فهرس الكتاب

الصفحة 2462 من 3028

إعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

الشيخ محمد مهدي الآصفي - 8 / 12 / 2006م - 10:38 ص

الوراثة الحضارية هي انتقال القيم والافكار والرؤى والاعراف والاخلاق من جيل الى جيل، ولهذه الوراثة قوانين واصول كما للوراثة في النبات والحيوان والانسان.

وبموجب هذه القوانين تنتقل الحضارة من جيل الى جيل، فيبدا الجيل الجديد حياته من حيث انتهى الجيل السابق وليس من الصفر. وعبر هذه العوامل انتقل الينا هذا التيار الحضاري الكبير من عصر آدم وعصور ابراهيم ونوح وموسى وعيسى ورسول اللّه. ونحن قطعة من هذا الماضي العريق، وفرع من تلك الجذور الممتدة في عمق التاءريخ، تلقينا هذه القيم والمعارف عبر قنوات الوراثة الحضارية من جيل الى جيل، ومن المؤكد ان سلامة هذه الجسوروالقنوات تسرع عملية انتقال الحضارة من جيل الى جيل، كما ان تعطيلها وخرابها يعرقل الصلة بين الاجيال. ولو توقفت هذه الجسور بصورة نهائية عن اداء دورها الحضاري في المجتمع لانقطع الجيل اللاحق عن الجيل السابق، انقطاعاكاملا. واهم هذه القنوات والجسور:

1-البيت.

2-المدرسة.

3-المسجد.

وعبر هذه الجسور الثلاثة تحركت الحضارة الالهية ووصلت الحاضر بالماضي والخلف بالسلف، وبسبب الدور الكبيرالذي يقوم به البيت والمدرسة والمسجد، في عملية الاتصال الحضاري، يعط ي الاسلام اهتماما كبيرا لهذه المراكزالثلاثة وبنائها واعمارها. وفي ما يلي توضيح موجز لهذه القنوات الثلاث.

1-البيت ونقصد بالبيت: الاسرة. ودور الاسرة، في نقل المواريث الحضارية الى الجيل الصاعد، كبير. والانطباعات الاولى التي تنطبع عليها شخصية الطفل تتكون في داخل الاسرة، وتبقى هذه الانطباعات ذات تاءثير فعال في شخصية الانسان في مستقبل حياته.

يقول امير المؤمنين لولده الامام الحسن المجتبى:

«وانما قلب الحدث كالارض الخالية، ما اءلقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالادب قبل اءن يعشو قلبك، ويشتغل لبك» .

ولسلامة بناء الاسرة اثر كبير في سلامة تربية الابناء، كما ان لفسادها دور كبير في افساد الجيل الناشىء وتخريبه.

روي عن رسول اللّه:

«ما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة الا كان خراب» .

وبعكس ذلك الاسرة الصالحة، فهي قادرة على اداء دور فعال في بناء الجيل ونقل القيم والمواريث الحضارية الى الجيل الذي ينشاء في احضانها.

ولنستمع الى امير المؤمنين يشرح لولده الحسن المجتبى كيف نقل اليه خلاصة خبراته ووعيه للحضارة والتاءريخ:

«اي بني، اني وان لم اكن عمرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في اعمالهم وفكرت في اخبارهم وسرت في آثارهم،حتى عدت كاءحدهم، بل كاءني بما انتهى الي من امورهم قد عمرت مع اولهم الى آخرهم... فعرفت صفو ذلك من كدره،ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل امر نخيله، وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله» .

ويتحدث امير المؤمنين عن الجو العائلي الذي احتضنه بالتربية والرعاية وهو صغير، وما تركت هذه التربية والرعاية العائلية في بناء شخصيته من اثر:

«وقد علمتم موضعي من رسول اللّه بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وانا ولد، يضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل... ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لي في كل يوم من اخلاقه علما، وياءمرني بالاقتداءبه، ولقد كان يجاور كل سنة بحراء فاءراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد في الاسلام غير رسول اللّه وخديجة وانا ثالثهما، ارى نور الوحي والرسالة، واشم ريح النبوة» .

2-المدرسة واقصد بالمدرسة المراكز والوسائل التثقيفية في مختلف مراحلها، والجهاز البشري الذي يتولى تثقيف الناشئة وتعليمها..

وهذا حقل واسع يشمل المدرسة والكتب والمناهج والمدرسين والفعاليات الثقافية والتربوية والخط والحرف واللغة والثقافة والاعلام والصحافة وغير ذلك.

والمدرسة، في هذا الاطار الواسع، تعد من اهم الجسور التي تقوم بعملية نقل المواريث الحضارية من جيل الى جيل وربط الاجيال بعضها ببعضها الاخر، ووصل الجيل الصاعد بالجيل الهابط.

واذا كان الانسان يتلقى الانطباعات الاولى في حياته من البيت، فان المرحلة الثانية من هذه الانطباعات تتكون في عقله ونفسه في المدرسة.

وقد ورد في النصوص الاسلامية تاءكيد كثير على قيمة المعلم واحترامه.

عن ابي جعفر، قال: قال رسول اللّه:

«ان معلم الخير يستغفر له دواب الارض وحيتان البحر وكل ذي روح في الهواء وجميع اهل السماء والارض» .

وعن ابي عبداللّه الصادق:

«من علم خيرا فله بمثل اجر من عمل به. قلت: فان علمه غيره، يجري ذلك له؟ قال: ان علم الناس كلهم جرى له.

قلت:وان مات؟ قال: وان مات».

وعن ابي عبداللّه، قال: قال رسول اللّه:

«يجيء الرجل يوم القيامة، وله من الحسنات كالسحاب الركام او كالجبال الرواسي، فيقول: يا رب انى لي هذا ولم اعملها؟ فيقول: هذا عملك الذي علمته الناس يعمل به بعدك» .

وعلم عبد الرحمن السلمي ولدا للحسين سورة الحمد، فلما قراها على ابيه اهدى الامام للمعلم مالا كثيرا وحلية كثيرة وحشا فاه درا. فقيل له في ذلك، فقال:

«واين يقع هذا من عطائه - يعني تعليمه» .

3-المسجد والجسر الثالث من الجسور الثلاثة: المسجد، وهو، في الاسلام، مركز للعبادة والتوجيه الفكري والاخلاقي والسياسي،وللتعاون على اعمال الخير والبر، وله دور مركزي ورئيسي في الفعاليات والاعمال التي تقع في هذه الدائرة.

والنص التالي يكشف عن قيمة المسجد ودوره في المجتمع الاسلامي: عن امير المؤمنين علي: «من اختلف الى المسجد اصاب احدى الثمان: 1- اخا مستفادا في اللّه. 2- او علما مستطرفا. 3- او آية محكمة. 4- او رحمة منتظرة. 5- اوكلمة ترده عن ردى. 6- او يسمع الى كلمة تدل على الهدى.

7-او يترك دنيا خسيسة. 8- او حياء».

وقد كانت المساجد، في التاءريخ الاسلامي، مدارس للفكر والثقافة، ومنابر للتهذيب والتربية ومواقع للحركة والثورة والعمل الاجتماعي والسياسي، ومن انشط المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية في حياة المسلمين.

وكانت تقوم بمهمة اساسية في نقل مواريث الحضارة الاسلامية من جيل الى جيل.

كما كانت معقلا من امنع معاقل الفكر والقيم الاسلامية، وفي هذا المعقل استطاع المسلمون ان يحفظوا تراثهم الفكري والحضاري من غارة العدوان الجاهلي.

مؤسسة الحوزة العلمية ولكي يمارس المسجد دوره، في خدمة الامة، وفي نقل المواريث الحضارية بقوة وفعالية، لابد له من روافد بشرية وثقافية لتاءمين حاجة المسجد الى العلماء والخطباء والموجهين الذين يقومون بدور التوعية والتحريك في المجتمع الاسلامي من خلال هذه المؤسسة (المسجد) .

وهذه المهمة تتطلب وجود جامعات اسلامية (حوزات علمية) مهمتها تخريج المتخصصين في شؤون الثقافة الاسلامية.

ولابد من ان تنفر طائفة من المسلمين ليتعلم افرادها هذه الثقافة بصورة اختصاصية، وليقوموا بهذا الدور التوجيهي الحساس في المجتمع، انطلاقا من قوله تعالى:

(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذارجعوا اليهم لعلهم يحذرون) .

وعليه فان «مؤسسة المسجد» تشمل هذه المؤسسات الثقافية التي نصطلح عليها بالحوزات العلمية، والمؤسسات التابعة والمقومة للحوزات العلمية كالمرجعية ومنصب الافتاء ومنابر التوجيه والوعظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت