ونعود إلى (ول. ديورانت) لنرى عنده مثالا ً آخر، في موسوعته (قصة الحضارة) التي أشرنا إليها آنفًا، يقول وهو يتحدث عن الثراء الذي أصابه المسلمون بسبب الفتوح:"وكان للزبير بيوت في عدة مدن مختلفة، وكان يمتلك ألف جواد وعشرة آلاف عبد. ."أ . هـ بنصه.
وهذا الخبر بهذه الصورة وبهذا الإيجاز يجمع ألوانًا وأفانين من التحريف، ففيه زيادة، وفيه نقص، وفيه تغيير وتبديل، وبيان ذلك:
إن الخبر ورد في المصادر المعروفة والمشهورة هكذا:"كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه خراجهم كل يوم، فما يُدخل إلى بيته منها درهمًا واحدا، يتصدق بذلك جميعه".
هكذا ورد الخبر في:
(1) الإصابة لابن حجر العسقلاني: 1/546
(2) أسد الغابة لابن الأثير: 2/198
(3) البداية والنهاية لابن كثير: 7/251
(4) صفة الصفوة لابن الجوزي: 1/346
(5) الاستيعاب لابن عبد البر (بهامش الإصابة) 1/583
وبعض هذه المراجع من منشورات المستشرقين، أعني أن هذا الخبر بهذه الصبغة كان متاحًا له وبين يديه، (وهم يزعمون، ويزعم تلاميذهم أنهم يستقصون المراجع ولا يخطون حرفًا إلا بعد جمع كل ما يتصل بموضوعهم) ولكنه كما ترى ارتكب التحريفات الثلاثة الآتية:
1-زيادة ألف جواد من عنده، فقد أقحمها في الخبر، ولا وجود لها فيه أصلًا.
2-نقص الجزء الأخير من الخبر عن تصدق الزبير بخراج
هؤلاء المماليك.
3-زيادة الألف مملوك إلى عشرة آلاف.
وهكذا تكون (الأمانة العلمية) و (النزاهة) و (الحيدة) و (التجرد) و (المنهج÷ إلى آخر هذا الركام من الأحجار التي يلقمونها لمن يريد أن ينظر في عمل المستشرقين.
وهاك نموذج آخر للتحريف وخيانة المنهج،وهو ما قاله هذا المستشرق عن هارون الرشيد، ذلك الخليفة العظيم، وعلاقته بالبرامكة، قال:"وكان هارون يحب جعفر حبا أطلق ألسنة السوء في علاقتهما الشخصية، ويقال: إن الخليفة أمر بأن تصنع له جبة ذات طوقين، يلبسها هو وجعفر معا، فيبدوان كأنهما رأسان فوق جسم واحد، ولعلهما كانا في هذا الثوب يمثلان حياة بغداد الليلية (82) "كذا. .
انظر: مؤرخ الحضارة، عملاق الفكر، وربيب الأكاديمية، وسادن العلم، وأستاذ البحث والمنهج، ينكر الحدث الثابت والخبر المتفق عليه، الذي تردد في كل الكتب تقريبًا،"عن دس اليهود السم للرسول صلى الله عليه وسلم". ويُضيف ويغير في خبر ثروة الزبير رضي الله عنه ، ويأتي هنا بخبر (لقيط) لا يدرى له أصل فيحتفي به أيما احتفاء، بل يبني عليه من عنده، فيتخذ منه مناسبة ليطعن بغداد دار السلام، عاصمة الدنيا كلها في ذلك الوقت، فيقول:"ولعلهما كانا في هذا الثوب يمثلان حياة بغداد الليلية"، هكذا يقذف المجتمع كلّه بهذه الفرية، ولنا على هذا الكلام ملاحظتان.
(الملاحظة الأولى) : أن هذا الخبر على فرض صحته: كان الأولى به أن يعف عن ذكره، فلا (يلوث) به كتابه، ولا يؤذي به حياء قارئه، فهذا شأن العلماء والباحثين، لا سيما وأن الخبر في سياقه مقحم لا قيمة له، فإثبات قوة الصلة بين هارون ا لرشيد والبرامكة لا تحتاج إلى مثل هذا الفحش، الذي يعف عنه عامة الناس، بله كبار العلماء، (آه متى يعود لأمتنا مكانها حتى تقيم حدود الله، وتجلد هؤلاء القذفة) .
(الملاحظة الثانية) : أن هؤلاء المستشرقين دائمًا يدعون إلى العقل، وتحكيم العقل في الخبر مهما كانت صحة سنده، والسؤال للمستشرق العملاق، هل يقبل عقل عاقل (أيّ عاقل) بله عقل متحضر، بله عقل (مؤلف عالمي) هل يقبل العقل أن يمشي رجلان في ثوب واحد؟؟ وكيف؟ وبأي سعة يكون هذا الثوب؟ وأيهما يمشي أولًا؟ وأيهما يمشي ثانيا؟ أم كان هناك إيقاع موسيقي يضبط حركتهما؟؟
وإذا تركنا هذا الإمكان (العملي) فهل يقبل العقل أن حاكمًا في مثل منزلة هارون الرشيد كان فارغًا لهذا العبث، بل لهذا الفساد؟ وهل يعقل أن من يصل إلى هذا الحد من (السقوط) يمكن أن يكون صاحب هذا التاريخ الذي زحم الدنيا، من الغزوات والانتصارات والسفارات، والبناء والتعمير، وقيادة (الدنيا كلها) في طريق الحضارة والنور؟ هذه الخطوات الفساح التي تمت في عهد الرشيد، هل يقبل عقل عاقل أن هارون الرشيد الذي كان يقود الجيوش بنفسه، ويقضي الشهور تلو الشهور في ملابس الميدان، هذا الذي أذل أباطرة الروم، ودفع عن ثغور المسلمين دسائسهم، ومؤامراتهم، حتى مات مجاهدًا ودفن هناك في (طوس) على أطراف دولته، بعيدًا عن عاصمته (وقصره) مسيرة أيام، هل يعقل عاقل أن هذا المجاهد يصل إلى هذا المنحدر من السقوط؟؟ إلا في عقل هؤلاء المستشرقين.
بل إن جعفر البرمكي هذا، كان قائدا محنكًا، ولا شك أن مؤرخ الحضارة قرأ عن أعماله الحربية العظيمة، وأن هارون الرشيد كان يرمي به في أخطر المآزق ويلجأ إليه في أشق المضايق، فطالما قمع الفتنة، وردع العدوان، وسد الثغور، وحمى الحصون، وجال في أرض العدو وصال.
أفمثل هذين العظيمين الطاهرين المجاهدين، يكون فارغًا لما يرمز إليه بهمزه ولمزه، ذلك المؤلف العالمي (الهمزة واللمزة) . (83)
ح - إصدار أحكام قاطعة بغير دليل أصلا
وهم في هذه الحالة يظهرون مهارة فائقة، حيث يُصدرون الحكم بصورة قاطعة لا تردد فيها ولا احتمال، وفي جملة موجزة، بدون حشو أو تطويل، أو ترادف يوحون بذلك للقارئ أن المسألة مفروغ منها، وأنها يقين، وبديهة من البدهيات.
من ذلك ما ذكره (مونتجومري.وات) وهو يتحدث عن مجتمع المدينة، ونظام الزواج والصداق، حيث قال:"وكان يقال في الإسلام: إن المهر كان ملك المرأة ولكن لم يطبق ذلك (84) "أ.هـ.
هكذا يطلق الحكم في جملة واحدة"ولكن لم يُطبق ذلك"ويمضي مطمئنًا، وكأنه لم يصنع شيئًا، لم يتهم مجتمعًا بأكمله بأنه لم يطبق شريعة الله، التي كان يعيش بها، ولها، ويقاتل في سبيلها، ويجاهد من أجلها.
والذي يعنينا من هذا هو أن نرى كيف يقطع هذا (الباحث) (المنهجي) بهذا الحكم، بدون دليل، فأي بحث هذا؟ وأي منهج هذا؟
وقد وقفت أمام هذه الآفة المنهجية أيضًا، فلم أجد لها أصدق من هذا الوسم - في تقديري - فهي أخطر من أن تندرج تحت ما يسمى (بالنفي الكيفي) أو (النفي الاعتباطي) (85) ، فهي خيانة مكشوفة لمنهج البحث، بل هذا في الواقع لا يسمى بحثًا ولا يسمى علمًا ولا منهجًا.
ويلاحظ كما أشرنا - آنفًا - أنه ألقى هذا الحكم في جملة واحدة من كلمتين ألحقها بقضية أخرى، زيف فيها الأدلة على وجود المهر وتشريعه أصلا، وتجاهل أيتين من آيات سورة النساء، أمام عينيه وتعسف في توجيه وتفسير آيات أخر، كما بيناه في موضوعه.
ولنا أن نقول: إذا كان هذا البحث قد انتهى إلى أن أعمال المستشرقين لا يمكن أن توصف بأنها أبحاث، ولا بأنها علمية، وإذا كنا قد آثرنا أن نضع القلم الآن فمازال أمامنا مجال للقول فسيح، فيما يتعلق بالاستشراق والمستشرقين لنجيب على كثير من الأسئلة مثل:
-هل هناك مستشرقون منصفون - غير من هداهم الله إلى الإسلام؟
-هل يلام المستشرقون على ما قاموا به من أعمال، وما بذلوه من جهود في سبيل هذه (الدراسات) و (الأبحاث) التي قدرت عددًا بستين ألف؟
-ثم هل للمستشرقين فضل على تراثنا، بما قاموا به من حفظ وصيانة ما استولوا عليه من مخطوطات، ثم ما بذلوه من جهد في فهرسته وتحقيقه ونشره؟