فهرس الكتاب

الصفحة 1215 من 3028

ألا وصلّوا وسلّموا ـ رحمكم الله ـ على الرحمةِ المهداة والنعمة المسداة نبيِّكم محمّد بن عبد الله، فقد أمركم بذلك ربّكم جلّ في علاه فقال تعالى قولًا كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياءِ والمرسلين نبيِّنا محمّد بن عبد الله، وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين وأزواجه الطاهرات أمّهات المؤمنين وعنا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين...

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3476)

عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي

عنيزة

جامع السلام

الخطبة الأولى

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى.

أيها الإخوة المؤمنون، إذا كنا قد تحدثنا عن شيخ على كرسيّ الإعاقة ارتفع بهمّته إلى الدعوة والجهاد وحرّك الأمة باستشهاده، فتعالوا لنتحدّث عن أمّة أضحت قعيدةً على كرسيّ الهوان، مشلولة الهمة، مسلوبة الإدارة، تتلهّى بالأباطيل.

أنقلكم اليوم إلى حديث عن مشكلة تؤرّق الأذهان، وتؤذي الأسماع، لا سيما أولئك الذين عافاهم الله من متابعة مثل هذه المنكرات ونجت بيوتهم من مثل هذا الفساد الذي عمّ وطمّ، لكننا نحاول بحديثنا إبراء ذمّتنا جميعا بإنكار هذا الأمر والتبرّؤ منه ومن أهله، علّ ذلك ينجينا من عقوبة الله وعذابه وفتنته التي قد لا تصيب الذين ظلموا منّا خاصة، وسعيًا لتحقيق معنى الإيمان وعدم لبسه بالظلم لنحصّل الأمن والهداية، والله وحده المستعان وعليه التّكلان.

أيّها الأحبة، عند تدبّر كتاب الله والتأمل فيه نرى فيه نهيا وتحذيرا عن الفساد، ومن أعظم الفساد إضلال الناس في أخلاقهم وتشكيكهم في دينهم، وهو خلق المنافقين وسبيل المجرمين الذين إذا قيل لهم:"لا تفسدوا في الأرض"قالوا:"إنما نحن مصلحون"، ألا إنهم المفسدون ولكن لا يشعرون.

أيها الإخوة، لطالما حذّر الدعاة والناصحون من خطورة البثّ المباشر والقنوات الفضائية التي تعبر حدودَنا وتغزو منازلنا، وركزوا على التحذير من مخاطر الغزو الفكري الصليبي والصهيوني عبر قنواتهم وإعلامهم الموجّه لمجتمعاتنا بنشر الإباحية والتنصير وأفكار التحرّر وترويج الفاحشة، لكن الذي حدث وبكل أسف أن ذلك الإفساد والتحلل جاء من قنوات عربية صرفة نعَم عربيّة التمويل واللغة والتفكير. ورحم الله المجاهد نور الدين محمود حين جلس عنده ذات مرة أحد رواة الحديث روى حديثا عن رسول الله متسلسلا بالتبسّم فقال له: تبسّم أيها السلطان، قال: والله، لا أتبسم والنصارى احتلّوا ثغر دمياط والمسجدُ الأقصى في الأسر.

الله أكبر يمتنع نور الدين رحمه الله عن التبسم في الوقت الذي أصبحت فيه دماء العلماء المجاهدين هدرًا للصهاينة، ودماء الشعوب رخيصة للأعداء بلا حساب، وفي الوقت الذي تعاني فيه الأمة انتكاسة في القيَم والمثل وضعفا في الدين، وتتجرّع مرارة الإغراق والتفكّك، وفي الوقت الذي تتذوّق فيه الأمة أنواعَ الهزائم النفسية والاقتصادية والسياسية، ويُشنّ عليها حرب لا هوادة فيها، وتحتل أراضيها وتنهب ثرواتها وتهدر دماء المسلمين رخيصة يوميّا في فلسطين وبلادِ الشيشان والأفغان والعراق مع ضعف وخور في المسلمين شعوبا وقادة.

في هذا الذي تحتاج الأمة فيه إلى إعلام يصلحها ويرفع من شأنها، فإذا بوسائل الإعلام في أمتنا تشن على الأمة حربا تقضي على ما تبقّى من خلق ودين. قنوات فضائية يملكها من يزعم أنه عربي مسلم، وقد ينتسب إلى هذا البلد، لكنهم يبثون فضائح أخلاقية ومسابقات غنائية، رقض على جراح الأمة النازفة ومآسيها المنتشرة التي تعرض صباح مساء، برامج فاسدة يباركها أعداء الأمة ومركّزة على الشباب والمراهقين؛ لأنها تريد إيجاد جيل مسلم متسامح مع أعدائه، غافل عما يصلح حاله، متناسٍ قضايا أمته ومقدساته التي تنتهك حرماتها. ويريد أولئك البغاة الذين يعتدون علينا في بيوتنا من خلال تلك القنوات الهابطة أن نميل إلى باطلهم عبر برامجهم التي تسحَق كل فضيلة عرفها أولادنا وتربّوا عليها، وتزيِّن في أعينهم الرذيلة، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] .

معاشر الإخوة، لا شك أنه من نعمة الله جلّ وعلا هذا التواصل في التقنيات الحديثة الذي نرى فوائده في عدد من المظاهر لا سيما الاتصالات، ولكن بدلا من شكر نعمة الله واستغلاها في الخير نرى سيطرةً للشر وأهله على تلك التقنيات، وتأكيدا على التفاهات، وتكريسا للتبعية للغرب الصليبي حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه وراءهم.

قنوات فضائية عربية تتنافس كلّ يوم في تقديم أنواع جديدة من الفساد، وفي بثّ حي للخلاعة والمجون، ولم يكفهم هذا بل ذهبوا يجمعون الشباب والشابات في برامج وأماكن واحدة لأغراض مختلفة لا جامع بينهما إلا الفساد والإفساد، وكثير من الناس عنهم غافلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يجمعون الشباب والبنات ليصوّروهم طوال ساعات اليوم في مشاهد مخزية تصوّر أكلهم ورقصهم وغناءهم واختلاطهم ولهوهم غير البريء وتنافسهم على فعل المنكرات، ومن يبرز منهم في تلك الأعمال المشينة هو الفائز الذي يتسابق الناس للصويت له، ويضعون أسفل الشاشة شريطا مكتوبا للتواصل يحتوي أخبث الكلام وأسقطه.

عباد الله، إنني لا أحدثكم عن برامج في أمريكا أو أوربا، بل إنها في بلاد الإسلام وبأموال المسلمين ومدعومة من رجال أعمال من بلادنا، نسأل الله لنا ولهم الهداية والسداد.

إن ما يدعونا لذكر مثل هذه البرامج على حقارتها تلك الإحصائيات المبكية للاتصالات الهاتفية بهم من قبل أناس يعيشون بيننا في بلداننا العربية، متناسين هموم أمتهم وقضاياها، حتى فاقت الاتصالات الثمانين مليون اتصال تصوّت لنشر الرذيلة وقتل الفضيلة، منها أحد عشر مليون اتصال من هذا البلد فقط. ثم انظر للدعم اللامحدود من قبل بعض الجهاتِ المسؤولة في بعض البلدان العربية ودعوة مواطنيهم للمشاركة فيها والتصويت لهذا أو تلك.

أيها الأحبة، إنها أمور مبكِية محزنة حين ترى أنّ قضايا المسلمين المصيرية والتصويت لها والتعاطف معها لم ينل مثل هذا التصويت لدعمها. كذلك يحزنك حين ترى أن اهتمام بعض مسؤولي البلاد العربية موجّه لمثل ذلك، متناسين دعم قضايا أمتهم وبلادهم، في تضييعٍ واضح للأمانة وإشغالٍ للشعوب عمّا يهمها في دينها وحياتها، وامتدادا لهذا الاستهتار بالقيم وجراح الأمة ينبري البعض لافتتاح قنواتٍ غنائية على مدى ساعات اليوم لا تبثّ إلا كلّ ما يسيء إلى الخلق والمرأة ويبثّ الدعارة المجانيّة على الهواء، وقنوات أخرى للأفلام والمسلسلات المدبلجة، أو لبرامج حوارية تثير الفتن بين الشعوب، ولا هدف لها إلا الإثارة، ولو كان ذلك على حساب تكفير العلماء الصادقين وتبديع الدعاة الناصحين.

إنها قنوات تعبث بالأخلاق، وينشر هذا البلاء ليصبح همّ الكثيرين لا سيما المراهقين متابعة مثل هذه البرامج ومشاهدة ما يحدث لفلان أو فلانة، حتى وصل ذلك إلى حديث في دور العلم وهي المدار س بين الطلبة والطالبات. ويزداد العبث حين يعلنون كلّ يوم عن افتتاح برامج وقنوات أخرى لا تحمل إلا ذات الأهداف، وكأن الأمة بحالتها هذه وجراحها الدامية بحاجة إلى مثل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت