فهرس الكتاب

الصفحة 1940 من 3028

لقد كان الفسقة الأقدمون يدارون الناس ويسايرونهم في شهر رمضان ولا يجرءون أن يظهروا ما لديهم من فساد، فهذا أبو نواس الشاعر الماجن كان يستحي من إظهار المعصية في شهر رمضان

ويقول:

منع الصوم عقارًا وذوي اللهو فغارًا

وبقينا في سجون الصوم للهم أُسارى

غير أنَّا سنداري فيه ما ليس يدارى

وأمَّا فسَّاق هذا الزمن فإنَّهم لا يجاملون النَّاس، بل يبدون كلَّ ما لديهم من فسق ومجون، بل قد تجدهم يتحيَّنون فرصة قدوم شهر رمضان المبارك لصرف الناس عن العبادة، ويختارون أوقاتًا جديرة بصرف القلب والقالب فيها للعبادة والطاعة، فيختارون قبل وقت الإفطار وهو الوقت المشروع للعبادة والدعاء، ويختارون ما بعد صلاة المغرب، وكذا التراويح؛ وذلك لعرض ما لديهم من برامج إعلاميَّة مغرضة، كما أنَّ كثيرًا منهم من يختار وقت صلاة الجمعة لبثِّ البرامج الخليعة والسيئة لصرف قلوب الشباب والناس عن طاعة الله وعبادته في هذا الوقت الجليل.

إنَّها دعوة لأصحاب هذه القنوات، ومنتجي هذه البرامج أن يعودوا إلى ربِّهم ويؤوبوا إلى بارئهم قبل أن يأتيهم الموت بغتة، فتقول نفس يا حسرتا على ما فرَّطت في جنب الله، ويا ويلتا على ما حملته من أوزاري وأوزار الذين أضللناهم بعلم وغير علم.

• دور الإعلام الإسلامي في شهر رمضان الكريم:

لا ريب أنَّ الإعلام هو السلطة الرابعة ولا أبالغ إن قلت: إنَّ سلطته في هذا الزمن تعادل سلطة القوى والمنظومات السياسية، فالناس في هذا الزمن على دين إعلامهم، وما يبثّه الإعلام هو الشيء الذي ستجده مكرّسًا في أخلاق الناس وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم ـ إلا من رحم الله وقليل ما هم ـ.

وعبر الفضائيات الفاسدة التي يمرّر من خلالها هذا العفن الفنِّي، والتي تخلط في كثير من الأحيان العهر بالثقافة، ينبغي أن نعترف نحن الإسلاميين بأنَّ هذه البرامج استقطبت واجتذبت الكثير والكثير من المشاهدين المسلمين.

وعليه فمن أجدر بالإسلاميين أن يكون لهم دور قوي واضح وحيوي ومثير في زمن تصارع القوى الإعلاميَّة، بتقديم البديل الإسلامي الجيد والجديد والمفيد في ساحات القوى الإعلاميَّة، كي يتقن فنَّ اقتياد المشاهدين، فنحن في عصر التأثير الثقافي والإعلامي ولا شك، والمهم أن يكون لدى الإسلاميين دور فعَّال في إدارة هذه الحقبة الزمنية الرمضانية بنوع من الرؤى والتصورات الإعلاميَّة الرشيدة الفاعلة والفعَّالة في عصر التواصل المعلوماتي والتأثير الفكري.

ومن الملامح الهامَّة، والومضات المتواضعة التي نستطيع أن نقدِّم من خلالها بديلًا منضبطًا، ونواجه بها الغزو الإفسادي الإعلامي:

ـ أهميَّة الثبات على منهج أهل السنَّة والجماعة وعدم التنازل تحت ضغط الواقع.

ـ محاولة تقديم البرامج المتميزة والجديدة الجادة غير المكررة فالتكرار وخصوصًا في الجانب الإعلامي يحرق الورقة التي تراهن عليها القناة أو البرامج الإعلامية الإسلاميَّة، في قيمة برامجها ذات الأهميَّة والتجديد المفيد.

مع التنبيه على أهميَّة الابتكار والتجديد والإبداع التطويري للبرامج الإعلاميَة الإسلامية الهادفة، ومحاولة إضفاء الجديد عليها وتقديم البرامج الخاصَّة.

ـ الموضوعيَّة وإضفاء المنهجيَّة المنطقيَّة التي لا تنحرف مع الاتِّجاهات المنحرفة.

ـ المصداقيَّة وتقديم البرامج التي تعالج القضايا بعلمية وعملية بروح واقعيَّة.

ـ الإثارة والتشويق بنَفَسٍ إسلاميَّة مرنة ومتزنة ومنضبطة بمنهج أهل السنَّة والجماعة.

ـ استخدام أسلوب الترفيه المباح، واللهو الجائز، فكثير من النفوس ميَّالة بطبعها إلى الترفيه واللهو، فإن لم يكن في هذه القنوات الفضائيَّة ما يشغل هذه النفوس باللهو المباح، فإنَّ الناس سيقبلون على ما عداها من القنوات الفضائيَّة الفاسدة.

ولا ريب أنَّ الأولى في شهر رمضان الانشغال بالعبادة والطَّاعة، ولكنَّا ـ شئنا أم أبينا ـ فسنجد أنَّ هناك نفوسًا ميَّالة بطبعها إلى الترفيه، فلئن نصرفها إلى اللهو المباح أفضل من الإقبال على الغير من فساد ساقط.

ـ تقديم المباح على الأقل، وتقديم ما يثري النفس ويثيرها لطاعة الله تعالى، بشكل يحفِّزها على ذلك ويدفعها للابتعاد عن المعاصي، ورحم الله الإمام ابن تيميَّة إذ يقول: 'وكذلك كل ما يعين على طاعة الله من تفكر أو صوت أو حركة أو مال أو أعوان أو غير ذلك، فهو محمود في حال إعانته على طاعة الله ومحابه ومراضيه، ولا يستدل بذلك على أنه في نفسه محمود على الإطلاق، ويحتج بذلك على أنه محمود إذا استعين به في طاعة الله، ولا يحتج على ما ليس من طاعة الله بل هو من البدع في الدين أو الفجور في الدنيا' الاستقامة لابن تيمية:291.

ـ تغذية الذهن والفكر بما يزيد من رصيده المعرفي.

ـ تعرية الأفكار المنحرفة، واستقطاب المتخصصين ذوي المنهج العلمي النقدي الرفيع عن التهم والحدَّة في النقاش.

ـ تربية الناس على معالم الرقابة الذاتية، وتقوى الله في السر والعلن، وكما قال أحد المفكرين: حبَّذا أن نقدِّم في هذا الزمن التذكير بأهمية بناء المناعة على أسلوب المنع، وإشعار الناس بأهميَّة عبوديَّة المراقبة.

فتربية النفس على صراع الشهوات، ومعاركة وسواس الشيطان، سيجد صاحبها من خلال ذلك ألمًا وقسوة، إلاَّ إنَّها ستكون مرارة يعقبها لذَّة وارتياح بال واطمئنان ضمير.

ـ محاولة فضح فساد القنوات المفسدة وتحذير رجال الأعمال والملاَّك من دعمها.

ـ بعث الرسائل الخاصَّة لأصحاب هذه القنوات ومموِّليها وتذكيرهم بالله، وأهميَّة الرجوع للحق، واستخدام أسلوب الرفق واللين فهو أحرى بهم وأولى وأنفع .

ـ تحذير فئة الشباب والفتيات من هذه القنوات وإعلامهم بمقاصد أصحابها، وأنَّ من أولوياتهم في ذلك محاولة صرف الشباب عن دين الصحيح لمتابعة ما يبث عبر هذه القنوات من شهوات وشبهات.

لعلَّ الله يجعل من وراء هذه الملامح الخير كلَّه، وأن يهدي في هذا الشهر الكريم ضال المسلمين، ويردهم إليه ردًا جميلًا، إنه أعظم مأمول، وبالله التوفيق

مجلة البيان - (ج 91 / ص 88)

أدبيات القضية ومحاولات التفسير

بقلم: د .نبيل السمالوطي

واجه العالم تطورًا علميًّا هائلًا منذ سنة 1971م يتمثل في توظيف الأقمار

الصناعية في خدمة الإرسال التلفزيوني المباشر [1] ، دون حاجة إلى محطات

أرضية .

وأصبح الإرسال يصل إلى المنازل مباشرة دون إمكان تدخل الأجهزة الرقابية

في الدول ، وأصبح هذا التطور يمثل إيجابيات وسلبيات تعاني منها الدول دون

إمكان وقف البث أو السيطرة عليه ، وقد استخدمت هذه القنوات من جانب دول

الغرب ، سواء من خلال قنواتها المباشرة ، أو من خلال إنتاجها الذي يمثل

حوالي 50% من الإنتاج الذي تبثه قنوات العالم الثالث في خدمة تسويق قيمهم وأساليب حياتهم وطرق التفكير والعلاقات السائدة في المجتمعات الغربية ، هذا إلي جانب تسويق منتجاتهم الاقتصادية [2] ، والسيطرة على عقول أبناء المجتمعات النامية ، وتحقيق ما يطلق عليه: الاختراق الإعلامي للدول ، الذي هو مدخل لكل الاختراقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. إلخ .

أدبيات القضية:

ويشير استعراض التراث أو أدبيات الاتصال إلى تعدد الآراء والمنظومات

والاستنتاجات والتحليلات ، ونستطيع إيجاز أهمها فيما يلي:

أولًا: يرتبط البث المباشر وتزايد القنوات الفضائية بالتقدم الضخم الذي تم

إنجازه في مجال تقنية الاتصالات الفضائية ، وبخاصة فيما يتصل بتنامي قوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت