إن السياسة الشيوعية والسياسة الصهيونية في الساحة العربية، وما يحدث من تنسيق بينهما: تعتبران من أشد أنواع السياسات مكرًا وتآمرًا، وإن الاتحاد السوفييتي بمنظومته الحزبية العربية كان طرفًا في تلك المؤامرة الدنيئة التي أتاحت للمتاجرين بالقضية الفلسطينية أن يتقدموا للزعامة والقيادة، وفي الثورة الفلسطينية أوضح مثال على هذا؛ فعندما تراجع المسلمون وتخاذلوا دُفعت بعض القيادات العلمانية إلى السطح، وانضوى تحت ألويتهم أبناء المسلمين المخدوعين، وتاجر عرفات و جورج حبش و نايف حواتمه... وغيرهم بدمائهم وبنوا على جماجمهم مجدًا أثيلًا.
إن اليهود بدؤوا منذ القرن التاسع عشر ـ على الخصوص ـ في التطلع والتخطيط لإقامة كيان صهيوني في فلسطين، وقد كانوا يعلمون جيدًا أن ليس بإمكانهم أن يطؤوا أرض فلسطين بأقدامهم وأن يقر لهم قرار فيها إلا في حالة ضعف المسلمين وتخلفهم، كما كانوا يدركون أن الإسلام هو السر الحقيقي لقوة المسلمين ونهوضهم؛ ولذلك أقدموا بما لديهم من مكر وخداع وهيمنة على وسائل الإعلام المختلفة على نشر الفكر الشيوعي، وتمويل الأحزاب الشيوعية وتأسيسها في البلاد العربية، ونشر الإلحاد.. وغير ذلك من المفاهيم العلمانية المادية التي تدعو المسلمين إلى فصل الدين عن الدولة وعن الحياة، والتحلل من الأخلاق والقيم الإنسانية.
وقد كان ذلك تحت ستار الشعارات الخادعة المضللة؛ فتغلغلت تلك الأفكار في عقول كثير من الشباب المضللين الذين فقدوا التوجيه الصحيح والفهم العميق للإسلام لأسباب داخلية أهمها: غياب الإسلام عن الساحة كنظام حضاري ومنهج حياة شامل، ولأسباب خارجية أهمها: الغزو الشيوعي الصهيوني والصليبي للعالم الإسلامي، واستيراد أساليب وأنظمة ظاهرها التقدم والتحرر، وباطنها الاستلاب والاحتواء والجمود، فقد جرب المنتسبون إلى الإسلام مختلف الأنظمة الوضعية ـ من ليبرالية واشتراكية ـ فلم تزدهم إلا ذلة وجمودًا وتأخرًا وتبعية للغير، علمًا بأن الظروف التي مرّت بها أوروبا وجعلتها تكره الدين ـ بمفهومه الكنسي المحرف الضيق ـ هي ظروف ليست موجودة في الإسلام (ولله الحمد) .
وقد استغل الشيوعيون اليهودُ ـ وعلى رأسهم ماركس ـ معركةَ الدين والعلم، والدين والدولة في أوروبا للتمويه والمغالطة وتعميم الأحكام بالقول: إن الدين أفيون الشعوب ـ أي: الدين عامةّ ـ وأنه يتعارض مع النظر العقلي، وهي شبهة لها مجالها الحقيقي في واقع الكنيسة والفكر الغربي، بينما لا نجد لها أي أثر في الإسلام والفكر الإسلامي، ومن الملاحظ إذن: أن الحملات التي توجه ضد الدين الحق ـ وهو الإسلام ـ إنما توجه من قِبَل دعاة المذاهب المادية ـ وعلى رأسهم اليهود ـ ضمن مخطط رهيب يتبلور من خلال الغزو الفكري الذي حاول بمختلف الأساليب تهميش أثر الإسلام في عقر داره، وإيهام المخدوعين من أبناء هذه الأمة أن لا سبيل للتقدم إلا بإبعاد الإسلام عن مجالات الحياة المختلفة، هذا كسلاح لتركيز السيطرة اليهودية والتمكين لها في البلاد العربية الإسلامية، إذ يدرك اليهود جيدًا أن الإسلام يقف سدًّا منيعًا في وجه أي احتواء أو تبعية أو تنازلات، لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بأرض إسلامية كفلسطين، وتهجير شعب مسلم بأكمله وتشريده.
الهوامش:
1-قدري قلعجي: تجربة عربي في الحزب الشيوعي، ص49.
2-الغادري: التاريخ السري للعلاقات الشيوعية - الصهيونية، ص159.
3-قدري قلعجي: تجربة عربي في الحزب الشيوعي، ص58.
4-صحيفة الجماهير السورية، 13 تموز (يوليو) 1959.
5-الغادري: التاريخ السري للعلاقات الشيوعية - الصهيونية، ص162.
6-المرجع نفسه، ص162.
7-المرجع نفسه، ص171.
8-المرجع نفسه، ص172.
10-العربي الناصري: الاندحار الماركسي في العالم الإسلامي، ص6.
12-المشهد المذكور موثق بصورتين لعلي يعتة، وهو داخل المعبد اليهودي، التقطهما مصور الأسبوع السياسي.
انظر: الأسبوع الصحافي السياسي، 7 يناير 1994، ص1، 7.
13-مجموعة من المؤلفين: التاريخ الحديث والمعاصر ليهود المغرب، ص54.
14-صحيفة العلم المغربية، 28 كانون الأول (ديسمبر) 1955م.
15-قدري قلعجي: تجربة عربي في الحزب الشيوعي، ص144.
16-المرجع السابق، ص156.
17-أضواء على القضية الفلسطينية، من منشورات الحزب الشيوعي العراقي، أب 1948.
18-صحيفة القاعدة عدد رقم 11، عام 1963م.
19-قدري قلعجي: المرجع السابق، ص156.
20-صحيفة صوت البروليتاريا 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1948م.
21-المرجع نفسه، 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1948.
22-صحيفة صوت البروليتاريا، 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1948.
* أنظر: نهاد الغادري: التاريخ السري للعلاقات الشيوعية ـ الصهيونية، قدري قلعجي: تجربة عربي في الحزب الشيوعي، أنور الجندي: هزيمة الشيوعية في عالم الإسلام.
التاريخ: 25-2-1427 هـ
الموضوع: خطب: قضايا معاصرة