فهرس الكتاب

الصفحة 1319 من 3028

التشريع

السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه عند البحث في المشكلات الحضارية يكون دائما عن التشريع أو الدستور. فهذه المشكلات تنشأ عن علاقة الفرد بغيره ؛ والتشريع هو الذي يحدد هذه العلاقة علي أساس من العدل والإنصاف. ولكن من المذهل أن أقول: إن الإنسان لم يفلح إلي الآن في الكشف عن دستور حياته! صحيح أن جميع الدول في العالم قائمة علي أسس الدستور ؛ ولكن هذه الدساتير مخفقة تماما في الوصول إلي أهدافها ، بل لا يوجد هناك ما يسوغ وجود هذه الدساتير سوي أنها تنفذ بالقوة والإجبار.

ومن الحقائق المعروفة لرجال القانون أن جميع الدساتير الرائجة في هذا العصر تفقد أية أسس علمية أو نظرية تجيز بقائها. ويري الأستاذ (فولر) L.L. Fuller أن (القانون لم يكشف عن نفسه بعد! ) . . وفولر هذا هو الذي وضع كتابا أسماه: (القانون يبحث عن نفسهThe Law in Quest of Itself) .

وقد وضعت كتب لا حصر لها حول هذا الموضوع بالذات ؛ وبذلت عقول جبارة من علمائنا أوقاتها في سبيل البحث عن مقومات القانون. وكما يري محرر (موسوعة تشامبرز) (لقد أعطي القانون أهمية علم هام ، حني رفع من شأنه إلي أقصي الحدود) . ولكن كل هذه الجهود لم توفق في الحصول علي صورة متفق عليها من القانون. وقد تشعبت بهم السبل حني قال خبير في التشريع: (لو طلبت من عشرة خبراء أن يعرفوا القانون فعليك أن تستعد لسماع أحد عشر جوابا! ! )

وقد انقسم خبراء التشريع إلي مدارس فكرية كثيرة ؛ ولكننا-رغم تعدد هذه المدارس-قد لا نجد لبعض كبار علماء القانون فيها مكانا! يقول البروفيسور (باتون) G.W. Patonعن (جون آستين) : (إنه لا يصلح لأي من الأقسام العريضة Broad Divisions للقانون(186 ) ):

وأما السب وراء هذا الاختلاف بين خبراء التشريع ، فهو عدم توصلهم إلي أساس صحيح يمكن إقامة صرح التشريع عليه. إنهم يجدون أن القيم التي يحاولون جمعها في هيكل الدستور يستحيل وضعها في ميزان واحد. ومثل رجل القانون في محاولته هذه كمثل الرجل الذي يزن مجموعة من الضفادع بمجموعة أخري مماثلة ؛ فكلما وضع مجموعة في كفة وجد أن ضفادع الكفة الثانية قد وثبت إلي الماء مرة أخري! !

ومن ثم باءت كل الجهود- التي استهدفت الحصول علي الدستور المثالي- بالفشل الذر يع.

ويعبر الأستاذ (و. فريدمان ) عن هذه المشكلة قائلا:

(. . وإنها لحقيقة: أن الحضارة الغربية لم تجد حلا لهذه المشكلة غير أن تنزلق من وقت لآخر ، من نهاية إلي نهاية أخري(187) !)

وقد لاحظ (جون آستين) أن الدستور- أي دستور- لايصبح نافذ المفعول إلا إذا كانت تسنده قوة من ورائه ، فعرف (القانون) في كتابه ، الذي نشر لأول مرة عام1861 علي النحو التالي:

(القانون هو الحكم الذي أصدره (رجل رفيع المنزلة سياسيا لمن هو أدني منه في المرتبة السياسية(188 ) ) .

وقد أصبح التشريع بناء علي هذا التعريف (مرسوما لصاحب السيادة(189) ! ولذلك شن المحدثون من العلماء حملة شديدة علي هذه الفكرة ، وقالوا: إنه لا يمكن منع انحرافات الحكام إلا إذا كان (رضا الشعب العام) دعامة أساسية في التشريع. . وأنكروا أي قانون أو دستور لا يحرز رضا الجماهير ؛ وترتب علي ذلك أن ضوابط كثيرة يجمع علي صحتها وأفادتها جميع أهل العلم ومعلمي الأخلاق-لا يمكن تنفيذها ، لأن الشعب لا يوافق عليها. وعلي سبيل المثال لم يتمكن الأمريكيون من إدخال مشروع قرار يحرم الخمر ، لأن الشعب لم يرض عنه. . كما اضطر البريطانيون إلي إدخال تعديلات هامة في قانون عقوبة القتل ، واضطروا إلي إباحة أنواع محرمة من العلاقات الجنسية ، علي الرغم من ضجيج المثقفين ، واحتجاج علماء القانون !

وهناك مسألة أخري اختلف حولها علماء القانون: هل القانون قابل للتغير أو لا؟

لقد لقيت نظرة (القانون الطبيعي) رواجا كبيرا في العصور الوسطي ، وفي العصور التي تلتها ، ومؤداها أن الطبيعة البشرية هي المصدر الحقيقي للتشريع:

(فالطبيعة تطالب أن يكون حق السيطرة والحكومة لمطالبها الطبيعية ودعائمها الرائدة. وقد أعطت الطبيعة هذه الدعائم للإنسان في صورة(العقل) ، ولذلك لابد من إقامة حكومة بقوة العقل (190 ) ) .

وقد أعطت هذه النظرية أساسا كونيا للمشرعين ، فقيل:إنه لابد من دستور موحد صالح لكل العصور. وهذه هي نظرية علماء القرنين السابع والثامن عشر حول القانون. ثم جاءت مدرسة أخري ادعت استحالة معرفة الأسس الكونية للدستور. ويقول (كوهلير) في هذا:

(ليس هناك دستور أبدي وأي تشريع يصلح لعصر ما ليس-بالضرورة- صالحا لعصر آخر. وليس لنا إلا أن نجهد أنفسنا في البحث عن دستور يلائم كل حضارة علي حدة. فقد يكون دستور ما خيرا لطائفة من الناس ، ثم يسب هلاك طائفة أخري(191 ) ) .

وقد قضت أفكار هذه المدرسة الأخيرة علي تحكم القانون واستقراره ، فهي تدعو الإنسان إلي فكرة التغير العمياء ، والنسبيةRelativism؛ وهي لن تنتهي إلي حد ما حيث إنها تفتقر إلي الأساس. وقد قلبت هذه الفكرة جميع القيم الإنسانية رأسا علي عقب.

وهناك مدرسة أخري تدعو إلي إحراز أكبر قدر من مقومات العدل في التشريع. ويكتب (اللورد رايت) Lord Wrihght معلقا علي فكرة (دين راسكو باوند) :

(إن راسكو باوند يدعو إلي فكرة-اطمأننت إلي صدقها بعد جميع تجاربي ودراستي في القانون- وهي أن الهدف الأساسي والابتدائي للتشريع هو(البحث عن العدل) (192 ) ) .

فإذا سلمنا بهذه النظرية واجهنا سؤالا هاما هو: (ما العدل؟) ؛ (وكيف يمكن تعيينه؟) ، وهكذا مرة أخري نرجع إلي (جون آستين) !

ومرة أخري نقف أمام ظاهرة أن الإنسان لن يستطيع الكشف عن أساس واقعي للتشريع ؛ رغم الجهود الجبارة التي بذلت في هذا الحقل منذ مئات السنين ، ويزداد يوما بعد يوم شعور بالمرارة وخيبة الأمل بين رجال التشريع ، لأن الفلسفة الحديثة قد فشلت في بحثها عن أهداف الدستور. ويتسائل البروفيسور جورج وهيتكروس باتون قائلا:

(ما(المصالح) التي لابد للدستور المثالي أن يحافظ عليها ؟ إنه سؤال يتعلق (بالقيم) ويدخل في دائرة فلسفة التشريع. وما أكثر ما نرجو من الفلسفة عن (ميزان للقيم) يمكن قبوله لدي جميع الأطراف.

والحقيقة أنه ليس هناك من أساس لشئ م النظم إلا للدين ؛ ولكن الحقائق الدينية تصلح كعقيدة ووجدان ، ولا يمكن قبولها علي أساس الاستدلال المنطقي (193 ) ) .

وقد نقل البروفيسور (باتون) رأيا لبعض علماء التشريع-يقول: إن جميع محاولات الدراسة الفلسفية للبحث عن (الأهداف) في فلسفة التشريع قد انتهت إلي غير ما نتيجة (194) . ويتسائل (باتون) : أهناك حقا (قيم مثالية) تحدد الأسس عند تطوير التشريعات ؟ لم يتمكن المشرعون من التوصل إلي هذه القيم حني الآن ، غير أنها لابد منها). ويستطرد قائلا:

(لقد استخرج أصحاب نظرية(القانون الطبيعي) القديمة أسسهم من الحقائق الإلهامية في الدين. ولكن إذا ما أردنا نحن أن نأتي بتشريع علماني ، فأين سنجد أساس القيم المتفق عليها (195) ؟)

وهذه التجربة المريرة تدعو الإنسان للعودة إلي الجهة التي انحرف عنها منذ قرون. فقد كان الدين يسهم إسهاما فعالا في وضع دساتير الزمن القديم. . ويري خبير القانون المعروف السير هنري مين: أنه (لا يوجد مثال واحد في القوانين التي تم تسجيلها كتابة من قانون الصين إلي بيرو ، إلا وكان ذا علاقة بالطقوس الدينية والعبادات منذ بداية أمره(196 ) ) .

لقد آن الأوان أن نعترف بالحقيقة القائلة: بأن البشر لا يستطيعون وضع دستور لهم بدون هدي الله. وبدلا من المضي في الجهود التي لا تأتي بنتائج مثمرة علينا أن نعترف بالواقع الذي يدعونا إليه (الدكتور فرويدمان) حين يقول:

(يتضح بعد دراسة هذه الجهود المختلفة أنه لابد من هداية الدين لتقييم المعيار الحقيقي للعدل. والأساس الذي يحمله الدين لإعطاء العدل صورة ينفرد هو به في حقيته وبساطته(197 ) ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت