاميًا قبل أن يكون مطلبًا أميركيًا غربيًا. وحصار العراق ما كان يمكن أن يتم وكل الدول المجاورة له دول مسلمة بدون تواطؤ كامل من هذه الدول، وبالمثل الحصار ضد ليبيا في السابق وسوريا وفلسطين اليوم وإيران والسودان وغيرها غدًا. بل إنه كان هناك كثير من العراقيين، إن لم تكن هناك أكثرية، تؤيد حصار العراق وتجويع أهله وتجد له المبررات. وبالمثل فإن الحصار العسكري على العراق وقصفه ثم غزوه فيما بعد تم بمباركة عربية ودعم عربي إسلامي، وعبر أراضٍ وأجواء عربية. بل إن إيران التي تشكو اليوم من استهداف غربي محتمل لا تجد غضاضة في التفاوض مع الأمريكيين حول أفضل السبل لتثبيت احتلالهم للعراق وجني ثمار ذلك الاحتلال. يمكن إذن أن يقال ببساطة إن الأمة الإسلامية هي التي تحاصر نفسها عبر «وكلاء» أجانب.
هناك من يقول إن المسؤول عن كل هذا هم الحكام المستبدون. فكل الدول التي واجهت الحصار أو الغزو أو وضعت على لائحة من يدعم الإرهاب (العراق، السودان، ليبيا، سوريا) هي دول تحكمها أنظمة غير ديمقراطية ارتكبت الكبائر في حق شعوبها قبل أن تستهدف مصالح الغرب. بل إن زعماء هذه الدول صرحوا بالقول والفعل عن استعدادهم لخدمة مصالح الأجنبي والتخلي عن كل ما لا يرضي عنه (من برامج تسلح أو دعم لثورات وغير ذلك) مقابل أن يرضى عنهم السادة الأجانب ويتركونهم ليمارسوا استبدادهم في حق شعوبهم. ولا شك أن هذا اتهام صحيح في مجمله. ففي أضعف الإيمان فإن هذه الأنظمة هي التي بررت للاستهداف الأجنبي ووفرت له الذرائع بممارساتها المخجلة في حق شعوبها. ولكن يبقى عجز هذه الشعوب عن اقتلاع هذه الأنظمة في حد ذاته مدعاة للتأمل.
صحيح أن هذه الأنظمة أنظمة قهر واستبداد، يستبد بأمرها حاكم فرد أوحد، وهي تقمع الرأي الآخر وتحظر الأحزاب وتحجم مؤسسات المجتمع المدني ولا تسمح بأي نشاط لا ترضى عنه في أي مجال، حتى في مجال الاقتصاد. ولكن هذا الحاكم الفرد يكون في غالب الأمر قابع في قصره، بعيد عن الناس. والذي يمارس القمع فعلًا على الأرض، ومن يبرر له وينظر له ويزينه، هم الآلاف من الجلاوزة، والإداريين والقضاة والمحامين والصحافيين والجامعيين والكتاب والعلماء ورجال الدين وكوادر أخرى لا حصر لها. وكل واحد من هؤلاء يؤدي دوره المرسوم الذي لا تكتمل الحلقة إلا به بهمة ونشاط، وبالطبع كل له مبرراته من وجهة نظره.
الساسة الغربيون إذن لهم أيضًا مبرراتهم، فهذه أمة ميتة استهدافها مبرر ومشروع كما كان استعمارها في الماضي جائزًا ومطلوبًا. ولا لوم على إنسان وجد صيدًا فاصطاده، بل يكون اللوم عليه لو لم يفعل.
شؤون ثقا فية
الخميس 10/5/2007
سهيلة اسماعيل
أقام المكتب الفرعي لاتحاد الكتاب العرب في حمص و بالتعاون مع رابطة الخريجين الجامعيين ندوة فكرية بعنوان ( الاستشراق وتاريخ العرب الحديث ) شارك فيها د. طيب تيزيني و د. عبد الرحمن البيطار.
وكانت البداية للدكتور طيب تيزيني حيث قال بأن مسألة الاسشتراق مسألة نافلة في حياتنا الثقافية لكنها ذات أهمية بالغة و خصوصًا في نشأة النظام العالمي الجديد , و الاستشراق قضية سياسية ثقافية و ليست ثقافية سياسية , و قد نشأ الاستشراق ضمن بيئة تسعى إلى إعادة بناء العالم , حتى في تلك المراحل المتقدمة من التاريخ ( الحروب الصليبية ) .
و بهذا المعنى نرى أن الاستشراق بدأ يتكون في مرحلة غلبة أوروبا على العالم , و من العناصر الهامة التي ساهمت في ذلك انتصار الغرب في الحروب الصليبية و هو انتصار سياسي و عسكري و لاحقًا حضاري و يعتبر الاستشراق وريثًا شرعيًا للتاريخ اليوناني بوصفه ( تاريخ الاعجاز ) و كذلك التأسيس للنظام الرأسمالي في أوروبا و هو المطية التي تمنح ما حدث و يحدث القدرة على الإلغاء و الهيمنة و التدخل السياسي .