إن التعليم الإسلامي يولد روح الانتماء للأمة، ويمنع التغريب الفكري والسلوكي، ويقف حائلًا دون هجرة أبناء المجتمع الإسلامي ـ وهم عادة من المثقفين ـ إلى مواطن الحضارة الغربية، وذلك لقوة إحساسهم بالانتماء إلى عالم الإسلام، روحًا وفكرًا وسلوكًا، فلا تتبدد الطاقات، ولا تهاجر العقول مما يحافظ على مستقبل البلاد، ويمكنها من تنفيذ خططها التنموية.
إن أية زيارة للبلدان الأوروبية والأمريكية تطلعنا على مدى الاستنزاف الذي تعرضت له بلادنا عندما استقرت أعداد كبيرة من الخبراء والعلماء في مختلف المجالات في تلك البلدان الأجنبية رغم حاجة بلادهم الملحة إليهم، وليس معنى ذلك أنني أتهم هؤلاء المثقفين والخبراء بضعف الولاء وعدم الانتماء، إذ لا شك أن بعضهم اضطرته الظروف المتنوعة إلى ذلك، ولكن الكثير أيضًا فضَّلوا الحياة الميسرة في الغرب على المعاناة في معركة بناء بلادهم: ولا بد من دراسة السبيل لإعادة هذه الطاقات الضخمة إلى أهلها بتوفير أجواء الرعاية والاحترام والتكريم للعلماء أدبيًا وماديًا.
وكذلك فإن أهم ما يساعد على تحقيق خطط التنمية الشعور بالمسؤولية، وحماس الناس لتنفيذها، واستعدادهم للتضحية من أجلها ببعض الكماليات، وربما الحاجيات والضروريات أحيانًا، وليس أقوى من التعليم الإسلامي في غرس الشعور بالمسؤولية والاستعداد للتضحية مع الاعتقاد بأن ما يقدمه الإنسان في الدنيا هو ادخار لآخرته.
والتاريخ الإسلامي مليء بالصور المعبرة عن ذلك، فما هو الأجر الذي أخذه أُولئك المقاتلون الشجعان عندما حفروا الخندق شمالي المدنية المنورة؟ ولماذا تنافسوا في العمل؟
وختامًا فإن الجامعات الإسلامية يمكن أن تؤدي دورًا كبيرًا في تحديد ملامح المجتمعات الإسلامية المعاصرة، والحفاظ على تميزها ووحدتها عن طريق التعليم، وتجانسها الروحي والفكري والعملي، وتكاملها الجغرافي والاقتصادي، وإنما يمكن أن تبرز على الصعيد العالمي كتله قوية متضامنة لتؤثر في واقع العالم المعاصر، ولكن قوة تأثير هذه الجامعات سوف تتوقف على مدى قدرتها على النهوض بالتعليم الإسلامي ليصبح مؤثرًا فعالًا في بناء الفرد، وصياغة الجماعات، وتقديم القيادات ذات الكفاءة المؤمنة للعالم الإسلامي.
والله يقول الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل.
الجزء الأول
محمد عبد الله الغبشاوي*
ثمت سؤال مصيري مغيب، يتعمد المنادون بعلمنة العاصمة تجاهله وضرب ستور وحواجز تحول بين جمهور الناس وبين التفكير فيه أو الحديث عنه، كما يتكفل أولئك بحشد ملهيات عديدة تصرف الأمة عن طرحه والتطرق إليه، ولا ينسون تجنيد العلمانية الوظيفية المصنوعة في افتعال معارك وإثارة خصومات تشل تفكير النخبة الحارسة لأمة الإسلام، وصرفها جزئيًا أو كليًا عن الهموم الأم والمعارك الخليقة بالانتباه وعلى رأسها في هذه اللحظة مناداتهم بعلمنة العاصمة.
وذلك السؤال من الأهمية بمكان ويتركز مداره حول: ما البديل أو البدائل التي يراد إحلالها محل الشريعة الإسلامية والقوانين والنظم المنبثقة عنها حال تغييبها ؟ وما المرجعية الجديدة التي تقوم مقامها وتسد مسدها ؟
ويقينًا أن هذا السؤال لا يثار لإسكات الخصوم ولا للسياحة الفكرية ولا الجدل التنظيري المجرد وإنما هو الواقع الماثل والمتربص بنا. والدواعي لإثارته عديدة إن أردنا الحق: فباديء ذي بدء هو سؤال يتصل بالوجهة التشريعية لبلادنا وأمتنا بمعنى: من أي الينابيع التشريعية ننهل؟ وإلى أي المرجعيات نثوب؟ وما العقائد والأفكار والفلسفات الكامنة من وراء ذلك؟ وما هو أثر ذلك على عقيدة المسلم؟ وما مدى توافقه أو إخلاله بمنظومة إسلامه وإيمانه؟ ثم ما الأثر السلبي أو الإيجابي الناتج من ذلك على مكونات منظومته الإسلامية الأخرى؟
وسؤال مصاحب لتلك الأسئلة هو: لصالح من يكون تغيير الوجهة التشريعية الأم: الإسلام؟ ومن المستفيد من ذلك حقيقة؟ هل هي الفئات السودانية بمختلف مللها وأعراقها وألوان ثقافتها؟ أم جهات أخرى نتغافلها عمدًا ونتجاهل تسميتها والحديث عنها ؟
داعٍ ثانيٍ لهذا السؤال:
لا ريب أننا نعيش العصر الغربي الإمبريالي الصهيوصليبي ـ لا أصفه إلا كما أعرفه ـ ومن أهم معالمه قطبيته الأحادية المتمثلة في أمريكا أو الإمبراطورية الأمريكية بالأحرى. وبكل الحيثيات الإمبراطورية: غرورًا واستكبارًا وازدراء وصلفًا واستغلالًا وأنانية وإلغاءً لإنسان الإسلام وسعيًا لاستئصاله. وحشدًا لكل إمكاناتها وبراعتها في صناعة جديدة هي: الكراهية الثقافية للإسلام بكل مكونات منظومته عقيدة وتشريعًا وأخلاقًا وحضارة وتاريخًا وثقافة، بل تتمدد تلك الكراهية لتعم وجود الإسلام ووجود إنسان الإسلام ! وأزعم زعمًا عريضًا مؤسسًا أن هناك [ هولوكوست] قائمًا وأيضًا قادمًا على عالم الإسلام ! هولوكوستًا استئصاليًا شاملًا ـ ما استطاعوا ـ ليس كسابقه فيما تم على"يهود"،وعلى قبائل الغجر في عهد النازية، وإنما استئصال يستهدف حتى أرحام العذارى من ناشئات أمة الإسلام! ولا جامع بينه وبين ذلك الهولوكوست إلا في المقدمات فقط، أعني إشاعة الكراهية المطلقة للإسلام وكل ما يمثله ويستظل به.
داعٍ أكثر إلحاحًا:
هو الثالث في دواعي إثارة السؤال عن البدائل التي ستحل محل الشريعة الإسلامية، فقد أعلنت الإمبراطورية الأمريكية في لحظة التبني للأحلام التوراتية الأسطورية عن براءة اختراع لا يشاركها أحد في أسرارها أسمتها [ الإرهاب ] ولا يستوقفني ذلك الاختراع وإنما يستوقفني أن كل ما يقال عن ذلك [ الإرهاب ] تجده بادئًا بالإسلام أو منتهيًا به!! حتى لقد خلد في روع الكثيرين من بني الإنسان في شتى أنحاء المعمورة بأن [ الإرهاب ] قرين للإسلام وتوأم ولد معه هذا إن لم يكن هو الإسلام نفسه!
وتبع ذلك الاختراع ابتداعُ الإستراتيجيين الأمريكيين لنظرية جديدة أسموها: الحرب الموازية. وملخص تلك النظرية يقول إن ذلك [ الإرهاب ] ـ الذي هو الإسلام ـ سيلجأ إلى أساليب وصور مغايرة للأساليب التقليدية في الحروب والمعارك تعتمد على المفاجأة واستغلال وسائل وحيل لا تخطر على البال وربما اللجوء إلى صناعة قنابل صغيرة بالغة التدمير أو غزوٍ جرثومي مبير ... الخ .
وقد وجدوا مثالًا وشاهدًا على نبوءاتهم في أحداث سبتمبر المشهورة ـ والمشكوك في حقيقة صانعيها ومنفذيها حتى الآن !! ـ وبقيام ذلك الشاهد العملي قالوا: يجب أن تشن الحرب على [ الإرهاب ] في معاقله وقبل أن يشن حربه على أمريكا إذ يجب اختطاف المبادأة من أيدي أهل ذلك [ الإرهاب ] . وتولدت تلقائيًا نظرية جديدة هي نظرية الحرب الاستباقية، بمعنى أن تبادر بشن الحروب على من"يفترض"أنهم ينوون شن حرب عليك مستبقًا لهم وقاطعًا الطريق على أي مبادرة لهم في الهجوم !
ودون أن ندري أو نفهم وجدنا أنفسنا ـ ومن حيث لا نريد ـ عدوًا أوحدًا للحضارة الغربية وقيمها التقدمية!"وحاسدًا"مشتطًا في حسده للغرب وإنسانه في إنجازاته الكبرى! ومتربصًا بالبشرية وبنى الإنسان بالحرص على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء! وسعاةً إلى ألزام أمريكا والغرب أجمع بأن يتخلفوا كما تخلفنا وينحطوا كما انحططنا !؟ ويالها من تهم مشينة يشيب لهولها الولدان!