وهكذا ينتهي الأمر بالبراجماتية إلى أن تكون نظرية الأكذوبة الحيوية التي تقوم على أساس من نزعة الشك .
إن جيمس ـ ومعه بقية البراجماتيين ـ يلعبون لعبة خاسرة مع الحقيقة . فهو إذ يجعل من الحقيقة: حقنا في الاستمرار في الاعتقاد بما ينفعنا ، إنما يرفض مفهوم الحقيقة بأسره . إن وضع الفكرة ذات النتائج المرضية مكان مفهوم الحقيقة معناه فتح الباب لأي خيال لذيذ . فماذا يمكن أن يرضي الإنسان أكثر من استمراره في الاعتقاد بأنه ذكي بينما هو في الواقع أبله ؟!! ان العالم مليء بالكثير من السخف الذي يستشعر معه الإنسان قسطا من المتعة .
وإذا كان تقديم الأفكار يتم على أساس ما تؤدي إليه من نتائج عملية ، فعند أي حد نستطيع أن نحكم على فكرة معينة بناء على هذا الأساس ؟ فلو كان هناك شخص يعتقد أن الطريقة لحل مشكلاته الاقتصادية هي السيطرة على أحد البنوك ، لكانت هذه الفكرة صحيحة أحيانًا ، لما يترتب عليها من نتائج عملية . إلا أن البراجماتيين يصرون على أن المرء لا بد أن يضع في حسبانه لا مجرد النتائج المباشرة التي تترتب على الفكرة ، بل آثارها البعيدة أيضًا .
وهنا قد نقول إننا لا نستطيع أن نعرف النتائج العملية لهذه الفكرة ، مادامت النتائج البعيدة قد تستمر إلى غير ما حد . فقد تعمل الفكرة بنجاح في وقت معين ، ثم تفشل في وقت آخر ، ثم تعود للنجاح بعد ذلك . ومعنى هذا أننا ينبغي علينا أن ننتظر بلا نهاية لكي نتمكن من تقييم نتائج أي اعتقاد ، ومن تقرير ما إذا كانت له نتائج عملية أم أنه يفتقر إلى مثل هذه النتائج .
4-أما تطبيق النظرية البراجماتية عن الحقيقة في مجال العلم ، وما ذهب إليه جيمس جيمس والبراجماتيون من أن قضايا العلم قضايا حقيقية لأنها مفيدة عمليًا ، فيبدو نسفًا للحقائق العلمية من أساسها !
إن قبول نظرية معينة واعتبارها صحيحة بدون برهان ولمجرد أنها نافعة أو أنها ترضينا من ناحية ما ، هو نقيض الموقف العلمي تماما . إن الفرض المرضي فحسب هو في أغلب الأحيان أقرب الفروض إلى الخطأ .
5-أما تطبيق الفكر البراجماتي على المعتقدات الدينية ، فيبدو بالنسبة لنا كارثة ! فإننا لا نسلم بالحقائق الدينية لمجرد أنها نافعة - في نظرنا القاصر - ، بل لأنها حقائق في ذاتها بصرف النظر عن فائدتها ونتائجها العملية الناجحة - بحسب النظرة القاصرة - . لأننا لو سلمنا بهذا المعيار البراجماتي ـ كما فعل جيمس ـ لكانت أية عقيدة ـ مهما تكن أسباب إنكارنا لها ـ حقيقة لمن يرى أنها نافعة له ، فتستوي بذلك النحل والبدع والديانات المحرفة مع الدين الحق ( الإسلام ) !!
لقد تنفس جيمس الصعداء لاستطاعته إزالة العراقيل التي كانت تقف في طريق معتقداته الدينية ، ولكنه كما قال"سنتايانا"بقسوة"لم يكن يؤمن حقيقة ، كان يؤمن بأن من حق الإنسان أن يؤمن بأنه يمكن أن يكون على حق لو آمن"!
إننا لو قلنا لشخص ما"إنني أعتبر عقيدتك خرافة ، ولكن إذا كانت مفيدة لك فهي عقيدة حقيقة بالنسبة لك". أليس في ذلك سخرية به ؟!
6-إن البراجماتية تركز على الفرد ، وتعلي من"الفردية"إلى أقصى حد . وهي بذلك تعكس الفردية الممزقة التي سادت أمريكا في القرن التاسع عشر . وهذه الفردية بما يرتبط بها من فوضى وغموض تجعل الأفراد عاجزين عن تحمل النظام والرقابة والمهام الاجتماعية .
