أقول: وهذا حال الناس مع رفض أمر الله عز وجل في كل زمان ومكان فليس كل من يرفض أحكام الشريعة الإسلامية يرفضها مستحلا لها ، أو تكذيبا لما فيها ، بل كثيرون هم من يَرُدُّون أمر الله ونهيه سخرية واستهزاء أو عنادا واستكبارا ، مع قناعتهم الداخلية بما تقول الدعوة ، وإن نطق لسانهم بغير ذلك ، وإن أتى بتأويلات وتبريرات تبرر ما هو عليه ويدعي بأن ما هو عليه هو الحق الذي لم يهتدِ لغيره كما يفعل كثيرون ممن نحوا شريعة الرحمن اليوم .
ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقبل من الناس مجرد التصديق والمحبة القائمة على غير أواصر الدين ، فهؤلاء الذين أسلموا وقعدوا عن الهجرة إيثارا للأهل والدار ، ثم خرجوا مع المشركين فقط يكثرون سوادهم لم تَقْبَلْ الدعوة منهم هذا الموقف أيضا . بل أصرت الدعوة على أن ينضموا لصفها ويمتثلوا بفعالهم .
-والمكره الذي لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا لا يُحْتَجُ به ، وقد استثنته الآية (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) (النساء: 98 ) .
والمكرهُ ما قعد حبا للدار والأهل وإنما حفاظا على نفسه أو عرضه ، ولذا خرجوا حين راسلوهم وقاتلوا وقتلوا كما مر في الرواية .
ولتستبينَ قولي دعني أتساءل: ماذا كانت تطلب الدعوة ؟؟
أمران:
طاعة في الاعتقاد وطاعة في التشريع .
أو قل: تصحيح مفاهيم وتصورات تنضبط بموجبها الجوارح على شرع الله بالجملة ، حتى يكون ظاهر الفرد إتباع شرع الله والمخالفة ـ بالكبائر أو الصغائر ـ تكون استثناء .
لذا ـ مثلا ـ كلام العلماء فيمن لم يحكم شرع الله قالوا بقولين:
-كفر أصغر ، وهو حال من لم يحكم في مسألة واحدة أو خالف في قضية معينة لهوى في نفسه ، أو بتأويل مقبول ونحو ذلك . مع اعتقاده بوجوب تحكيم شرع الله ، وأنه مذنب مستحق للعقوبة .
-وكفر أكبر ، وهو حال من لم يلتزم شرع الله ـ عز وجل ـ فقد أقسم الله أنه لا يؤمن ، وهو حال من نحى شريعة الرحمن واستحسن أهواء البشر وحمل الناس عليها . وكلام شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه بن القيم في هذا مشهور (12) .
أما من لم يحكم بالكلية بل ذهب يعذب من يطالب بتحكيم شرع الله فهذا معاند . أو جاحد وإن نطق بلسانه كحال أبي جهل وعتبة والوليد، ولا شك في هذا .
يبقى أن أقول: أن ( طاعة في الاعتقاد وطاعة في التشريع ) هذا العنوان الذي جعلته على رأس مقالي ، فيه نظر ، ذلك أن الطاعة في الاعتقاد تثمر ولا بد طاعة في التشريع ، إذ أن الظاهر ما هو إلا أمارة على الباطن ، وإنما أردت المشاكلة لمن أقر بالطاعة في الاعتقاد مع عصيان الأمر والنهي (التشريع ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-في إيمان من كانوا في بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمارة قوية على صدق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ أن أهل بيت الرجل أعرف الناس به ، فلو أنه لم يكن صادقا فيما يقول للناس ، ولو أنه كان سيء العشرة مع أهله وأبناءه وغلمانه لما صدقوه ولفضحوا أمره ، وتدبر التعبير بلفظ صاحبكم حين مخاطبة المشركين في مكة في مثل قول الله تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ) (التكوير: 22 ) وقول الله تعالى (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) (النجم: 2 ) وقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (سبأ: 46 ) فيه استدلال بحال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل البعثة من حسن خلقه وصدق حديثة ورجاحة عقله . أي أن هذا صاحبكم الذي تعرفونه معرفة الصاحب بصاحبة كيف تصفونه بهذه الأوصاف . وهو معنى قول الله تعالى: (قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (يونس: 16 ) .
2-قلتُ: وكان هناك كثيرون في مكة حالهم قريب من حال أبي طالب ، مثل من سعوا في نقض الصحيفة ، أبو البختري العاص بن هشام ، وزمعة بن الأسود بن المطلب وزهير بن أبي أميه ، والمطعم بن عدي ، وكان هذا الفريق من الناس لا يعادي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يفارق دين قومه بل كانت روابط الرحم والجوار ـ وهي عندنا المواطنة الآن ـ عند هؤلاء أكبر من المخالفة في الدين والمذهب . لذا كانت لهم مواقف حسنة مع الدعوة الإسلامية وأفرادها .
3-الروض الأنف 2/ 174 .
4 راجع ـ إن شئت ـ تفسير الآيات [ 10 إلى 29 ] من سورة المدثر عند بن كثير وغيره .
5-راجع ـ إن شئت ـ سبب نزول الآيات من أول سورة فصلت عند بن كثير والطبري.
6-هو الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ، كان حليفا لبني زهرة ، واسمه الهمداني ، وسمي الأخنس لأنه عاد ببني زهرة يوم بدر ولم يحضروا القتال ، والحوار المذكور في النص كان يوم بدر قبل القتال حين هم الأخنس بالرجوع ببني زهرة وعدم المشاركة في قتال المسلمين . ، وعقد بن كثير في البداية والنهاية الجزء الثالث بابا أسماه: باب مجادلة المشركين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإقامته الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عنادا وحسدا وبغيا وجحودا . وأورد في هذا الباب كثير من اعتراف من اشتدوا في عداوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم له بالصدق في دعوته فليرجع إليه من أراد أن يستزيد.
7-راجع تفسير القرطبي للآية 33 من سورة الآنعام.
8-وقد راعيت الاختصار والاكتفاء بالإشارة ، ومن أراد المزيد ففي السيرة النبوية ، وأبواب الحديث كثير من الأمثلة على ذلك ، ومن أشهر الكتب التي تكلمت في هذا الأمر فقه السيرة النبوية / محمد منير الغضبان ، والمنهج الحركي للسيرة النبوية / محمد منير الغضبان . وهما بحثان معتمدان من جامعة أم القرى بمكة المكرمة
9-راجع تفسير الطبري للآية 97 من سورة النساء ، وورد في تفسير بن كثير والقرطبي ذات الكلام تقريبا .
10-لاحظ من هذا النقاش الذي دار بين الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يعلم حال هذا الفريق من الناس الذين تتكلم عنهم الآية ، وهو أنهم كانوا مسلمين يظهر منهم الإسلام كاملا فقط لم يهاجروا .
11-وكذا خطاب الدعوة يتوافق مع داعي الفطرة بداخل الإنسان ، فما أن يسمع المرء بخطاب الشرع إلا وكأنه قد سمع به من قبل ، وكأن الداعي يذكره بشيء مركوز في قلبه . وقد فصلت هذا في دراسة أخرى بعنوان ( إن يتبعون إلى الظن وما تهوى الأنفس ـ رؤية في احترام رأي الآخر ) .
12-راجع منهاج السنة 5 / 130 ـ 132 ، مدارج السالكين 1/336 ـ 337 . وقد نقل كلامهما وعلق عليه الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود في رسالته الحكم بغير ما أنزل الله . أحكامه وأحواله صـ 155 وما بعدها . وفيها عدَّ ـ حفظه الله ثمان حالات يكون فيها من لم يحكم شرع الله في محل كفر أكبر مخرج من الملة . وفي صفحة 168 نقل كلاما عجيبا للشيخ بن باز ـ رحمه الله ـ يبين فيه أن عدم تحكيم شرع الله حتى مع الإقرار بأفضلية شرع الله هو بأم عينه الاستحلال .
17 / 06 / 2007 ... الشيخ/عبد المجيد الشاذلي