** أجريت مؤخرا بحثا عن تحليل المضمون لبرامج التليفزيون الإسرائيلي أثبت فيه أنه من خلال هذه البرامج يمكن أن نتوقع السياسات العربية المستقبلية، فقد وصل الأمر إلى أن اليهود يخططون لنا ونحن ننفذ تخطيطهم بالضبط، وهم ينحتون المصطلحات ويكررونها ثم نستخدمها نحن بمدلولاتها التي صممت ضد مصالحنا. ففي اتفاقيات أوسلو أصبح اليهود يستخدمون مصطلح إعادة الانتشار بدلًا من الانسحاب، وسرنا وراءهم نردد ما اخترعوه من مصطلحات. إن الأكاديميين اليهود الذي اجتمعوا عام 1968 قالوا إنه قبل عام 2000 سوف توقع جميع الدول العربية معاهدات السلام مع إسرائيل وهو ما حدث. إنني هنا أفهم لماذا كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يحرص على أن نخالف اليهود والنصارى في كل أمورهم وأن يكون لنا تميزنا في الزي وفي التقويم وفي الأعياد، وفي المصطلحات وفي المنهج وفي المرجعية، وحينما افتقدنا المنهج والمرجعية أصبحنا نسير كالعميان بدون قائد، بل أصبحنا كالأعمى الذي يتكئ على يد عدوه، وهو لا يدري أن عدوه يسير به نحو هوة سحيقة حتى لا يخرج منها أبدًا
الثلاثاء 11 رمضان 1427 هـ - 3 أكتوبر 2006 م
عامر حسين
مفكرة الإسلام: كانت تجارب الغرب مع المسلمين، من خلال الصراع الممتد الذي بدأ مع أطراف الدولة البيزنطية، ثم مع هذه الدولة نفسها، ومع الدولة الرومانية المسيحية حيث أخذوا منها مصر [درة العقد] ، وصولًا إلى محاصرة عاصمتهم [القسطنطينية] وفتحها، وجعلها عاصمة لدولة إسلامية كبيرة، ومرورًا على معارك الأتراك المسلمين داخل أوروبا وفي منطقة البلقان، والتي أذلت الأوروبيين شر مذلة، ثم فاجعة الأوروبيين التي لم ينسوها، حينما أسس المسلمون دولة الأندلس على أراضيهم لمدة تقارب القرون التسعة، ثم ما كان من صراع أكثر مرارة استمر أكثر من مائتي عام في ديار المسلمين فيما يعرف بالحروب الصليبية، نهاية بالاستعمار الحديث للبلاد العربية والإسلامية.
هذا التاريخ كان مليئًا بالصراع، وشرب الغرب الأوروبي منه مرارة الهزيمة مرات عديدة وكثيرة، واجه خلالها المسلمين في جهادهم ضد عدوهم، وعرف كيف أنهم يبيعون أنفسهم لله، وأن غاية المجاهد الذي يحاربهم هو إما ينتصر عليهم، وإما يستشهد في سبيل دينه، ومن هنا كان الدرس الذي أخذوه هو ألا يواجهوا المسلمين بطريقة علنية ومكشوفة، وإنما قرروا أن يتسللوا إليهم، ويخدعوهم، ويمارسون ضدهم أساليب الغزو الفكري، في محاولة لتفكيك مجتمعاتهم من الداخل من تلقاء نفسها، فيما يمكن أن يسمى 'نصرًا بلا حرب'.
هذا الصراع الطويل جعل الغرب حريصًا على أن تكون معارك الكيان الصهيوني معنا غير قائمة على أساس ديني، مع السماح لها أن تكون على أساس قومي.
ومن هنا فإن الدولة الصهيونية ومعها الحكومات الغربية ومراكز صناعة القرار في الغرب في حالة رعب مما يحدث في المنطقة العربية، التي تتجه فيها الأمور لكي تصبح في قبضة المسلمين.
فها هو الصراع في العراق أخذ الصبغة الدينية، وها هم الإخوان في مصر يزاحمون على مقاعد البرلمان والمحليات ومراكز صنع القرار، وحماس فعلت أكثر من ذلك بان وصلت إلى الحكم، والحرب الأخيرة في جنوب لبنان خاضها حزب الله الشيعي [مع اختلافنا الجذري معه] على أساس ديني وليس على أساس علماني.
حينما يرتجف الصهاينة!!
كل هذا جعل الصهاينة والغربيين يشعرون بأنهم مهددون، وبات الكيان الصهيوني ذاته مهددًا. ولذلك فلم يكن غريبًا أن تعبر وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تسيفي ليفني عن قلقها البالغ بصراحة في لقائها مع السفراء الأجانب المعتمدين في تل أبيب، في أعقاب انتهاء الحرب مع لبنان، فقد اعتبرت ليفني أن وجود الكيان الصهيوني كدولة سيصبح في خطر كبير إذا ما تواصلت مظاهر اصطباغ الصراع بالصبغة الدينية، وأكدت أن مكامن الخطر في حدوث ذلك التحول تتمثل في أنها تمد الفلسطينيين والعرب الآخرين بقدر من الإيمان واليقين , يتلاشي معه تماما تأثير قوة الردع الصهيونية , القائمة علي ميل ميزان القوي العسكرية لصالح الجيش الصهيوني. وبناءً عليه طلبت ليفني من السفراء الأجانب أن تسهم دولهم في تطويق الحركات الإسلامية , التي نجحت في إقناع المجتمعات العربية بتبني المنطلق الإسلامي فيما يتعلق بالصراع مع الصهاينة، بل نجحت أيضا في دفع التيارات القومية العربية لتبني المنظور الإسلامي في التعامل مع القضية.
ويحسن بنا هنا أن نراجع كلام بن جوريون، رئيس وزراء الكيان الصهيوني سابقًا حين يقول: [إن أخشى ما نخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد] .
ومما تحفظه الكتب عن تراث صراعنا الحديث مع الصهاينة أن ضابطًا عربيًا كبيرًا وقع أسيرًا في أيدي اليهود عام 1948، فدعاه قائد الجيش اليهودي إلى مكتبه قبيل إطلاق سراحه، وتلطف معه في الحديث.
سأله الضابط المصري: هل أستطيع أن أسأل لماذا لم تهاجموا قرية صور باهر؟ وصور باهر قرية قريبة من القدس.
أطرق القائد اليهودي إطراقة طويلة ثم قال: أجيبك بصراحة، إننا لم نهاجم صور باهر لأن فيها قوة كبيرة من المتطوعين المسلمين المتعصبين.
دهش الضابط المصري، وسأل فورًا: وماذا في ذلك، لقد هجمتم على مواقع أخرى فيها قوات أكثر وفي ظروف أصعب؟!.
أجابه القائد اليهودي: إن ما تقوله صحيح، لكننا وجدنا أن هؤلاء المتطوعين من المسلمين المتعصبين يختلفون عن غيرهم من المقاتلين النظاميين، يختلفون تمامًا، فالقتال عندهم ليس وظيفة يمارسونها وفق الأوامر الصادرة إليهم، بل هو هواية يندفعون إليها بحماس وشغف جنوني، وهم في ذلك يشبهون جنودنا الذين يقاتلون عن عقيدة راسخة لحماية إسرائيل. ولكن هناك فارقًا عظيمًا بين جنودنا وهؤلاء المتطوعين المسلمين. إن جنودنا يقاتلون لتأسيس وطن يعيشون فيه، أما الجنود المتطوعون من المسلمين فهم يقاتلون ليموتوا، إنهم يطلبون الموت بشغف أقرب إلى الجنون، ويندفعون إليه كأنهم الشياطين، إن الهجوم على أمثال هؤلاء مخاطرة كبيرة، يشبه الهجوم على غابة مملوءة بالوحوش، ونحن لا نحب مثل هذه المغامرة المخيفة، ثم إن الهجوم عليهم قد يثير علينا المناطق الأخرى فيعملون مثل عملهم، فيفسدوا علينا كل شيء، ويتحقق لهم ما يريدون.
لكن ما يلفت النظر في هذا الشأن هو أن صناع القرار الصهاينة حينما يحذرون من تحويل العرب للصراع معهم إلى صراع ديني، تمتلئ به جنبات دولتهم ومجتمعهم، حيث درجات غير عادية من التعبئة الدينية التي تسوغ احتلال الأرض , وطرد الفلسطينيين ونهب أموالهم بل وإبادتهم. وهي التعبئة التي يغذيها الزعماء الدينيون من خلال فتاواهم , ويرحب بها السياسيون ويستفيد منها العلمانيون والملحدون مادامت تخدم هدف التمكين للدولة العبرية.
البعد الديني في المشروع الصهيوني
اليهود محترفون في توظيف الدين والأيديولوجيا لخدمة أغراض سياسية وفي التلاعب بقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي لخدمة أغراضهم، ولكن الفرق بينهم وبين العرب هو أنهم يملكون القوة ووحدة الموقف، مما يجعل خطابهم الديني الأسطوري ومراوغاتهم السياسية تتحول إلى حقائق على الأرض، بل وتعترف غالبية دول العالم بأساطيرهم ومزاعمهم الدينية كمسلمات التشكيك فيها قد يؤدي إلى الاتهام باللاسامية وبالتالي إلى المتابعة القضائية.