واقعة شهيرة في هذا الإطار نشرتها الصحف المصرية منذ أسابيع: عندما اكتشفت بعض السيدات نشر صورهن على موقع إباحي في مناظر مخلة، قمن بإبلاغ الشرطة، وبعد رحلة بحث وتقص واسعة تم التوصل إلى عدد من المحلات يقوم أصحابها بهذا العمل الخسيس، وكل يستخدمه حسب هواه؛ فمنهم من يستخدمه استخدامًا شخصيًا، ومنهم من يلهو بعرض النساء في جلسات السمر مع الأصدقاء، ومنهم من يستغله في التجارة الخسيسة عبر الإنترنت ونوادي الفيديو المشبوهة.
وواقعة أخرى نشرتها الصحف المصرية حول أحد الشباب، كان في جلسة سمر ولهو يعرض فيها أحد أصدقائه صورًا لنساء عاريات في أثناء قياس بعض الملابس، وصدم هذا الشاب بأن شقيقته واحدة من اللاتي يعرضن أمامه للهو والتسلية، فأصيب بهستيريا وقام بتكسير الجهاز واعتدى على أصدقائه.
والجدير بالذكر أن كاميرات المراقبة مصرح بها من قبل الأجهزة الأمنية في بعض الدول العربية وهي منتشرة في داخل المنشآت والمؤسسات الحكومية، والمتاحف والمعارض، وفي المحال التجارية والأماكن شديدة الخصوصية مثل صالات (الجمانيزيوم) و (الساونا) التى يتعرض بعض روادها لانتهاك حرمتهم.. وهناك كاميرات تنقل الصورة فقط، وأخرى بالصوت والصورة، فقد ساهمت التكنولوجيا المتقدمة في تطوير أنواعها على أحدث مستوى، ولكن للأسف يلجأ بعضهم إلى الاستخدام السيئ لهذه التكنولوجيا المتطورة بمراقبة النساء في غرف خلع الملابس في المحال التجارية، وفي دورات المياه بالمطاعم وصالات الرياضة والتجميل وغيرها من الأماكن التي لا يتصور روادها أنهم يتعرضون فيها للتصوير سرًا في أوضاع عارية، والدليل على ذلك أن بعض المواقع على شبكة الإنترنت تعرض صور النساء في غرف خلع الملابس ودورات المياه، بالإضافة إلى شرائط مخلة يتضح أن أصحابها من النساء لا يعرفن أنهن وقعن في هذا الفخ القذر.
جريمة يعاقب عليها القانون
يؤكد الأستاذ نبيل عبد العظيم المحامي المصري المعروف أن التقاط صور الفتيات والنساء ونشرها وهن بزي غير كامل وبغير رضاهن ونتيجة للتلصص والتجسس عليهن، يُعدّ جريمة يعاقب عليها القانون، ويرجع للقاضي إصدار الحكم الذي يتناسب مع ظروف كل قضية، وإذا لم يكن ذلك موجودًا في قوانين العقوبات فيجب استدراكه؛ إذ إن الأمر يتعلق بأمر مستحدث ليس له سابقة.
ويؤكد نبيل عبد العظيم المحامي أن هناك قضايا عديدة وصلت إلى مكاتب المحامين، وحتى إلى قاعات المحاكم نتيجة هذه التجاوزات، وهناك أسر تصدعت من وراء هذا الفعل الفاضح، وهناك كوارث اجتماعية، وسوف تزداد هذه المشكلات مستقبلًا.
ويضيف نبيل عبد العظيم أن القانون يعاقب على جريمة التشهير بالأشخاص بالسجن حتى ثلاث سنوات في حالة ثبوت حادثة التشهير على المتهم، موضحًا أن تصوير الأشخاص بدون علمهم وبث هذه الصور بهدف التشهير سواء على الإنترنت أو على الجوال يندرج تحت بند التشهير، ويعاقب مرتكبه بنفس العقوبة، ولذلك فنحن نطالب بضرورة إعطاء تصريح لاستخدام الجوال الملحق بكاميرا للأشخاص الذين يرغبون في اقتنائه للرجوع إليهم في حالة سوء الاستخدام.
تلاعب خطير
يقول خبير الإلكترونيات المهندس إبراهيم فتح الباب: إذا وقعت صورة فوتوغرافية في يد خبير جرافيكس سيجعل منها شيئًا آخر تمامًا، ويغير واقعها كليًا. والأمر ليس قاصرًا على تصوير فتيات في جلسات نسائية، ولكن من الممكن إذا وقعت صورة أي فتاة أو حتى رجل في يد خبير تصوير فهو قادر على عمل مونتاج للصورة بقص الوجه وتركيبه على جسد آخر قد يكون عاريًا، أو في وضع غير حقيقي، ولا يستطيع اكتشافه إلا المحترفون.
إن التكنولوجيا وصلت لحد لا يستطيع أحد ضبطها، فهناك ساعات وولاعات سجائر أصغر في حجمها من الجوالات، تحتوي على كاميرات تصوير؛ ولذلك فالحل ليس في منع دخول الجهاز؛ لأن الخطأ في الاستخدام وليس في الجهاز، ولا يعقل أن نتجنب استخدام كل تطور تقني بدعوى أن له مضارّ؛ فالإنترنت لها مضار مثل المواقع الإباحية، ولكن لا يستطيع مجتمع متطور أن يعيش بدون إنترنت.
وقد بات بالإمكان إعادة إظهار الصور التي يتم محوها من الذاكرة في حال بيع الهاتف أو تركه للتصليح. نحن إذن أمام مشكلة كبيرة لن يكون حلها بمنع أجهزة الهواتف المزودة بالكاميرا؛ لأن التقنيات تتقدم يومًا بعد آخر، وقد تظهر أجهزة أخرى عبارة عن أقلام أو نظارات أو غيرها فالمهم أن نسعى لتحصين أولادنا قبل أن يزجوا بأنفسهم إلى الهاوية في لحظة استهتار يعدّونها مجرد تهوّر أو طيش شباب.
أما آخر تقنية تكنولوجية حديثة يستخدمها العابثون في أجهزة الجوال فهي خاصية"البلوتوث"التى تظهر رقم أقرب جوال قريب منك أثناء تشغيله آليًا، وعادة يستخدمها الشاب عندما يقترب من فتاة ليعرف رقمها ليعاكسها بعد ذلك برسائل الجوال اللاهية المعروفة.
انعدام الخصوصية..سمة العصر
الدكتور سمير الصفتي الأستاذ بكلية الهندسة يقول: إن انعدام الخصوصية أصبح سمة هذا العصر.. الكل معرّض لأن تكون حرماته وعلاقاته وأعماله وقصة حياته كاملة مادة خصبة على شاشات الكمبيوتر وشبكات الإنترنت بكل سهولة ويسر.
ولهذا تحاول دول العالم المتقدم سن القوانين التى تساعد الأفراد على التمتع بقدر -ولو قليل- من الخصوصية في ظل التطور التكنولوجي المحموم، فقد حاولت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا الموازنة بين القوانين التي تحترم حريات المواطنين وتلك التي تسمح بالتحري والتنقيب عن كل صغيرة وكبيرة في إطار فكرة الأمن القومي، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.. وعلى الرغم من ذلك فإن هذا القوانين وحدها لم تكفِ؛ فشركات الاتصالات مثلًا يمكنها أو يمكن للعامل فيها اختراق خصوصية أى فرد من خلال حل المكالمات التليفونية، ويمكن الكشف عن هوية المتكلم ورقم هاتفه ووقت المكالمة ومدتها، كما يمكن رصد مكالمات التليفون المحمول من خلال محطات الاستقبال والإرسال وتُخترق رسائل البريد الإلكتروني من خلال الشركات التي تقدم هذه الخدمة، فيمكنها معرفة أدق تفاصيل حياتك الشخصية عن طريق رسائلك.
وينبه د. سمير الصفتي إلى أن هناك تقنية حديثة يُساء استخدامها أسوأ استخدام، وعلى رغم ذلك مازالت موجودة ولا غنى عنها، وخطورة أمرها أن السيدات والبنات لا يلتفتن إليها ولا يعرنها أي اهتمام، وهي كاميرات المراقبة في محال الملابس النسائية، والتي يستخدمها بعض معدومي الضمير في غرف قياس الملابس، وفيها تتعرى المرأة بطبيعة الحال لتقيس الملابس التي تريد شراءها، وهنا تهتك الكاميرا سترها وترسل الصورة إلى معدوم ضمير آخر في إحدى الغرف ليستخدمها أسوأ استخدام، أو على الأقل يهتك حرمة الفاضلات، ويعرض أجسادهن في أفلام خاصة على أصدقائه.
القضية تربوية في الأساس
يرى د. جمال سرور أستاذ علم الاجتماع أن التكنولوجيا سلاح ذو حدين، وفي ظل هذا الثورة الرقمية التي نعيشها الآن لن يستطيع أحد أن يمنع اختراق التكنولوجيا لكافة مناحي الحياة، وبفرض منع تداول هذا الجوال ذي الكاميرا فإن ذلك لن يؤدي لمنع التصوير؛ لأن الذي يريد التصوير قد يستخدم الكاميرا المدمجة في الساعات الصغيرة؛ فالمنع ليس هو الحل، كما أن الإنترنت مليئة بإعلانات كاميرات المراقبة الصغيرة واللاسلكية.
إن الموضوع يتعلق بالدرجة الأولى بالتربية والأسرة، لعدم تطبيقنا أخلاق ديننا الإسلامي، الذي نهانا عن تتبع العورات، والتجسس على الناس في أدق خصوصيّاتهم، لدرجة أنه أجاز فقأ عين من يتجسس على قوم بغير رضاهم.