فهرس الكتاب

الصفحة 1303 من 3028

أصدرت الكنيسة المسيحية في كيرالا جنوبي الهند كتيبا بعنوان:

(الطبيعة والعلم يتحدثان عن الله) .. وأعتقد أن هذه الكلمات هي أفضل عنوان لهذا الباب.

إن أكبر دليل على وجود الإله هو مخلوقه ، هذا الذي نجده أمامنا وأوثق ما علمنا من حقائق الطبيعة يدعونا إلى الإيمان بأنه لا ريب أن لهذه الدنيا إلها واحدا. ونحن لا نستطيع أن نفهم أنفسنا وأن نفسرها بله الكون كله- مجردين من الإيمان بوجود الإله.

إن وجود الكون والنظام العجيب الذي اشتمل عليه وأسراره الدقيقة لا يمكن تفسير ذلك كله إلا بأنه قد خلقته (قوة) وأن هذه القوة (عقل) لا حدود له وأنها ليست بقوة عمياء.

أولا-نظرية التشكيك في الوجود:

هناك جماعة من المفكرين هزيلة العدد جدا ، (تشك) في مجرد وجود مثل هذه القوة. وتعتقد هذه الجماعة أنه لا وجود للإنسان ولا للكون وأن الوجود عبارة عن عدم محض و لا شيء غير ذلك.

فلو سلمنا بهذه الفكرة لالتبس علينا أمر الإله دون شك . . ولكننا حين نؤمن بأن الكون موجود نضطر تلقائيا أن نؤمن بالإله أو بالقوى الخالقة - كما نسميها- فليس بمعقول أن نؤمن بالوجود من العدم المحض ، ذلك قياس باطل ! !

فهذا التشكيك في وجود الكون والذي يتخذ أحيانا شكل نظرية الـ (لا أدرية) (45) - يمكن أن يعد نكتة فلسفية لا علاقة لها بالحقيقة. فنحن حين نفكر يكون فكرنا هذا دليلا قاطعا في ذاته على أن لنا وجودا (46) . وحين نصطدم في الطريق بحجارة ثم نتألم فهذا الواقع دليل في ذاته على أن هناك عالما موجودا وجودا ذاتيا خارج وجودنا. وهكذا تدرك حواسنا في كل وقت أشياء كثيرة من الفرح والألم والتذوق ، فهذا الإحساس والشعور دليل لكل شخص على أنه موجود في كون ، وعلى أنه يملك وجوده الذاتي وحينئذ فلو قام أحد يشكك نفسه في وجوده الذاتي ووجود الكون فسوف نعتبر ذلك حالة استثنائية مفردة ، لا ترتبط بتجربة الملايين من جماهير الناس. وسوف نقول عن هذا الرجل الفذ: إنه غاب في عالمه الذهني ، حتى نسى نفسه. . .

بل إننا لو سلمنا-جدلا-بأنه ليس للكون في ذاته وجود خارج ذاتنا فلست أعتبر هذا دليلا ملزما بأنه لا وجود للإله.

وعلى كل حال فهذه هي الفكرة الوحيدة التي ترى وجود الإله مشكوكا فيه ، بكل ما تتضمن من السفسطة والجهالة وانعدام الواقعية وهى فكرة لا معنى لها في ذاتها وليست مفهومة لدى جمهور الناس كما أنها لم تحظ بقبول في دنيا العلم.

الوجود والخلق:

إن الإنسان العادي والعالم العادي يؤمن على كل حال بأن (له) وجودا وبأن للكون أيضا وجودا وعلى هذا الأساس من العلم والإيمان تقوم جميع ألوان النشاط العلمي والحيوي.

فإذا آمنا بوجود الكون فلا بد أن نؤمن بإله هذا الكون منطقيا: إذ لا معنى لأن نؤمن بالمخلوق ونرفض وجود الخالق ، ونحن لا نعلم شيئا جاء إلى الوجود من العدم دون أن يخلق فكل شيء مهما بلغ حجمه عظم أو صغر ، جل أو دق ورائه علة فكيف بنا نؤمن بأن كونا عظيما -مثل كوننا- جاء إلى الوجود ذاتيا دون خالق؟ ؟

ذكر (جون ستيوارت ميل) في سيرة حياته: أن أباه قد علمه أن سؤال (من الذي خلقني؟) لا يكفي لإثبات وجود الإله ، إذ ينجم تلقائيا سؤال: (فمن ذا الذي خلق الإله؟) ، وقد اعتد (برتراند رسل) هذا الاعتراض الثاني كافيا لرفض مدلول السؤال الأول (47) .

ونحن نعرف أن هذا الاستدلال قديم جدا لدى الملحدين ؛ ومقتضاه:أننا لو افترضنا خالقا للكون فسوف نضطر أن نتصوره أزليا! !

الأزلي: الخالق أم المادة؟

وإذا كان لا مناص من افتراض أزلية هذا الخالق فلماذا لا نؤمن بأزلية هذا الكون؟ وهذا الكلام لا معنى له ، لأننا لم نعثر على صفات للكون أية كانت تثبت أنه خالق نفسه.

ولقد كان لهذا الاستدلال حسنه ورواؤه حتى القرن التاسع عشر ولكنا اليوم وبعد كشف (القانون الثاني للحرارة الديناميكية) Second Law of Thermo Dynamics نجد أن هذا الاستدلال فقد كل أساس كان يقوم عليه.

وهذا القانون الذي نسميه (قانون الطاقة المتاحة) أو (ضابط التغير) Law of Entropy يثبت أنه لا يمكن أن يكون وجود الكون أزليا ، فهو يصف لنا أن الحرارة تنتقل دائما من (وجود حراري) إلى (عدم حراري) ، والعكس غير ممكن وهو أن تنتقل هذه الحرارة من (وجود حراري قليل) أو (وجود حراري عدم) إلى (وجود حراري أكثر ) ، فإن ضابط التغير هو التناسب بين (الطاقة المتاحة) و (الطاقة غير المتاحة) .

وبناء على هذا الكشف العلمي الهام فإن (عدم كفاءة عمل الكون) يزداد يوما بعد يوم ، ولابد من وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات ، وحينذاك لا تبقى أية طاقة مفيدة (للحياة والعمل) ، وسيترتب على ذلك أن تنتهي العمليات

الكيماوية والطبيعية ، وتنتهي-تلقائيا-مع هذه النتيجة (الحياة) .

وانطلاقا من هذه الحقيقة القائلة بأن العمليات الكيماوية والطبيعية جارية وأن الحياة قائمة ، يثبت لدينا قطعا أن الكون ليس بأزلي ، إذ لو كان الكون أزليا لكان من اللازم أن يفقد طاقته منذ زمن بعيد بناء على هذا القانون ، ولما بقى في الكون بصيص من الحياة.

يذكر هذا التحقيق العلمي الحديث عالم أمريكي في علم الحيوان ، هو الأستاذ (إدوارد لوثر كسيل) فيقول:

(وهكذا أثبتت البحوث العلمية -دون قصد-أن لهذا الكون(بداية) فأثبتت تلقائيا وجود الإله ، لأن كل شيء ذي بداية لا يمكن أن يبتدئ بذاته ، ولابد أن يحتاج إلى المحرك الأول-الخالق الإله) (48) .

وقد قال نفس الكلام السير جيمس: (تؤمن العلوم الحديثة بأن عملية تغيير الحرارة) Entropy سوف تستمر حتى تنتهي طاقتها كلية ، ولم تصل هذه العملية حتى الآن إلى آخر درجاتها ، لأنه لو حدث شيء مثل هذا لما كنا موجودين على ظهر الأرض حتى نفكر فيها. إن هذه العملية تتقدم بسرعة مع الزمن ومن ثم لابد لها من بداية ولابد أنه قد حدثت عملية في الكون ، يمكن أن نسميها (خلقا في وقت ما) حيث لا يمكن أن يكون هذا الكون أزليا) (49) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت