(11) صحيح ، أخرجه البخاري: كتاب الحج - باب طواف الوداع ، حديث (1755) ، ومسلم: كتاب الحج - باب وجوب طواف الوداع ... حديث (1328) .
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2214)
عبد الرحمن السديس إمام الحرم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا إخوة الإسلام في هذه البقاع الشريفة، ويا حجاج بيت الله الحرام في هذه الحرمات المنيفة ويا إخوة الإيمان والعقيدة في مشارق الأرض ومغاربها، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل فإن تقواه سبحانه وصيته للأوائل والأواخر، بها تسمو الضمائر وترق المشاعر، وتقبل الشعائر، وبها النجاة يوم تبلى السرائر، يقول عز وجل: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ [النساء:131] .
عباد الله، اشكروا الله جل وعلا أن بلّغكم هذا اليوم العظيم وهذا الموسم الكريم، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن يومكم هذا يوم مبارك، رفع الله قدره، وأعلى ذكره وسماه يوم الحج الأكبر، وجعله عيدًا للمسلمين حجاجًا ومقيمين، فيه ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى بعد أن وقفوا بعرفة وباتوا بمزدلفة، في هذا اليوم المبارك يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح ضحاياهم اتباعًا لسنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقد أمر الله خليله بذبح ابنه وفلذة كبده فامتثل وسلّم، ولكن الله سبحانه بفضله ورحمته افتداه بذبح عظيم، فكانت ملة إبراهيمية جارية وسنة محمدية سارية عملها المصطفى ، ورغّب فيها في الصحيحين أنه ضحّى بكبشين أقرنين أصلحين ذبحهما بيده وسمّى وكبر.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
معاشر المسلمين، الأضاحي شعيرة عظيمة وسنة قويمة قد ورد الفضل العظيم لمن أحياها، في الحديث عنه قال: (( ما عمل ابن آدم يوم النحر أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بأضلافها وقرونها وأشعارها، وإن الدم ليضع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، وإن للمضحي بكل شعرة حسنة وبكل صوفة حسنة فطيبوا بها نفسًا ) ) (1) [1] رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه.
ومما ينبغي أن يُعلم ـ رحمكم الله ـ أن للأضحية شروطًا ثلاثة:
الأول: بلوغ السن المعتبر شرعًا، وهو خمس سنوات في الإبل، وسنتان في البقر، وسنة في الماعز، وستة أشهر في الضأن.
الثاني: أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع من ذبحها، وقد بين بقوله: (( أربعٌ لا تجزئ في الأضاحي العرجاء البيّن ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء ـ وهي الهزيلة التي لا تنقي ) ) (2) [2] خرّجه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.
الثالث: أن تذبح الأضحية في الوقت المحدد شرعًا ويبدأ بعد الفراغ من صلاة العيد وينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق، والأفضل في يوم العيد نهارًا ولا بأس في الذبح ليلًا، وتجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته كما في حديث أبي أيوب رضي الله عنه أنه قال: (كان الرجل على عهد رسول الله يُضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته) (3) [3] .
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
أيها الإخوة المضحون، إن للأضحية آدابًا ينبغي مراعاتها منها: التسمية والتكبير، ومنها: الإحسان في الذبح بحد الشفرة وإراحة الذبيحة والرفق بها وإضجاعها على جنبها الأيسر متجهة إلى القبلة، والسنة أن يوزعها أثلاثًا فيأكل ثلثًا ويهدي ثلثًا ويتصدق بثلث وأن يتولى ذبحها بنفسه أو يحضرها عند الذبح ولا يعطي جازرها أجرته منها، فلا تحرموا أنفسكم ثواب الله وفضله في هذه الأيام المباركة، وضحوا عن أنفسكم وأهليكم وأولادكم تقبّل الله ضحاياكم وتقربوا إلى الله بالعج والثج يقول عز وجل: قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] ، ويقول عز وجل: فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] ، ويقول جل وعلا: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَاكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذالِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشّرِ الْمُحْسِنِينَ [الحج:37] .
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
إخوة الإيمان، يُعد هذا الاجتماع المهيب في هذا اليوم العظيم بآثاره الحميدة وحكمه السامية مظهرًا من مظاهر الوحدة الإسلامية إِنَّ هَاذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92] ، ومعلمًا من معالم الإخوة الإيمانية التي جاء بها هذا الدين الإسلامي الحنيف الذي أكمله الله وأتمه للبشرية ورضيه لها دينًا فلا يقبل الله من أحدٍ دينًا سواه وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85] .
لقد جاءت هذه الاشريعة الغراء فأشرقت على أصقاع معمورة بأنوار الإيمان ورفرفت على أرجائها رايات العز والأمن والاطمئنان بعد أن كانت البشرية غارقة في أوحال الشرك والوثنية ومستنقعات الرذيلة والإباحية وأودية البغي والظلم والجاهلية، فحمل المصطفى راية الدعوة إلى الحنيفية السمحة فأخرج الله الناس من الظلمات إلى النور، وكانت دعوته عليه الصلاة والسلام مرتكزة على أهم قضية اطلاقًا وأصل القضايا اتفاقًا تلكم هي قضية العقيدة وتوحيد الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فلا إله غيره ولا رب للناس سواه وفي ذلك أنزلت الكتب وأرسلت الرسل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30] .
إخوة العقيدة، وإذا كانت قضايا الاعتقاد من الثوابت والمسلَّمات فإنه مع طول الأمد وحصول التخلف المزري لدى شرائح كثيرة في الأمة صحب ذلك جهل ذريع لكثير من الحقائق العقدية المسلّمة حدث نوع من الغفلة أو قل التغفيل دفعتها عمليات التزييف للحقائق تحت ستار مسميّات معسولة، وكان من نتيجة ذلك تمرير بعض الصور الشركية وتزويق بعض النصوص البدعية بل والمجادلة والمماحكة لإلباسها لباس الدين. والدين منها براء، ولعل ما أحدث حول القبور والأضرحة والمشاهد من أوضح النماذج على هذا التزييف الذي أصاب الأمة في أعز مقوماتها وهو عقيدتها وتوحيدها لربها فحق أن نذرف الدموع الساخنة الحراء على عقيدتنا الغراء ونحن نرى سوق الأوهام تنخر في كيان الأمة العقدي وفسطاط القبورية والخرافة يكاد يغطي بعض عقول أهل الديانة فالله المستعان.