ويتكرر بين الناس مصطلح:"الأديان السماوية التوحيدية"! وهذا مصطلح متناقض بعيد التناقض، فالله _سبحانه وتعالى_ لا إله إلا هو، ما كان ليرسل لعباده أديانًا مختلفة يتصارعون عليها، ثم يحاسبهم يوم القيامة! إن وحدانية الله _سبحانه وتعالى_ وعدالته ورحمته بعباده تأبى ذلك. فالله أرسل لعباده رسلًا يبلّغون دينًا واحدًا، دينًا سماويًا توحيديًا واحدًا هو الإسلام: إنه دين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء والمرسلين _عليهم السلام_ جميعًا، كما نصَّ على ذلك كتاب الله، وخُتِموا بمحمد _صلى الله عليه وسلم_:"إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" [آل عمران: 19] .
وعندما ينتقل هذا المصطلح إلى بعض الدعاة المسلمين لينضم إلى سائر المصطلحات التي سبق ذكرها والتي أخذ يتبنّاها هؤلاء الدعاة، ندرك عندئذ شدَّة أثر الغزو الفكري وامتداده في العالم الإسلامي.
ولقد حرتُ في قول داعية مسلم:".... الذي ينبثق من إسلامنا كدين ونظام حياة شامل وكامل..."، وفي الوقت نفسه يدعو إلى المفاهيم التي سبق أن ذكرناها! فإذا كان الإسلام دينًا ونظامَ حياة شاملًا، فلماذا مفاهيم العلمانية والمفاهيم الغربية؟! لماذا هذا التناقض، ولماذا التمسك حينًا بالاشتراكية وحينًا بالعلمانية وحينًا بالديمقراطية، كأننا نتسوّل الأفكار ومن هنا وهناك؟!
ويضع بعضهم قاعدة جديدة ينسبها إلى الإسلام للتعاون بين المسلمين وغير المسلمين، فيقول:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"! أيّ أنَّ لغير المسلمين ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. إنه مبدأ ديمقراطي علماني يرفعونه شعارًا ولا يطبقونه عمليًا، وليس للإسلام علاقة به. إنَّ الإسلام نظّم العلاقات بين المسلمين وجميع الفئات على أسس ربَّانيّة، سعِد بها الناسُ جميعًا في ظل حكم الإسلام وشريعته. ووجد فيها أهل الكتاب من العدل ما لم يجدوه في ظل أي حكم آخر في تاريخهم كلّه. هذه كتب التاريخ تروي وتشهد بذلك وتُقدّم أروع الأمثلة. وكيف يكون في دين الله مثل هذا المبدأ غير العمليّ. فالمسلم عليه الزكاة فرضًا وغير المسلم ليس عليه هذا الفرض. والمسلم عليه الجهاد في سبيل الله، وغير المسلم ليس عليه ذلك، حيث إنَّ الجهاد في سبيل الله يقوم به من يؤمن بالله والإسلام ويجاهد لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله وشرعه. وقس على ذلك أمورًا أخرى.
والذين يدعون إلى الوحدة الوطنية بدلًا من الوحدة الإسلاميّة، يحتجون بأنَّ غير المسلمين جزء من النسيج الوطني، ولكنهم جهلوا أو تناسوا أنَّ الإسلام وحده هو الذي ينصفهم بعدله وشرعه، نسوا أو تناسوا أن هؤلاء كانوا جزءًا من نسيج المجتمع في المدينة، ولكنهم لم يكن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ولم تقم بينهم وبين المسلمين أخوّة وطنيّة، وشعارات مخدّرة وإنما كان لهم حقوق أوفى المسلمون لهم بها. وعدلوا معهم وأنصفوهم فسعدوا بها.
والإسلام يأمر بالقسط والعدل مع الناس كافّة، وعلى ذلك قام شرعه، ولكن القسط والعدل كما فصّله الإسلام لا يشمل الموالاة والخضوع والتبعية.
الداعية المسلم يجب عليه أن يدعو إلى وحدة المسلمين وإلى أخوة الإسلام وإلى تطبيق شرع الله، وإلى الإيمان بالله وبرسوله محمد _صلى الله عليه وسلم_ وبسائر الأنبياء كما جاء في الكتاب والسنَّة. وغير المسلم يدعو إلى وحدة عائلية أو وطنية أو قومية أو حزبية من خلال عصبيات جاهلية، تمزّق الأمة والناس فِرَقًا وشيعًا يُصارع بعضها بعضًا؟
وأخيرًا نشدُّ الانتباه إلى أنّ ممالأة أعداء الله والتنازل لهم، وتغيير شرع الله إرضاءً لهم، كلُّ ذلك لن يجعلهم يغيرون من خُطّتهم المقرّرة في حرب الإسلام، ولكننا نخسر شيئين: نخسر نصر الله وتأييده، ونخسر احترام أولئك وهيبتنا في عيونهم. وكلّما تنازلنا أمعنوا في الإيذاء والجرأة به. وحسبك تدنيس القرآن الكريم بعد أن تنازل المسلمون حتى عن بعض ديارهم وأعراضهم وبعض ثرواتهم.
لم نُقِمْ نحنُ المسلمين في واقعنا اليوم للقرآن الكريم منزلته الأمينة. الملايين من المسلمين يجهلون القرآن الكريم، والملايين يجهلون العربيّة، والملايين لا يتدبّرون القرآن الكريم ولا يمارسونه عمليًا في حياتهم. ورأى الغرب ذلك فينا، فتجرَّأ على تدنيس القرآن الكريم. لم يعد لنا في ميزان الواقع الدولي أيّ وزن حقيقي لكثرة ما تهاونا وتنازلنا، وقلَّدنا وخضعنا:
أمّةُ الحقِّ ما دهاكِ فأصْبَحْـ ... ...
ـتِ شظايا تناثرتْ في النِّجادِ
كلُّما رُمْتِ ملتقى كُنْتِ في السا ... ...
حة أوهْى من حفنةٍ من رمادِ (1)
(1) ملحمة أرض الرسالات: د. عدنان علي رضا النحوي ، ( ص: 134) .
ج: الغزو الفكري هو مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة. وهو أخطر من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية وسلوك المسارب الخفية في بادئ الأمر فلا تحس به الأمة المغزوة ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه وتكره ما يريد منها أن تكرهه. وهو داء عضال يفتك بالأمم ويذهب شخصيتها ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها ولا تدري عنه ولذلك يصبح علاجها أمرا صعبا وإفهامها سبيل الرشد شيئًا عسيرًا.
س2: هل يتعرض العرب عامة والمملكة خاصة لهذا النوع من الغزو؟
ج: نعم يتعرض المسلمون عامة ومنهم العرب لغزو فكري عظيم تداعت به عليهم أمم الكفر من الشرق والغرب ومن أشد ذلك وأخطره:
1-الغزو النصراني الصليبي.
2-الغزو اليهودي.
3-الغزو الشيوعي الإلحادي.