إن هذه الفردية هي التي جعلت أواصر قربى بين البراجماتيين وبين الفيلسوف السوفسطائي"بروتاجوراس"حين قال:"إن الإنسان مقياس الأشياء جميعًا". وقد كتب"شيلر"يقول"ينبغي علينا أن نعود مرة أخرى إلى ما فعله بروتاجوراس ، فنتخذ الأحكام الفردية لأشخاص مفردين نقطة بدء لنا". لكن ليس لنا أن ننسى أن بروتاجوراس هو أحد هؤلاء الذين كانوا يخلطون الحق بالباطل ، لكي يتصيد في الماء العكر ما هو زائف ومريح ، ويشيد صرح الخطابة على أنقاض الفلسفة . لقد لاحظ أفلاطون بحق في"ثيتاتوس"أننا لو سلمنا بمبدأ بروتاجوراس ، لكان معنى ذلك التسليم بأن حجج المجنون تعادل في صدقها حجج العاقل ، وأن أحط الحيوانات شأنا قد يكون له رأي في الكون لا يقل حصافة عن رأي الإنسان الحكيم !!
وبعد ... إن البراجماتية قد تصلح لأولئك الذين يتمتعون بروح عدوانية ، تسعى إلى السيطرة النابليونية . أما بالنسبة لأولئك الذين يتمتعون بالروح الإنسانية ، ويتمسكون بالمثل العليا ، والقيم الدينية ، فإن البراجماتية تبدو لهم ضيقة الأفق ، محدودة الإطار، مخيبة للآمال ) .
قلت: ومن أراد الزيادة فليعد إلى كتاب الدكتور توفيق الطويل"فلسفة الأخلاق"، وإلى رسالة"الفلسفة البراجماتية في مجال التربية"للأستاذ عبدالله الزيلعي ( لم تطبع بعد ) . وكتاب"في الفلسفة الحديثة والمعاصرة"للدكتور محمد الشنيطي . والله أعلم.
بنت الرسالة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
بنياتي الغوالي..
تربية الإناث ، و إعداد المرأة المسلمة للحياة .. يمر بمنعطف خطير ..
فلقد تداعت على هوية المسلمة قواطع نشرت بخبث في طريقها القويم ..منها ربط أعدادها بتمكينها من العمل الإقتصادي عنوة.. وليس من باب الزيادة كما هو في إسلامنا ..فهي المكفولة في المأكل والمشرب والمسكن .لكن كيف تم ذلك؟
أي بنياتي ..
الأصل الذي أنطلق منه دعاة التمكين الإقتصادي .. هو التمويل قصير أو طويل الأجل للنساء الفقيرات بدءًا ثم إلى كل الفئات تحت مظلة العمل الأهلي. ومنه بدأت شرارة حرق هوية المسلمة في علاقتها التكاملية المتميزة مع الرجل . ليصلوا إلى إستقلالها عنه.
يقول الإستاذ ممدوح الشيخ .( علاقة منظمات العمل الأهلي بمجتمعها مؤشر مهم من مؤشرات نجاحها ، فقدرتها على إحراز ثقة هذا المجتمع ودعمه لا تتأتى إلا بالانطلاق من ثقافته
ولذا كان التمويل الأجنبي للمشاريع الإقتصادية دائمًا جريمة يتنصل منها القائمون على العمل العام - سياسيًا كان أو اجتماعيًا -)
ويقول الباحثان الأمريكيان (بيتر جونسون) و (جوديث تاكر) إن الاتجاه واضح ، فإنه بعد تحديد مفهوم حتمية التغير الاجتماعي كمفهوم للتحديث - وهي الزاوية المفضلة عند علماء الاجتماع الغربيين - بدأ برنامج لتجنيد باحثين مما يسمى (الشرق الأوسط) واستخدامهم في تحليل مجتمعاتهم بمنهج غربي ، فالتغير الاجتماعي محتوم في المنطقة ومن المهم للولايات المتحدة أن تتمكن من تحليل هذا التغير والتنبؤ به وتغيير مساره .
حبيباتي.. إنها إحدى النوايا المبيتة لك يا درة الإسلام الغالية.
فهلموا معا لنفهم أحد جوانب معنى الأممية الجديدة أو المرأة العالمية:
لقد بدأ الإعداد لهذه الشخصية من خلال مؤسسات خاصة مؤسسات تعتمد على التمويل الأجنبي فالدور الذي قامت به (فورد) في السبعينات تستكمله (وكالة التنمية الدولية) التي تنفق عشرة ملايين من الدولارات سنويًا (لتنمية الديمقراطية في مصر) ، وتصرف الملايين بهدف (تنظيم وتجنيد الأكاديمية لصالح السياسة الأمريكية) .
وتعتمد الوكالة على عدة مؤسسات استشارية أهمها (كيمونكس) الأمريكية التي يعلق مديرها على هذا الدور بقوله: (كنت دائمًا أريد العثور على سبيل لأن تكون لي وكالة استخبارات مركزية خاصة بي) .