ومن هنا كان المجتمع الأول - في مجموعه - هو تلك الصورة الوضيئة النظيفة .. النظيفة في الخلق وفي السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والنشاط الفكري والروحي والعملي والحربي .. وكل منحى من مناحي الحياة .
لم يحس المسلم أنه سيعبد ربه - فيما بينه وبين نفسه - ثم يكون سلوكه العملي كيف شاء أو كيف شاء أي مجتمع آخر غير مسلم . كما لم يحس أنه يستطيع أن يترك مجتمعه ينحرف عن سلوك الإِسلام .
ولم تحس المسلمة أنه ستعبد ربها - فيما بينها وبين نفسها - ثم يكون سلوكها في ملبسها وزينتها وطريقة تعاملها مع الرجل وطريقة تفكيرها وشعورها كيف شاءت ، أو كيف شاء أي مجتمع آخر غير مسلم . كما لم تحس أنها تستطيع أن تترك مجتمعها ينحرف عن سلوك الإِسلام .
إنما أحس كلاهما أن واجب إسلامه يلقي عليه تبعة ضخمة في ذات نفسه وفي ذات مجتمعه . تلزمه أن يكون في يقظة دائمة لكل صغيرة وكبيرة يأتيها هو أو مجتمعه . يقظة يحس فيها أنه في كل أمر من هذه الأمور محاسب أمام الله ، وأن عليه أن يحاسب فيها نفسه قبل أن يحاسبه الله .. وبذلك كانوا مسلمين !
ثم كانت حصيلة هذا الإِدراك لمفهوم الإِسلام ، أن أحست تلك الجماعة المسلمة أنها - بطاعتها لله واتباعها لشريعته وأوامره - هي القوة العليا في هذه الأرض . هي القوة المسيطرة المهيمنة ، التي ينبغي أن تأخذ بزمام البشرية كلها وتقودها إلى الطريق القويم .
لم يدخل في هذا الإحساس أي تقدير أو مقارنة للقوى المادية أو المعنوية بين هذه الجماعة وجماعات الأرض الأخرى التي لا تهتدي بهدي الله .
ولو دخل في حسابهم أي تقدير أو مقارنة بين عدد الرجال وقوة السلاح وقوة العلم وقوة الحضارة وقوة التنظيم . إلى آخر تلك القوى المادية والمعنوية ، لنكص المسلمون على أعقابهم ، بل لما فكروا قط في التحرك ، بل لا نزووا في داخل أنفسهم مدحورين مهزومين .. يحسون بالضآلة ويحسون بالهوان !
وإنما دخل في حسابهم شيء واحد . هو الحقيقة التي تنبع منها جميع الحقائق . أنهم هم المؤمنون . هم الطائعون لله ورسوله . وإذن فهم الأعلون . وكل قوى الأرض إزاءهم ضئيلة ضئيلة لا يقام لها حساب .
ثم كان هذا حقًا ...
فبطاعتهم لله ورسوله أصبحوا حقًا هم القوة العليا في هذه الأرض . القوة المسيطرة المهيمنة ، التي أخذت بزمام البشرية كلها وقادتها إلى الطريق القويم .
ولم يكن الفتح الحربي وحده هو حصيلة هذا الإحساس . وإن كان في ذاته ظاهرة مذهلة في التاريخ البشري .
وإنما كان الإسلام"حركة"قوية مندفعة بكامل حيويتها في كل اتجاه .
فالنظم والحضارات التي وجدها الإِسلام في طريقه ، سرعان ما استوعبها ، وأعطاها روحه ، فصارت نظمًا وحضارة إسلامية ، ثم بسطها الإِسلام - بصورتها الإِسلامية - في كل مكان وطئته أقدام المسلمين .
و"العلم"الذي وجده الإِسلام في البلاد المفتوحة ، سرعان ما تبناه ، وتوفر عليه ، دراسة وبحثًا وتعميقًا وتوسعة ؛ ثم أعطاه طابعه الخاص فصار علمًا إسلاميًا ، ثم بسطه الإِسلام - بصورته الإِسلامية - في كل مكان وطئته أقدام المسلمين ، واستنار به لا المسلمون فحسب ، بل كل متعلم على ظهر الأرض .
يقول"جب"في كتابه"الاتجاهات المعاصرة في الإسلام":
"أعتقد أنه من المتفق عليه أن الملاحظة التفصيلية الدقيقة التي قام بها الباحثون المسلمون قد ساعدت على تقدم المعرفة العلمية مساعدة مادية ملموسة ، وأنه عن طريق هذه الملاحظات وصل المنهج التجريبي إلى أوربا في العصور الوسطى:"
ويقول"بريفولت في كتابه"بناء الإنسانية Making of Humanity":"
"لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية على العالم الحديث ... ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوربا الحياة ، بل مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية . ولكن على الرغم من أنه ليس ثمت ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإِسلامية بصورة قاطعة ، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون ، وأهم ما تكون ، في نشأة تلك الطاقة التي تكوّن ما للعالم الحديث من قوة متميزة ثابتة ، وفي المصدر القوي لازدهاره: أي في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي".
وغير هذا وذلك من تقاليد الحياة وأساليبها ، وقيمها ومبادئها ، نشرته هذه الجماعة المسلمة المؤمنة بالله ، الطائعة لأوامره ، وظل راسخًا في بنية البشرية حتى بعد أن انحسر العالم الإِسلامي وتخلى عن مهمته الأصيلة في الهيمنة على البشرية وقيادتها في الطريق القويم ، مما قرره مؤرخو الغرب المنصفون أنفسهم حتى وهم يكرهون الإِسلام ، ويكيدون للإِسلام !
ولكن الصورة الكاملة للمفهوم الإِسلامي عن المسلمين الأوائل ، لن تتم في أذهاننا ، ولن نتصورها على حقيقتها ، حتى نرى إلى جانب هذه الصورة العامة ، صورة واقعية من الحياة الإِسلامية كما تتبين في نماذج من المجتمع المسلم .
قلنا في الفصل السابق إن المفاهيم العامة للإِسلام لا يتم تصورها حتى نراها في صورة واقعية من حياة المجتمع المسلم الذي عاش هذه المفاهيم بالفعل ، وأخذها أخذًا جادًا ، فانفعلت بها نفسه ، وحققها في واقع سلوكه .
والمعتاد - وهو أمر طبيعي - حين تؤخذ نماذج للمجتمع المسلم ، أن تؤخذ هذه النماذج من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والصحابة البارزين الذين حققوا في ذوات أنفسهم بطولات فذة ، خالدة في تاريخ الإِنسان وفي ضمير الكون .
وهو أمر طبيعي كما قلت . فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسوة والقدوة . وقد كانت كل دقيقة من دقائق حياته مبسوطة أمام المسلمين لتكون لهم النموذج الكامل الدائم الذي يرجعون إليه في كل تصرفاتهم ، ويحاولون - بقدر ما يطيقون - أن يقبسوا منها ويقتدوا بها ، ويتأسوا بها في الشدائد والصعاب .
والصحابة رضوان الله عليهم هم نماذج"بشرية".. صحيح أنها نماذج ممتازة ، نادرة في التاريخ البشري ، ولكنهم ولا شك بشر تشربت أرواحهم النور العلوي فارتفعت به ، وصارت إلى تلك النماذج العالية التي تشرف بها البشرية في جميع أعصارها وجميع أحوالها . والتأسي بهم والاقتداء بأعمالهم وأفكارهم ومشاعرهم محاولة مفتوحة أمام المسلمين في كل جيل ، يصلون منها إلى ما تقدر نفوسهم عليه .
فأخذ النماذج من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم ، أمر طبيعي حين يراد إعطاء صورة بارزة مكتملة للمجتمع المسلم ، خالدة على مدار التاريخ .
ولكنا هنا في هذا الكتاب خاصة ، الذي نتحدث فيه عن الإِسلام"الشعبي"إن صح التعبير ، الإسلام المطلوب من كل فرد ، والمفروض فيه أن يقدر عليه كل فرد ، مع عمل حساب للفروق الفردية بين الناس في الطاقات والاستعدادات ، وعمل حساب للضعف البشري"الطبيعي"الذي يقعد بالإِنسان عن بلوغِ القمة التي تقدر عليها طاقاته واستعداداته ، أو يقعد به عن الاستواء على هذه القمة حتى إذا وصل إليها أحيانًا ...