فهرس الكتاب

الصفحة 2633 من 3028

وتقاليد العلماء في البحث العلمي والتكامل المعرفي، والبعد عن (( الأنانية ) )وحب الشهرة على حساب الآخرين، وقبل ذلك كله استحضار (( النية ) )في الأعمال العلمية كان لها أعظم الأثر في الازدهار الثقافي في تاريخنا

البحث والتأليف والحاجة إلى دراسة نقدية

إن البحث والتأليف في العلوم الإسلامية خلال القرن العشرين يحتاج إلى دراسة تقويمية ونقدية شاملة تجيب عن هذه الأسئلة:

1-ما مدى اهتمام هذه البحوث والدراسات بالمشكلات العملية التي تواجه المجتمعات الإسلامية؟

2-ما هي الجوانب التي ركزت عليها، وما هي الجوانب التي أغفلتها؟

3-ما هي الجوانب التي أشبعتها، وما هي الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى بحث؟

4-ما مكانتها العلمية بين أنماط الدراسات المماثلة أو المقابلة عالميًا؟ هل هي مواكبة في المستوى للحركة الفكرية العالمية؟

5-ما مدى التزامها بالمنهج العلمي، في الأسلوب والتوثيق؟

6-ما نسبة التكرار فيها؟

وبالنسبة لنشر التراث يلزم الإجابة على ما يلي:

1-ما مقدار كمية النشر، وما نسبة المطبوع إلى المخطوط؟

2-هل ما ينشر يخضع لخطة مدروسة، من حيث ترشيح المؤلفات الأكثر أهمية للنشر أولًا، وكذلك من حيث الأهمية الذاتية للمؤلف، ثم من حيث أهميته في تكامل المكتبة الإسلامية؟

3-هل يراعى في النشر منهج التحقيق العلمي، أم يغلب عليه الهدف التجاري؟

4-ما هو أثر نشر كتب التراث الإسلامي في الناس؟ وما هي الآثار الإيجابية؟ وما هي الآثار السلبية؟

5-ما هي الخطوط المرسومة لنقل التراث الفكري والقيمي للأجيال الجديدة؟ هل يستطيع القراء ـ إذا وجدت لديهم الرغبة ـ استيعاب كتب التاريخ والأدب التي أُلِّفت في القرون الأولى من حيث الأسلوب والمناهج واللغة؟

وهل يمكن تيسير التراث وعرضه على مستويات متباينة؛ للمثقفين وللمتعلمين ولعامة الناس؟ وما هي الحدود والشروط والوسائل؟

حافظ المجتمع الإسلامي في القرون الخمسة الأولى للهجرة على أصحاب العقول المبدعة والمهارات المتفوقة في شتى ميادين الحياة، وكان العلماء أحرارًا في التجول في أرجاء الدنيا طلبًا للعلم وزيادة في الاطلاع، ولكن لم يحدث قط أن اختار عالم كبير البقاء الدائم خارج العالم الإسلامي، ولا يمكن القول بأن عناصر الجذب لم تكن موجودة في بلاط البيزنطيين في القسطنطينية، أو في بلاط اللاتين في فرنسا ـ على الأقل في علوم الطبيعة ـ ولكن قوة الشعور بالانتماء للأمة، والتمايز الواضح ثقافيًا وحضاريًا وشعوريًا بين عالم الإسلام وما وراءه، ومكانة العلماء في الإسلام تلك المكانة التي قررها كتابه الأول (( القرآن الكريم ) )وجاءت السنة تؤكدها وترسخها، واستقرار هذه المعاني في نفوس عامة الناس وخاصتهم ـ فجميعهم يحترم العالم ويعترف له بالمكانة، بل وكثير من معارفه يتطوعون في خدمته ودعايته وقضاء مصالحه دون مقابل ـ كانت أسبابًا في لزوم العلماء المسلمين دار الإسلام.

كما أن العالم لم يجد أمامه قيودًا فكرية تمنع البحث العلمي الخالص أو تحد من مجالاته .. سواء اتصل بعلوم الشريعة أو الآداب أو الفنون والصناعات .. فقد حظي أرباب الفنون جميعًا بمكانة اجتماعية طيبة، ولقوا رعاية وتشجيعًا ومكافآت سخية من حكام عصرهم، ونظرًا لاجتماع هذه العقول المفكرة وكثرتها في كل فن فقد ظهرت التيارات الفقهية والنحوية والأدبية والعلمية المتنوعة، وانتشر التعليم وأسست المدارس التي تطورت إلى الجامعات التي تعتبر أقدم الجامعات في العالم .. لقد أدى ذلك الاهتمام بالتعليم والرعاية لأصحاب الكفاءات أدبيًا وماديًا إلى الازدهار الأدبي والاجتماعي والاقتصادي ... فنجد اهتمامًا بالأدب وتذوقًا للّغة وللأساليب، ونتاجًا واسعًا يحظى الكثير منه بعناية النقاد، كما نلحظ حياة اجتماعية مزدهرة رسخت نظام الأسرة كما حدده الإسلام، ووثقت عرى الروابط بين أبناء العشيرة والقبيلة والمحلة والقرية والمدينة والقطر والعالم الإسلامي كله بشكل دوائر متداخلة بؤرتها الأسرة، وفيها تقوى التزامات التكافل وتشتد ثم تخف كلما اتسعت الدائرة ...

ولكن العلاقات تبقى دائمًا منضبطة في دائرة الأخوة وتحريم العصبية والتناصر في الظلم وإقرار العدل والتكافل بين المؤمنين.

وكان العلماء على صلة ببعضهم، يتوارثون تقاليد التربية والتعليم خلفًا عن سلف، فكانوا يعيشون في أجواء علمية كَوَّنوها لأنفسهم في مراكز الحركة الفكرية المهمة في العالم الإسلامي، وقد ساعدت الحكومات القائمة في كثير من الأحيان على استقطاب العلماء في مراكز الحكم، وكان اجتماع أصحاب العقول يولد فيضًا من الأفكار الجديدة في الفنون المتنوعة.

وكان من ثمار ذلك في الحياة الاقتصادية أن تحولت منطقة السواد إلى بقعة خضراء مرتبطة بشبكة ري معقدة ... كما نلاحظ التعقيد في هندسة الري في حدائق قصر الحمراء بغرناطة التي تعرف اليوم بـ (( جنراليف ) )..

ومن الواضح أن السياسة الاقتصادية التي ترتكز على مبادئ العدالة أدت دورًا في التقدم الزراعي والصناعي كما أن فكرة الاهتمام بعنصر الوقت أساسية في تكوين الحضارة الإسلامية حيث اهتم الدين بغرس فكرة أن الإنسان يحاسب عن وقته فيما قضاه (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه ) ) [أخرجه الترمذي في جامعه 4/ 612، وقال: حديث حسن صحيح ] .

إن الاهتمام بعنصر الزمن، إضافة إلى استثارة الإنسان لإعمار الأرض والإفادة من تسخيرها له، وتهيئة الظروف النفسية والاجتماعية والمادية للعلماء يشكل بعدًا إيجابيًا عظيم الجدوى في تراثنا، وهو جانب لم يتم استقراؤه بدقة وعمق حتى الآن .. رغم أن الأمة تواجه نزفًا خطيرًا في العقول الذكية والكفاءات العالية التي استمرت في الهجرة إلى الغرب (أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ) منذ عدة عقود .. ولا تزال تتصاعد بقوة بسبب ظروف العالم الإسلامي الدافعة للهجرة من ناحية، وظروف عالم الحضارة الغربية الجاذبة لأصحاب الكفاءات العالية ممن تعبت بلدانهم في تعليمهم في المراحل الأولى، ثم الإنفاق عليهم في المراحل العليا، وهم يُبتعثون للحصول على الماجستير أو الدكتوراه أو التخصصات الدقيقة ..

وعند ملاحظة الأرقام التي تذكرها الدراسات والتقارير المتخصصة يُصاب الإنسان بالذهول، ويدرك سببًا مهمًا من أسباب تخلف العالم الإسلامي، ولنقتطف من تلك الدراسات هذه المعلومات الإحصائية للدلالة على خطورة الأمر:

1-إن عدد الأطباء العرب في بريطانيا فقط بلغ (4600 ) طبيب، وإن (35% ) من أطباء لندن وحدها من العرب!

وإن عدد الأطباء الإيرانيين العاملين في نيويورك وحدها يفوق عدد زملائهم العاملين فوق أرض إيران جميعا!! (9 ) .

2-لقد امتنع ألف عالم ومهندس وطبيب من حملة الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية عن العودة إلى وطنهم مصر ما بين عامي 1970م ـ 1980م (10 ) .

3-إن عدد المهندسين المهاجرين من مصر إلى الولايات المتحدة بلغ (339 ) مهندسًا عام 1968م، ولو استمرت الزيادة بمعدلاتها الحالية فسوف يصل عدد المهاجرين من المهندسين المصريين ضعف عدد المتخرجين من كليات الهندسة بسائر الجامعات المصرية (11 ) .

4-هناك مستويات عالية من أساتذة الجامعات المسلمين يعملون في أوروبا والولايات المتحدة، في جامعاتها أو مراكز البحث في شتى العلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت