لقد بدأت مواجهة الإرجاء من زمن الإمام الشافعي والإمام أحمد وشيوخهما وتلاميذهما، فكانت هذه المواجهة لتقرير أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقد تقرر هذا والحمد لله.
? ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية على يد الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم وتلاميذهما، فكانت هذه المواجهة لتقرير أن التوحيد توحيدان: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الألوهية، وأنه
لابد للمسلم ليكون مسلمًا من الأصلين معًا وهما الإيمان والإسلام، وأن الإيمان بمعناه الخاص هو توحيد الربوبية وهو التوحيد في الخبر والعلم والمعرفة، وأن الإسلام بمعناه الخاص
هو توحيد الألوهية وهو التوحيد في الإرادة والقصد والطلب، ولابد من ترك الشركين الأعظمين: شرك الاعتقاد وشرك العبادة، وان المسلم لا يمكن أن يكون مشركًا بأي حال من
الأحوال، ثم يبقى مسلمًا، وأن المشرك ليس مسلمًا بأي حال من الأحوال لتنافي الحقيقتين؛ ]مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [ ([1] ) ،
وأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة ولا يدخلها إلا نفس مؤمنة.
? ثم جاءت المرحلة الثالثة من المواجهة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه ومدرسته، فقال له ولهم علماءُ المشركينَ ـ كما كان يسميهم الشيخ رحمه الله*ـ
1-لا نقول شيئًا فيمن قال لا إله إلا الله وإن قال ما قال وفعل ما فعل.
2-أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يُكَفِّر مرتكب الشرك الأكبر إذا كان جاهلًا.
3-أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يكَفِّر المعين.
4-أن مرتكب الشرك الأعظم لا يكْفُر به إذا كان حريصًا على الانتساب إلى الإسلام، ويؤدي الفرائض وبعض الأعمال الصالحة.
5-أن مرتكب الشرك الأعظم لا يكفر به ليس فقط إذا كان جاهلًا بل أيضًا إذا كان مقلدًا أو متأولًا، ولا يكفر إلا المعاند.
6-أن قول لا إله إلا الله حصانة من الكفر لمرتكب الشرك الأعظم.
7-ثم جاءوا إلى البدعة الشنيعة والفرية العظيمة وهو ما ذكره شيخ الإسلام عنهم في كتابه"مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد"، وهو أن الشرك الأكبر لا يكفر به إلا من أنكر الإسلام جملة وكذّب الرسول والقرآن واتبع يهودية أونصرانية أو غيرهما. ويقول شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب في الرد عليهم «فإذا كان من انتسب إلى الإسلام لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر لأنه مسلم يقول لا إله إلا الله ويصلي ويفعل كذا وكذا، لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة أو العمى أو العرج فإن كان صاحبها يدعي الإسلام فهو مسلم، وإن ادعى ملة غيرها فهو كافر، وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول الفظيع... إلخ» . وقد تولى الشيخ وتلاميذه ومدرسته الرد على هذه البدع كلها في إطار دعوتهم إلى التوحيد.
? ثم جاءت المرحلة الرابعة من المواجهة، فانطلقت أبواق الإرجاء في السبعينيات من القرن الماضي بكل أقوال المرجئة في القديم البعيد والقديم القريب، وفي التسعينات من القرن الماضي؛ نبغت بدعة تأسست على ما وصفه شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب بالفضيحة العظيمة والقول الفظيع، تقول إن البراءة الإجمالية من الشرك، والإقرار الإجمالي بالتوحيد. حصانة من الكفر لمرتكب الشرك الأكبر، وأنه لا يكفر حتى ينقض عقد الإسلام، ولا يكفر بمفردات الشرك الأكبر، وأن مرتكب الشرك الأكبر لا يكفر به إلا بعد أمرين: الأول أن يتبين له أنه شرك أعظم، والثاني: أن يبقى بعد ذلك مصرًا عليه عنادًا لربه ونقضًا لميثاقيه معه بالبراءة الإجمالية من الشرك والإقرار الإجمالي بالتوحيد. ولكن إذا أتى الشرك الأكبر بعد ما تبيَّن له أنه شرك أكبر على وجه الضعف البشري وتغليبًا للأهواء والمصالح وليس على وجه العناد ونقض الميثاق فإنه لا يكفر بالشرك الأكبر، ويكون شأنه شأن المعاصي حتى يأتيه على وجه العناد ونقض الميثاق ليس إلاَّ ( [2] ) .
وبعد بداية القرن الحالي (سنة ألفين) وعودة الوجه الاستعماري القبيح وفرض التعايش وثقافة السلام وتجديد الخطاب الديني على المسلمين وتفكيك الدولة القومية واختراق السيادة الوطنية، وتفتيت المفتت، وتجزئة المجزأ... ركز رموز العولمة والعاملون في خدمتها على إحياء المدرسة التأويلية والتخلص من المدرسة النصوصية ووصفها بالسلفية على سبيل الذم، ووصمها بالتخلف والجمود، وأن المدرسة التأويلية هى الاتجاه العقلاني العصراني الذي سينقل المسلمين إلى مواكبة الحضارة وإلى أن يعيشوا العصر وثقافته وآلياته، وللمسلمين تراث في ذلك، هو تراث المعتزلة فرسان العقل، وتراث الفلسفة الإسلامية وفلسفة التصوف الإسلامي، التي أفادت الغرب في وثبته الحضارية، وهذا التراث هو الذي يُمْكِنُ أن يُكَوِّن عوامل ثقافية مشتركة، تقربهم إلى الغرب المسيحي.
ومخططو الغرب يعلمون من دراستهم الإستشراقية سيكولوجية الشيعة، واقترابها من سيكولوجية الكاثوليك، بعصمة المرجعيات الدينية هنا وعصمة الإكليروس هناك، ويعلمون سيكولوجية السنة واقترابهم من سيكولوجية الإنجيليين، برفضهم للكهنوت هنا وهناك. ومن ثمَّ ركزوا على وضع التأويل في يد المرجعيات عند الشيعة، وفي تحويل الإسلام إلى دين فردي عند السنة، كما هو الشأن عند الإنجيليين.
ومن ثمَّ برزت الدراسات عند السنة بتعريف المصالح المرسلة بالاستحسان المجرد وأحيوا ما يقوله الطوفي وغيره في هذا الشأن للاستئناس به. وبتخصيص الشرع بالعقل. وبإمكان استلهام روح الشريعة ومقاصدها الكلية دون النصوص الجزئية. وأن كل مجتهد مصيب كما يقول الجاحظ ـ وإن لم يكن من أهل السنة ـ وأن المتأول المخطئ مغفور له خطؤه كائنًا ما كان. وهذا كله من الباطل الذي يجادلون به لدحض الحق. ومما لاشك فيه أن الفتوى والفقه يتغيران بتغير الزمان والمكان والظروف والملابسات، ولكن لابد من أمرين:
· التمسك بالنصوص كلية وجزئية.
· فهم النصوص والاجتهاد عليها حسب قواعد أصول الفقه.وإلا كان الزيغ والضلال.
وفي إطار هذه الدعوة الإرجائية، تقارب مع الأنظمة والتوجهات العلمانية بدعوى إزالة التعارض بين الديمقراطية والإسلام، كما تقول أحزاب العدالة والتنمية في العالم الإسلامي للدخول في تعدديات علمانية، على أساس أن العلمانية نظام دولي لا يمكن تجاوزه.
وتنطلق الأبواق لتأكد هنا وهناك ـ على طول وعرض العالم الإسلامي من المغرب إلى تركيا إلى الشرق الأوسط إلى وسط آسيا إلى الشرق الأقصى ـ أن الرغبة عن شرع الله إلى غيره كفر دون كفر، وليست بأي حال كفرًا ينقل عن الملة وأن موالاة الكافرين ليست كفرًا ينقل عن الملة، بل وليست حرامًا، بل إنها تكون مستحبة أحيانًا، وواجبة أحيانًا أخري ـ خلافًا لما يؤكده القرآن الكريم في سياقاته المتعددة ـ أما من اتخذوا من دون الله أولياء يقربونهم إلى الله زلفى، فما قصدوا غير عبادة الله وإن أخطأوا في التوجه... هكذا!!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولا بأس من انتهاج سياسات عملية يحصل من خلالها التكيف مع الواقع، ولكن معرفة الحق المجرد بعيدًا عن الالتباسات وبعيدًا عن الإفراط و التفريط أمر واجب لتحديد صلة الإنسان بربه سبحانه وتعالى وهو كذلك أمر عملي يساعد كثيرًا في الخروج من النفق المظلم والركوع الذليل.
28 / 05 / 2007 ... د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف