فهرس الكتاب

الصفحة 845 من 3028

مضيفًا أن ظهور هذه الجريمة يعود إلى ضعف الوازع الديني وضعف التربية، وهي دليل على التفكك الأسري الذي بدأ يصيب مجتمعاتنا؛ إذ يُلاحظ انشغال الأم والأب عن الأبناء وإيكال تربيتهم إلى الخادمات والمربيات.

إن ما يقوم به هؤلاء ضعاف النفوس من سلوك غير آدمي سواء في حفلات الزواج حيث يتم تصوير الفاضلات و إرسال صورهن إلى ذويهن أو العامة بقصد التشهير.

واختلاق المشاكل لهن أو في الأماكن العامة التي تتوافد إليها النساء و تصويرهن سرًا لاستغلال هذه الصور بضغوطات أو مساومات دنيئة، لا يدل إلا على نوعية من قام بالتصوير ومن روّج الصور الفاضحة لأبرياء لا يعلمون ماذا كان يخفي لهم نفر من المنحرفين نفسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا.

إحباط وانبهار

يعتبر د. محمود إمام أستاذ التربية انتشار هذه الظاهرة بين أوساط الشباب شكلًا من أشكال الغزو الثقافي الغرض منه التغلغل في داخل الفكر العربي والإسلامي والعمل على تحقيق التبعية بحيث يرى الشباب المسلم أن النهج الغربي هو النهج الصحيح ونسير في تيارهم الذي يريدونه؛ فهم يسعون لأن نظل أتباعًا لهم في كل شيء.. ونحن مجتمع لنا خصوصيتنا وعاداتنا وتقاليدنا وكل مجتمع على الأرض له خصوصيته وعاداته ومبادئه وأخلاقياته وأعرافه، والغرب يسعى لخلخلة هذه القيم وزحزحة الاعتقادات من خلال هذه الوسائل وغيرها في تحقيقها.

ويعتبر د. محمود إمام المسألة تربوية في المقام الأول، ويجب أن يكون شغلنا الشاغل: كيف ننشئ أجيالًا صالحة؟ والإجابة في غاية البساطة، فكل مجتمع يملك تربية وتعليمًا وإعلامًا.. وهذه الوسائل يجب أن تُسخر لإيجاد أجيال صالحة، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر.. تحل الحلال وتحرم الخبائث، والأمر - في رأيه-يتطلب وضع خطة عاجلة لعلاج هذه المساوئ، فنحن في حاجة إلى ثورة شاملة في حياتنا تقوم على كيفية إعادة تخطيط حياتنا في ظل هذه المعطيات المتلاحقة.

الإسلام صان حرمة الحياة الخاصة

يقول الداعية الإسلامي المعروف الشيخ جمال قطب الرئيس السابق للجنة الفتوى بالأزهر إن الشريعة الإسلامية حرصت على حرمات الأشخاص وخصوصياتهم من أن تُنتهك بأي صورة، وتصدّت لهذا الانتهاك الخطير لحرمات الأفراد وخصوصياتهم، كما جاء النهي صريحًا من الله سبحانه وتعالى عن التجسس والذي من شأنه تتبع العورات وانتهاك حرمات الأفراد والتعدي على أسرارهم وكرامتهم فيقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا..) .

وجاءت السنة النبوية المطهرة، وأكدت الحرص على صيانة حرمة الحياة الخاصة للفرد فقال صلى الله عليه وسلم:"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا".

ويتوعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أولئك الذين يتتبعون عورات الناس ويبحثون عن معايبهم فيقول صلى الله عليه وسلم:"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته".

كما قال صلى الله عليه وسلم:"لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح".

ويتوعد - صلى الله عليه وسلم - من يتجسس عن طريق استراق السمع فحسب بالوعيد الشديد فيقول صلى الله عليه وسلم:"من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة".

إن المرأة وبالرغم من أن لها أن تتخفف في الحفلات النسائية لكن إذا وجد احتمال لنشر صورها بأي وسيلة خاصة في ظل وجود هذه الأجهزة الخفية التي تكشف كل الأسرار، ففي هذه الحالة يصبح التخفف من الملابس حرامًا.

وإذا كنا نحارب المتلصصين فإننا نطالب المرأة ألاّ تمنح الفرصة لأحد؛ فليس معنى تواجد المرأة في مجتمع نسائي أن تظهر بملابس تحطّم كل ساتر، فالله لن يفضح إلا من فضح نفسه لكي يتحقق قول القائل: لا حياة لمن لا حياء له

التصادم بين الثقافتين: الغربيّة والإسلاميّة

د. غازي التوبة 19/6/1427

إنّ نسبية الحقيقة إحدى الركائز التي تقوم عليها الثقافة الغربية منذ نهضة أوروبا الحديثة، ويربط المفكرون الغربيون بين تلك الركيزة وتغيّر الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة بالمجتمع، ويعتقدون أنّ تغير الحقائق الحياتية يقتضي نسبية الحقيقة، ولكنّ تكوّن تلك الركيزة في الثقافة الغربية يعود إلى فترة أبعد من العصور الحديثة ويرتبط بالعصور الوسطى، فمن المعروف أنّ الكنيسة كانت تنطلق آنذاك في حكمها لأوروبا من نص"الإنجيل المقدس"، والذي كانت تحتكر تفسيره، وعندما قامت حقائق علمية وكونية متعدّدة تناقض النص"المقدس"الثابت، وتناقض تفسير رجال الكنيسة له وقع التصادم المريع بين الدين والعلم، وكانت النتيجة اضطهاد رجال العلم بحجة مخالفة النص المقدس الثابت، ولكنّ الكنيسة انهزمت أمام الثورة عليها وأمام حقائق العلم، واعتبرت الثورة رجال الدين عقبة في طريق العلم والتقدم، وصار الربط حينئذ بين النص المقدس وثبات الحقيقة، والعلم ونسبية الحقيقة.

ومنذ أن بدأ التفاعل بين الثقافتين: الغربية والإسلامية خلال الفترة الماضية، فإنّ أبرز صور التصادم كانت بين نسبية الحقيقة في الثقافة الغربية وبين النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في الثقافة الإسلامية، وسأعرض لبعض صور التصادم في السطور التالية.

من أول صور التصادم ما أثاره طه حسين في كتاب"في الشعر الجاهلي"عام 1926م، فقد تعرض لنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة تحدثت عن بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للكعبة، وتشكك في تلك الحقيقة، وحتى في وجودهما التاريخي، وفي هجرتهما، ورأى أنّ قريشًا اختلقت تلك القصة لأسباب سياسية واقتصادية، ورأى فيها نوعًا من الحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة من جهة أخرى.

ومن صور التصادم أيضًا حديث الدكتور حسين أحمد أمين في كتابه"حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية"عن حد السرقة الذي ورد في نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة في قوله - سبحانه وتعالى: (والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيدِيَهما جزاءً بما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللهِ) . [المائدة،38] ، فقد ربط الدكتور بين ذلك الحدّ وبين الوضع الاقتصادي في الجزيرة العربية آنذاك، وبيّن أنّ العربي كان ينقل كل متاعه على راحلته، وإنّ سرقته تعني سلبه كل ما يملك من جهة، وتعني هلاكه من جهة ثانية، لذلك جاء الحكم بتلك الصورة لأنه مرتبط بالأموال المنقولة، والآن أصبحت الأموال غير المنقولة أثمن وأغلى من الأموال المنقولة لذلك فهو يقترح تغيّر الحكم انطلاقًا من تغيّر الوضع الاقتصادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت