فهرس الكتاب

الصفحة 1224 من 3028

وإذا وافق العيد يوم الجمعة جاز لمن حضر العيد أن يصلي جمعة أو أن يصلي ظهرًا؛ لما ثبت عنه في هذا، فقد ثبت عنه أنه رخص في الجمعة لمن حضر العيد، وقال: (( اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شهد العيد فلا جمعة عليه ) )، ولكن لا يدع صلاة الظهر، والأفضل أن يصلي مع الناس جمعة، فإن لم يصل الجمعة صلى ظهرًا. أما الإمام فيصلي بمن حضر الجمعة إذا كانوا ثلاثة فأكثر منهم الإمام، فإن لم يحضر معه إلا واحد صليا ظهرًا.

أعاد الله عليَّ وعليكم من بركات هذا العيد، وجعلنا في القيامة من الآمنين، وحشرنا تحت لواء سيد المرسلين، عليه الصلاة من رب العالمين.

اللهم اجعل عيدنا فوزًا برضاك، واجعلنا ممن قبلتهم فأعتقت رقابهم من النار، اللهم اجعل رمضان راحلًا بذنوبنا، قد غفرت فيه سيئاتنا، ورفعت فيه درجاتنا.

ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على خير البرية أجمعين ورسول رب العالمين نبي الهدى والرسول المجتبى، فقد أمركم مولاكم بذلك في محكم كتابه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار، وصحابته المهاجرين منهم والأنصار، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين...

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3716)

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

الخطبة الأولى

بنظرة عاجلة إلى الماضي نجد أنَّ الإسلام قد انتشر انتشارًا واسعًا وسريعًا، ففي أقلَّ من مائة سنة بلغ معظمَ أقطار المعمورة. ومن هنا اختلفت تحليلات الدارسين والمؤرِّخين للأسباب الحقيقيَّة وراء ذلك.

والحقيقة أنَّ هيمنة الإسلام على العقول والقلوب كانت بقوَّة جاذبيَّته للفطر السليمة والعقول المتحرِّرة، فإنَّ عناصر القوَّة كامنة في ذاته، لا بقوَّة القهر، ويخطّئون الذين يرون أنَّ سرعة انتشار الإسلام كانت بقوَّة السيف والقهر، أو لأسباب اقتصاديَّة.

فمن المعلوم لجميع الدارسين المنصفين من أهل الإسلام وغيره من الملل أنَّه لا علاقة بين السيف وبين اعتناق الدين الإسلامي، فجميع الذين اعتنقوا الإسلام بحقٍّ اعتنقوه عن طواعية ورضا، لا عن قهر وهزيمة، وكلُّ المجتمعات التي وصلها الإسلام مع طلائع جيوش الفتح لم تكن مرغمةً على اعتناق الإسلام، فلا إكراه في الدين، وكان أمامها أن تختار بينه وبين العيش تحت ظلاله بعهد محترم، ولذا لم تزل الجاليات المسيحيَّة واليهوديَّة وحتَّى المجوسيَّة محترَمةَ العهد، ولم تتحوَّل عن دينها في ظلِّ الدول الإسلاميَّة المتعاقبة، إلاَّ ما كان في فترة محدودة في خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي في مصر، ثمَّ في حكم ابن تومرت الموحِّدي في المغرب، وهي تصرُّفات شخصيَّة سياسية، لا علاقة لها بالإسلام، بل أنكرها عليهم أهل الإسلام، وهي في غمرة معاملات خلفاء المسلمين وملوكهم لهذه الجاليات على مرِّ التاريخ تعدُّ من النادر الذي لا أثر له، والماء إذا بلغ قلَّتين لم يحمل الخبث.

وقد آل الأمر بكثير من المستشرقين إلى الاعتراف بأنَّ انتشار الإسلام لم يكن بالسيف، وأنَّ الجهاد الذي كان يصاحب الدعوة إنَّما كان يهدف إلى حماية الدعوة وضمان الحرِّية للناس ليسمعوا كلمة الله عزَّ وجل، فمن شاء آمن، ومن شاء بقي على دينه في مقابل عهد الذمَّة يُبرم معه، ليعيش حرًّا موفور الكرامة، يتمتَّع بحقِّ الحياة، وحقِّ العبادة، وحرِّية الاعتقاد، وحقِّ التعلُّم وحقِّ العمل، تحت رعاية الإسلام وعدالته ورحمته التي وسعت كلَّ شيء.

وعندما تداعت أوربا على سواحل الشام في القرون الوسطى كان لاختلاطهم بالمسلمين أثرٌ عظيم في تحوُّل كثير من أمرائهم ونبلائهم وجنودهم إلى الإسلام، وقد ذكرت كثير من المصادر المسيحيَّة هذه الحقيقة.

فدعوى انتشار الإسلام بقوَّة السيف لا سند لها في حقيقة الأمر، وأصحابها في غاية العجز عن الإدلاء بنوع دليل على تحليلهم.

وأبعدُ من هؤلاء في تحليل الحقائق أولئك الذين فسَّروا ظاهرة سرعة انتشار الإسلام وسعته بالأسباب المادِّية والدوافع الاقتصادية، حيث يرى أصحاب هذه النظريَّة أنَّ الحاجة هي التي دفعت بالمسلمين إلى الخروج من صحرائهم القاحلة المقفرة طلبًا لما حولهم من المدن والأمصار ذات الخيرات والأنهار.

فمن المعلوم أنَّ هذا يعود في التحليل إلى الأوَّل، وهو أنَّ أصحاب تلك المدن والأمصار التي غزاها المسلمون وفتحوها كان اعتناقهم للإسلام على سبيل الاستسلام للقوَّة والإكراه، وقد سبق تفنيد هذا، فما بني عليه فهو باطل أيضًا.

ومن جهة أخرى فإنَّ فساد هذا التحليل يتجلَّى أكثر عندما نعلم أنَّ من الحقائق التاريخيَّة أنَّ المسلمين تركوا حياة البذخ والترف، وخرجوا من أوطانهم إلى صحاري إفريقيا والمغرب وصحاري ما وراء النهر في وسط آسيا والصين، حاملين معهم دعوة الإسلام ليس غير، تاركين الأرض ومن عليها لأهلها يسوسونها بأنفسهم، ولذا نرى في ظلِّ الحكم الإسلامي أمراء من الفرس في بلاد الفرس، وأمراء من الترك في بلاد الترك، بل وفي بلاد العرب نفسها، وأمراء من البربر في المغرب. ولا يعرف على رأس الدول المتعاقبة في المغرب منذ دخول الإسلام غير أمراء من البربر، وما شأن طارق بن زياد والمعز بن باديس والناصر بن علناس والمهدي بن تومرت ويوسف بن تاشفين وغيرهم بخاف عنَّا معشر أهل المغرب.

ومن الطرائف أنَّ المغُول والأتراك الذي اجتاحوا بلاد المسلمين لم يلبثوا أن تحوَّلوا إلى الإسلام عن قناعة ورضا، وصاروا من أكبر حماته ودعاته، حتَّى كان منهم ملوك وسلاطين في الهند وآسيا، كما كان من جنسهم قبل ذلك ملوك في دولة السلاجقة بالعراق، وفي دولة المماليك بمصر والشام. وهذا كاف لنسف التحليل الزاعم أنَّ اعتناق الإسلام كان لدوافع اقتصادية، أو بسبب القهر والإكراه.

الخطبة الثانية

انتشر الإسلام من أوَّل يوم بالدعوة، ولم يزل ينتشر بها حتَّى بلغ أقطار معظم المعمورة في مدَّة وجيزة، تعدُّ ببضع عشرات من السنين كما سبق، فكما أنَّ ما بلغه الإسلام في الماضي من الانتشار الواسع والسريع كان بالدعوة إلى الله فكذلك انتشاره في المستقبل إنَّما يتحقَّق بالوظيفة نفسها، وهي الوظيفة التي جعلها الله تبارك وتعالى سمة لهذه الأمَّة حين قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ، كما جعلها أيضًا وظيفة الأمَّة التي تستوجب بالقيام بها الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، فقال عزَّ وجل: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] .

وقد كان انتشار الإسلام في العصور الأولى بطريقين: طريق الدعوة الرسميَّة، وذلك بما حصل من فتوحات مظفَّرة، والطريق الآخر ما جرى على أيدي العلماء والدعاة والعبَّاد والزهَّاد والتجار وعامَّة أفراد المسلمين كلٌّ بحسب علمه وقدرته على البلاغ بصفة غير رسميَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت