من التأخير ، ) قالوا أرجه وأخاه( ، وسُمُّوا المرجئة بذلك لأنهم أخروا الأعمال من الإيمان ، وقالوا: إن كل فاسق وتارك للعمل محقق للإيمان ومرجًى لأمر الله .
قضية الإيمان:
الإيمان لغة: تصديق القلب المتضمن للعلم بالمصدق به ، أي تكون مصدقا بأمر أنت علمته ، فليس كل تصديق إيمانا ، قال تعالى: )وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ( ، أي وما أنت بمصدق لنا .
الإيمان شرعا: جميع الطاعات الباطنة والظاهرة ، وله معنى آخر وهو تصديق الرسول r فيما جاء به عن ربه والإقرار به والعمل بما يلزم العمل به ، هذه التعريفات فيما يتعلق بالمعتقد الصحيح للإيمان .
مذاهب الناس من حيث حد الإيمان
اختلفوا في حد الإيمان ، ولكنهم قبلوا أن الإيمان هو التصديق القلبي إلا الكرامية ، وهم ثلاثة مذاهب رئيسية:
(1) المرجئة: تفريط (2) أهل السنة: وسط (3) الخوارج: إفراط .
المرجئة
أ- الجهمية: والجهمية سموا بذلك لأنهم أتباع جَهْم بن صفوان .
حد الإيمان عندهم: التصديق بالله فقط ، حتى إنه عندهم النطق بلا إله إلا الله ليس شرطا في الإيمان ، فما دمت مثبتا أن للكون ربا فأنت مؤمن .
دليلهم على ذلك: قالوا: إن القرآن لسان عربي ، ولفظ الإيمان من الألفاظ التي عُرِفَت عند العرب ، فلا يخرج عن مدلول اللسان العربي ، والمدلول للإيمان في اللسان العربي هو التصديق ، بل ووقع في القرآن على هذا المعنى ) وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ( آية يوسف ، أي بمصدق لنا .
ب- الكرامية: وسموا كذلك لأن إمامهم يسمى محمد بن كَرَّام الذي اخترع لهم المسألة وأقام عليها الأدلة فاتبعوه .
حد الإيمان عندهم: الإيمان كلمة من قالها فهو مؤمن ومن قالها نجا .
دليلهم على ذلك: قول النبي r: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ) )، وقول الله تعالى: ) ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ( ، فقالوا: أثبت لهم وصف الإيمان بالكلمة ، وقول الله تعالى: ) وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها( ، فقالوا: إن التقوى كلمة حتى إنه لم يجعل التصديق شرطا .
وهذا المذهب يلزم منه تسويغ النفاق .
جـ- عامة المرجئة والماتوريدية:
حد الإيمان عند عامة المرجئة: أن الإيمان تصديق وما يلزم له من إقرار أي يصدق ويشهد أن لا إله إلا الله .
دليلهم على ذلك: قوله تعالى: )وما أنت بمؤمن لنا ( ، وقوله تعالى: ) ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا( ، فلا بد من التصديق لأنه لا يستقيم إيمان من لا يعرف ومن لا يصدق ، فمن لم يصدق فهو مكذب ، وكل مكذب كافر ، فلا بد من التصديق ، ولا بد أن يقر بما صدق حتى يعلم بما صدق به ، فلا بد من الإقرار .
وقالوا: أما العمل فهو من شرائع الإيمان وليس من الإيمان في شيء .
الماتوريدية:
سموا بذلك لأنهم أتباع محمد بن محمد بن محمد بن منصور الماتوريدي ، ولقب بذلك لأنه كان من بلد تسمى ماتوريد . وهم قالوا بقول حماد بن أبي سلمة شيخ أبي حنيفة ، وحماد بن أبي سلمة من أتباع التابعين ، وأبو حنيفة تلميذه النجيب في العقيدة بالذات ، فقال بقوله في ذلك .
فأبو حنيفة يعتبر ماتوريدي باعتبار أنه نهج المنهج الذي عرف بهذه الفرقة فيما بعد .
حد الإيمان عندهم: أن الإيمان هو التصديق والإقرار ، وقالوا: إن فاعل الطاعة ممدوح ، وفاعل المعصية مذموم ، فعندهم أن التصديق والإقرار إيمان كامل ، وإذا عمل بطاعة فهو ممدوح ، وإذا عمل بمعصية فهو مذموم ، وقد سماهم ابن تيمية مرجئة أهل السنة لأنهم شابهوا أهل السة في ناحية وشابهوا المرجئة في ناحية ، فشابهوا أهل السنة في أن فاعل الطاعة ممدوح وأن فاعل المعصية مذموم ، ومذهب أهل السنة في الأعمال أنها مؤثرة في الإيمان يزيد بها وينقص بها ويكاد العبد يصل بها إلى الكفر أي بسببها ، وشابهوا المرجئة في أن الإيمان تصديق وإقرار .
دليلهم على ذلك: أي على أن الأعمال لا تدخل في الإيمان: قوله تعالى: )الذين آمنوا وعملوا الصالحات( ، فقالوا: إن هذا دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان ؛ لأنه عطف بين الإيمان وما يغايره ، ولكن الصحيح أن الواو ليست هنا للمغايرة ، ولكن من باب عطف الخاص على العام ، وكذلك الواو لا تأتي دائما للتسوية ، إذًا العطف هنا لتخصيص ذكر الأعمال لفضيلتها التي هي من الإيمان .
وقد قال جمهور الفقهاء بقول الماتوريدية من ناحية إخراج العمل من الإيمان مع جعل صاحب الطاعة ممدوح وصاحب المعصية مذموم ، بشرط بعدوا به عن خصيصة الإرجاء وهو أن صاحب الكبيرة ليس بكافر .
مذهب أهل السنة
قالوا: إن الإيمان تصديق وإقرار وعمل حتى نشأ من مذهبهم المقولة المشهورة عندهم وهي أن الإيمان اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان .
لماذا لا بد أن يكون العمل من الإيمان ؟
1-لمدلول القرآن على ذلك ، قال الله تعالى: )إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا ( آية الأنفال .
2-من السنة: وفد عبد القيس ، وهو حديث مشهور جدا عند البخاري ، جاءوه فقالوا: يا رسول الله ، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام ، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر ، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة ، وسألوه عن الأشربة ، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان وحده ، قال: (( أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ ) )قالوا: الله ورسوله أعلم ، قال: (( شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تعطوا من المَغْنَم الخُمس ) )، وقول النبي r: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) )، وكذلك هناك من الأحاديث ذكر فيها نفي الإيمان عن تارك العمل ، مثله (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) )، والدليل في هذا الحديث على أن الأعمال من الإيمان أنه نفى الإيمان عن الذي وقع في المعصية أي عمل الزنا وترك عدم الزنا ، فأن تصلي فهذا عمل ، وأن تترك الزنا فهذا عمل ، فالترك عمل والأداء عمل
أحمد العساف
تتميزُ أمةُ الإسلامِ بتعدادِها الضخمِ وكثرةِ الشبَّان والأطفالِ خلافًا للأممِ الكافرةِ الهرمة؛ كما تختصُ الأمةُ المحمدية بتعدُّدِ مجالاتِ خدمةِ الشريعةِ الإسلاميةِ وكثرةِ ميادينِ البذل والعطاء والجهادِ إضافةً إلى رغبةِ السوادِ الأعظمِ من جماهيرِ المسلمين تقديمَ شيءٍ لصالحِ دينهم ومجتمعاتهم، وهي رغبةٌ ملحةٌ لدى الكثيرين أيًَّا كان مستوى تدينِهم لعظمِ أثرِ العاطفةِ الدينيةِ على أغلبِ المسلمين ، وما أكثرَ ما يترددُ سؤالِ الملهوفين بصيغٍ مختلفةٍ عن كيفيةِ خدمةِ هذا الدين . وإنَّ هذا الشلالَ المتدفقَ من الطاقاتِ والقدراتِ لجديرٌ بالاستغلال ضمنَ مشاريعِ الأمةِ الإسلامية حتى لا يضيعَ هباءً أو نهبَ قُطَّاعِ الطرقِ من أهلِ الشبهِ والشهوات.