مثلما هو الحال بالنسبة للأساتذة الزائرين بالجامعة الأمريكية بالقاهرة . ومن الأبحاث التي قام المركز بتنفيذها: دراسة عن تحرير المرأة .. نموذج من ريف مصري ، مصر البيزنطية إبان الغزو العربي لفلسطين وسوريا ، الجهل والتخلف في إسلام العصور الوسطى .
وبالإضافة لمركز البحوث الأمريكي هناك مؤسسة"اليوسا"التي تم إنشاؤها عام 1953 في مصر واليوسا تعنى الوكالة الأمريكية للإعلام .. يقول مديرها"ليس لدينا الوسائل للتخاطب المباشر مع الجماهير العريضة في الخارج ولكننا نحاول مخاطبتهم من خلال قادتهم أولئك الذين يسيطرون على وسائل الإعلام حتى نتمكن من التأثير على ما تشاهده الجماهير في وسائل الإعلام المحلية".
وفى عام 1951 أنشئت أخطر مؤسسات التجسس العلمي في تاريخ الولايات المتحدة وهى مؤسسة"فورد فوندشن"والتي بدأت ممارسة نشاطها في مصر عام 1902 ويكفى للتدليل على دورها أن نقرأ للأمريكيين"بيتر جونسون وجوديت ناكر"كيف أن هذه المؤسسة قد تفاقم دورها في السبعينات عندما اهتمت بالتغيرات الاجتماعية والدينية والثقافية في مصر والشرق الأوسط بهدف دراسة مقومات هذه التغيرات والتنبؤ بها لمساعدة السياسة الأمريكية على التحكم في مسار التغيير داخل هذه المجتمعات لخدمة مصالح الولايات المتحدة ، والقضاء أولًا بأول على العناصر التي تهدد السيطرة الأمريكية على المنطقة
د.عبد الحكيم الفيتوري 4/7/1424
قال تعالى: ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن )
لا يخفى أن الأمة الإسلامية عبر تاريخها التليد استطاعت أن تترك بصماتها الحضارية بكافة إشكالها وألوانها على مساحة شاسعة من البلاد والعباد شرقًا وغربًا لا ينكرها إلا ظلوم جهول.
والآن وفي ظل غمرة اشتداد الهجمات الضارية الموجهة ضد ثقافة العالم الإسلامي والرامية بشتى السبل إلى طمس الهوية الإسلامية ومحو المعالم الحضارية الّتي تميّزت بها الحضارة الإسلامية عبر تاريخها المجيد؛ لابدّ للعالم الإسلامي بشكل عام وللمفكرين والمهتمين بشؤونه من استشعار خطورة هذه الهجمات العنيفة المركزة المدروسة، والتفكير الجاد الواعي في التصدي لها باستخدام كافة الإمكانات المتاحة الّتي لا نعتقد أنها قليلة أبدًا.
فالغزو الثقافي غزو شرس، والحرب الفكرية حرب لا هوادة فيها، وهما أشد خطرًا من عمليات الغزو المسلّح والحروب العسكرية لأنهما موجهان لتحطيم الهيكلية الثقافية الفكرية الإسلامية، وتقويض صرح الحضارة الإسلامية السامق، وبعبارة أخرى أن الأمن الثقافي الفكري الإسلامي مهدد تهديدًا حقيقيًا، وها هي معاول الثقافة الهدامة تعمل فيه ليلًا و نهارًا دون أن يثير ذلك ـ وللأسف ـ فزع الكثيرين، أو يحرك فيهم ردة فعل ما؛ بل هناك من انحاز إلى الجانب المعادي ورفع عقيرته مناديًا بضرورة الأخذ بالثقافة الغربية والانسجام معها، ناسيًا أنّ ذلك يعني الانسحاق الثقافي والانتحار الحضاري، والنهاية الحقيقية لهذه الأمة الّتي علا نجمها بتوحيد الله وعدم الإشراك به سبحانه، وإقامة نظامه الرباني.
مخاطر الغزو الفكري الثقافي
يعدّ الغزو الفكري الثقافي أضرى وأشد في تأثيراته من أية عملية غزو أخرى. فالغزو العسكري عادة يثير في الأمة حالة من الانتفاض ويلهب فيها الشعور بضرورة الدفاع والتصدي، ويضخ فيها حالة من الحماس والاندفاع والإقدام؛ ولهذا فطالما فشلت الحروب المسلحة في إسكات أصوات الأمم حتّى وإن أخضعتها لفترة من الزمن.
أمّا الغزو الفكري وانطلاقًا من طبيعته التدريجية وأسلوبه الصامت في النفوذ، والطريقة العلمية المدروسة الّتي يوجَّه بها من قبل الجهات الخارجية، فلا يثير في المغزوين تلك الحالة الّتي يثيرها الغزو الحربي، ولا يخلق لديهم ردة فعل معاكسة كتلك الردّة الّتي يخلقها الغزو الأول، وهو بذلك"يقضي على قوة الصمود في الأمة، لأنه يخرجها من دائرة كيانها الخاص، بما يمثله من قيم وعادات وتراث إلى دائرة أخرى تنتمي إلى الدولة الباغية، ومن ثمّ تفقد الأمة المستعمرة أصالتها الذاتية وحريتها الحقيقية، وتصبح تابعة لغيرها، وإن لم يكن في أرضها تسلط عسكري أو وجود أجنبي". (1)
وهذا يعني الانسحاق الحضاري الكامل في نهاية المطاف، وذوبان تلك الأمة في بحر الثقافة الغازية، وإلغاء وجودها الفكري والثقافي المتميز ودورها الحضاري.
فبعد الفشل الذريع الّذي منيت به الحملات الصليبية الثمان منذ عام 1096 وحتّى 1291، وطرد الفرنجة تمامًا من الأراضي الإسلامية في أواخر القرن الثالث عشر، وبعد فشل الاستعمار السياسي في تحقيق مآربه الّتي تجسدت في ابتلاع العالم الإسلامي بأسره أرضًا ووجودًا وحضارة، أدرك الغرب أن الإسلام هو العقبة الوحيدة الّتي تقف في طريقه بما لديه من قيم ومثل وتشريعات ترفض كافة ألوان الظلم والاستغلال والتبعية، وما تضخه هذه المفاهيم في نفوس المسلمين من حالات تصدّ ومقاومة للبغاة والجائرين، وكل من يحاول فرض هيمنته على العالم الإسلامي والبشرية جمعاء.
لقد أدرك العالم الغربي ماذا يعنيه الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية، ومدى تأثيرهما على المسلمين، بعد أن كانا السبب الأول والأخير في كافة حلقات الفشل والهزائم المتلاحقة الّتي مني بها في حروبه الصليبية، وما تلاها من عمليات غزو سياسي تحت شعار الاستعمار.
وبناءً على ذلك فقد توصل الغرب إلى قناعة بضرورة تشويه العقيدة الإسلامية، وتهشيم الفكر وسحق الثقافة الإسلامية، ولكن ليس عن طريق الغزو المسلّح ـ كما فعل خلال حرب الصليب ـ، ولا عن طريق الإخضاع السياسي والاقتصادي المباشر ـ كما كان عليه حال البلدان الإسلامية في العهد الاستعماري ـ؛ بل عبر عملية غزو فكري ثقافي منظمة ومدروسة لا تثير ردود فعل واضحة ومحسوسة وتمتلك رصيدًا عظيمًا من النجاح، لاسيّما إذا رافقتها حالة تأنّ وصبر وعدم استعجال في قطف ثمار النصر المرجو.
وكان البيان الأول في هذا الغزو الجديد التشكيك في الدّين الإسلامي، وتشويه صورته الناصعة، ورسم علامات الاستفهام حول القيم والمفاهيم الإسلامية، والتأكيد من جانب آخر على المثل الغربية والبناء الحضاري الغربي الجديد، وما قطعه الغرب من أشواط علمية بعيدة، وتطور تقني هائل، يعني في جملة ما يعنيه وجوب التجدد والتحديث والانفصام عن الماضي السحيق الّذي لم يعد الالتزام بمفرداته منسجمًا مع الحالة العصرية الراهنة؛ بل إنّ الالتزام بها يعني الرجعية والتخلف عن مواكبة عجلة التطور وحركة العلم!.
وكان تركيز عملية الغزو الجديد على أبناء الإسلام الدارسين في الجامعات والمعاهد الغربية، حيث تمكنت من إجراء عملية غسل أدمغة للكثيرين منهم، فعادوا إلى بلدانهم محملين بالأفكار الغربية ومكتسين بثقافة الغرب المتعارضة مع الثقافة الإسلامية، فكانوا يدًا ولسانًا وقلمًا لعملية الغزو الفكري الحضاري، وحلقة مهمة من حلقاتها؛ لكونهم في تماس مباشر مع المجتمع الإسلامي، ولتعاملهم مع الشرائح المثقفة في غالب الأحيان، لا سيما طلبة الجامعات، ممّا يعني توفر الشروط الموضوعية اللازمة لنجاح عملهم في النيابة عن القائمين على عملية غزو المسلمين فكريًا وثقافيًا.