فهرس الكتاب

الصفحة 900 من 3028

فقوة الإيمان في نفس المؤمن، ترفع مقتضيات الإيمان فوق كل شيء، وتجعل المؤمن وثيق الرابطة بما يمليه عليه إيمانه، لا يشغله عن ذلك شاغل.. ومهما اشتد البلاء، فإن المؤمن لا يزاد إلا ثباتًا ويقينًا، ذلك لأن قوة الإيمان في القلب، تمد المؤمن في كل أحواله بنور الاهتداء، وكمال الرجاء. . ذلك شأن المؤمن في كل أموره، في عبادته لله ، وذكره إياه، وفي حرصه على مرضاة الله، مهما تكاثرت عليه مشاغل الحياة، وفي خضوعه دائما لأمر الله وحكمه، وفي كمال ثقته بالله، قولا وعملا، وقلبا، وجسدًا، وعقيدة، وسلوكا، كذلك من شأنه ألا يهادن أهل الباطل، أو يلين في مقاومتهم..

ومن المعلوم أن الإيمان ليس كلمة تقال وكفى.. وليس شعارًا يطرح ثم ينفذ أو لا ينفذ. . وإنما هو أولا وقبل كل شيء: عقيدة تخالط شغاف القلوب، وتسري منع الدم في العروق، لا يدركها ريب، ولا يلحقها شك أبدا، وهذه العقيدة لا تكون صحيحة كاملة، ولا تكون سليمة تامة، إلا إذا أتت ثمراتها الطيبة. . سلوكا مستقيمًا، وأخلاقا طاهرة، وأعمالا رشيدة، ومن ثم لم يذكر الإيمان في القرآن الكريم إلا مقرونا بالعمل الصالح، مثل قول الله تعالى في سورة يونس: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ) (يونس:9)

وهكذا يتبين للمسلمين أن الإيمان ليس قولًا بلا حقيقة، وليس ادعاء بغير دليل أو برهان، ولقد فهم المسلمون القرآن الكريم، وتشربوه في قلوبهم، وتمثلوه في نفوسهم، وجسدوه في أعمالهم، فكانوا بذلك مثار العجب في يقينهم الثابت، ونشاطهم الدائب، وسلوكهم الفاضل، وأخلاقهم العظيمة، وعمارتهم للأرض، وعبادتهم لله، تجاوبًا بذلك كله مع حقيقة الإيمان، فدانت لهم الدنيا، وامتلكوا زمام الجاه، والسلطان، والقوة، وتبوأوا قمم المجد، وصاروا في أسمى مراتب الحياة الحرة الكريمة.

وشاءت إرادة الله تبارك وتعالى، أن تكون الأمة الإسلامية، خير أمة أخرجت للناس، تحمل الأمانة، وتنشر أنوار الحق، وتأخذ بيد الناس إلى أقوم طريق، وأهدى سبيل.

وكلما كان الإيمان عميقا في الصدور: أحس المؤمن بذاته، وأحسن النظر إلى واجباته ومسؤولياته.

وإذا كان المجتمع البشري يموج بعضه في بعض، تحركه أمواج عاتية من الفتن والضلال، فإن أهل الإيمان يشعرون إزاء ذلك بأمرين:

الأمر الأول: أن يستمسكوا بالحق جاهدين في العمل به وحمايته.

الأمر الثاني: حماية أنفسهم من أن يجر فهم تيار الفتن، الذي يحيط بهم.

وأمر ثالث: لضمان مسيرتهم: أن يكونوا مثالًا حياًّ صادقا لمبادئ دينهم، ليرى فيهم الناس ما يدعو إلى هيبتهم واحترام دينهم، ولتكون مثاليتهم في حياتهم أكبر داع إلى الله ورسوله.

قال تعالى في سورة آل عمران: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل عمران:110) .

وإذا كان خير المقال ما صدقه الفعال، فإن الإسلام يوجب على الأمة أن تحمل دعوة الحق إلى الناس، وتسوسهم برفق إلى صراط مستقيم.. قال تعالى في سورة آل عمران: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) (آل عمران:104) .

وإن قوة الإيمان بما تفيض على النفس من طمأنينة، ويما تعطي المؤمن من الاندفاع الواثق في طريق الحق، منفعلا به داعيا إليه، معتزا بما لديه، لا يحيد عنه، ولا يقصر فيه، هي أعلى ما اكتسب الإنسان لأنها صمام الأمان من غضب الله، وضمان النصر للمعتصمين بالله، وسبيل النجاة من عذاب الله في دار الجزاء. بهذا يحس كل مؤمن إحساسا يجعله أقوى من أن يهزم أمام الباطل، أو يضعف في مواجهة فتنة، أو يستسلم لهوى، أو يستمرئ معصية.

والمسلمون اليوم في أمس الحاجة إلى هذا الإيمان الكامل. الإيمان الذي يقتضي من المؤمن أن يتخذ سبيلا إلى الله عز وجل . . فتجيء أعمال المسلمين وفق عقيدتهم. فلا يرهبون من أحد أبدا، ولا يذلون إلا لسلطان الله ، ولا يعملون من عمل إلا وهم يريدون به وجه الله سبحانه وتعالى. يفعلون ما أمر به جل جلاله، وينتهون عما نهى عنه، يذوبون رحمة لإخوانهم المؤمنين، فيواسون الفقير، ويجبرون الكسير، ويقومون الضعيف، ويشدون العزائم، ويستنهضون الهمم، ويكونون دائما عونا لإخوانهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، و يتفجرون شدة على أعداء الإسلام ، فيجاهدونهم بالقلب واللسان والمال والنفس، يفلون عزيمتهم، ويكسرون شوكتهم، ويعملون جاهدين على ألا يكون لأعداء المسلمين سبيل على المؤمنين، لا في أنفسهم ، ولا في أموالهم، ولا في أعراضهم، ولا في أوطانه

مفهوم الحوار

بداية يحسن بنا أن نعرض لمفهوم الحوار. ومفهوم الحضارة. حتى نتعرف على حوار الحضارات، وننطلق لرؤية واضحة، تكشف عن ضرورة الحوار للإنسان وحاجة الإنسان إليه.

والحوار: الرجوع عن الشيء ، والى الشيء، يقال: حار إلى الشيء وعنه حورا ومحارا ومحاورة: رجع عنه وإليه، وفي الحديث: (من دعا رجلا بالكفر، وليس كذلك حار عليه ) أي رجع إليه ما نسب إليه. والمحاورة، مراجعة المنطق، والكلام في المخاطبة. قال تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره ) (الكهف:37) أي وهو يراجعه الكلام ويجادله.

والتحاور: التجاوب. لذلك كان لا مندوحة في الحوار من متكلم ومخاطب، ولا بد فيه من مراجعة الكلام، وتبادله وتداوله.

وغاية الحوار: توليد الأفكار الجديدة في ذهن المتكلم. لا الاقتصار على عرض الأفكار القديمة، وفي هذا التجاوب توضيح للمعاني، وإغناء للمفاهيم يفيضان إلى تقدم الفكر.

وإذا كان الحوار تجاوبا بين الأضداد، كالمجرد والمشخص، والمعقول والمحسوس، سمي جدلًا. والجدل هو النقاش والخصومة. وهو منطقيًا: قياس مؤلف من مقدمات مشهورة أو مسلمة، وغرضه إلزام الخصم وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان.

والجدل أصلا: هو فن الحوار والمناقشة، قال أفلاطون: (الجدلي هو الذي يحسن السؤال والجواب، وغايته الارتقاء من تصور إلى تصور، ومن قول إلى قول، للوصول إلى أعم التصورات، وأعلى المبادئ.

واقتبس المحدثون عن أفلاطون. فأطلقوا الجدل على: الارتقاء من المدركات الحسية إلى المعاني العقلية، ومن المعاني المشخصة إلى الحقائق المجردة، ومن الأمور الجزئية إلى الأمور الكلية.

وقبل أفلاطون زعم سقراط: أن العلم لا يعلم، ولا يدون في الكتب. بل يكشف بطريق الحوار. ويذكر العلماء: أن قاعدة القواعد في النظام الكوني، هي حوار الكائنات، ليأخذ بعضها من بعض، ويعطي بعضها بعضا كما هي طبيعة الحاجة، فيكون الانسجام والشد، والعقد، والاستمرار.

فالحوار ليس قاصرا على الكلمات اللسانية المسموعة، إنما قد يتجاوز إلى الإشارة الموضحة، والبسمة المشرقة، والحس الخافق، والدورة المقبلة، والعمل الصالح، والموقف الصالح، حتى الصمت، لا يبعد أحيانًا أن يتأتى حوارًا.

ومن البدهة القول: بأن الإنسان كائن عقل واجتماع، كائن علاقة وحاجة: ومن البداهة القول: إن هذه الأحوال من أحوج حاجاتها اللقاءات المتحاورة: ليكون المجتمع على بينة من أمر علاقاته، وعلى تناسق مؤتلف، وتفاهم واع، وترابط معقود. كما الكون بقوانينه وأنظمته التي تجعله يحفظ بعضه بعضًا، ويستمر بعضه ببعض. . وهذا هو أصل مفهوم الحوار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت