عاشرًا: إن قضية (ثنائية التعليم) منذ المراحل الأولى للتعليم (رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية) قضية ما تزال مثارة ، والخلاف حولها ما يزال قائمًا ، فلماذا نتصرف على أنها قضية محسومة ؟ ولماذا هذا التدافع المحموم نحو اللغات ومدارس اللغات .
حادي عشر: إن نجاح الأمم يقاس بمبدأ: (التوازن الثقافي) الذي تحققه لنفسها ، وبقدر هذا التوازن بين كيانها وأصالتها من جانب وثقافات الآخرين من جانب آخر تكون قوتها وقدرتها على العطاء الإنساني الذي يكسبها الاحترام والوجود المتميز .
بقيت حقيقة أخرى نختم بها مقالنا وهي تتعلق بما يسمى دولة (إسرائيل) واللغة العبرية ؛ فقد استطاع اليهود أن يجعلوا لغتهم الأم ، (وهي العبرية) اللغةَ الدارجة السيّارة: في المدرسة والجامعة ، والحقل والمزرعة ، والمتجر والمصنع ، والشارع العام ؛ وهي لغة العلم والتعليم والإعلام والسياسة . وقد عاش اليهود على آمادٍ طويلة من الأحقاب يعملون بكل سبيل على أن تظل لغتهم حية تحتكّ بكل لغات
العالم ، لكي تبقى وتعيش لا لتفنى وتندثر . وفي كل بلد عاش فيه اليهود ، كانوا يتحدثون بلغتهم ، ويشاركون بأقلامهم في الإبداع الأدبي والعلمي بلغة هذا البلد ، ولكنهم داخل (الجيتو (الذي حرصوا على أن
يصنعوه لأنفسهم ، كانوا يتحدثون العبرية ويلقنونها أبناءهم . فهل نتنكر نحن للعربية ، ونذوب عشقًا وهيامًا في الآخرين ؟ إن العربية أعرق وآصل من العبرية ومن غير العبرية ، وأيادي العربية على العبرية وغيرها من اللغات يؤكدها التاريخ . والناشئةُ من أبنائنا أحوج في هذا العصر ، وأكثر من أي عصر مضى ، إلى أن يرتبطوا بلغتهم حبًا وولاءً . والعربيةُ بعدُ ارتبطت بكتاب سماوي خالد ، وارتبط بها ذلك الكتاب السماوي [*] . فهل تصحو ضمائرنا ؟ ! !
(1) أشار الكاتب في أول هذه الفقرة إلى تأييد مدارس اللغات ما دامت في إطار هدف سامٍ نابع من جذورنا وهويتنا ؛ وانطلاقًا من هذا المبدأ فإنه ينبغي ألا نقصر هذا النوع من الدراسة على الفئات التيأشار إليها الكاتب الكريم ما دامت هذه المدارس تسير وفق خطة واضحة المعالم تخدم الأمة وتسهم في تحقيق تطلعاتها ، وتحول بينها وبين إضعاف اللغة الأم - البيان - .
(2) وانظر: الطفل العربي واللغات الأجنبية (سلسلة عالم العربية ، الرياض 1993م) ، تأليف د نادية أحمد طوبا ، ص 39 ، 83 ، دار النشر الدولي بالرياض .
(3) وانظر: الطفل العربي واللغات الأجنبية (سلسلة عالم العربية ، الرياض 1993م) ، تأليف د نادية أحمد طوبا ، ص 39 ، 83 ، دار النشر الدولي بالرياض .
(*) أرجو أن أتفرغ لدراسة منهجية أصيلة حول هذه الفكرة ؛ والله أسأل التوفيق والسداد .
(( مجلة البيان ـ العدد [ 122 ] صـ 18 شوال 1418 ـ فبراير 1998 ) )
مجلة البيان - (ج 81 / ص 80)
محمد لانج صار
تعتبر إفريقيا إحدى مناطق الصراع العقائدي في القرن العشرين ، فقد شهدت
هذه القارة خلال هذا القرن صراعًا عقائديًا مريرًا لم تشهده في سابق تاريخها ،
ويدور هذا الصراع بين الإسلام الذي يحرص على ترسيخ دعائمه في ربوع القارة ، والنصرانية التي تسعى للتغلغل فيها على حساب الإسلام واليهودية التي يقل وجودها في القارة بالنسبة لغيرها ، ولكنها تعمل كادحة لفك العزلة التاريخية التي طال أمدها بينها وبين شعوب المنطقة ، إلى جانب مذاهب فكرية ونحل باطلة تبث سمومها الفتاكة بين كل ذي عقيدة ودين .
وتوجد عوامل عدة وراء هذا الصراع العقائدي الذي تشهده الساحة الإفريقية ،
تتلخص فيما يلي:
1-الاتصالات المتبادلة بين شعوب القارة الإفريقية والشعوب الأخرى:
حيث تؤكد الدراسات السكانية أن هناك ارتفاعًا مطردًا في الهجرة السكانية من
وإلى القارة الإفريقية ، ولا شك أن الاحتكاك بين الشعوب ينتج عنه نوع من الغزو
الفكري والثقافي والعقائدي ، إذ لابد من التأثير أو التأثر أو كليهما معا ، فإذا كان
الإسلام قد دخل إلى إفريقيا ، وانتشر فيها عن طريق الاحتكاك بين الأفارقة وغيرهم
وبخاصة التجار العرب فكذلك النحل والعقائد والمذاهب الفكرية الأخرى الدخيلة التي
لم يكن لها وجود في القارة إنما جاءت عن طريق الوافدين للقارة وعلى رأسهم
المستعمرون الغربيون .
2-تنازع الدول الاستعمارية في مصالحها داخل القارة الإفريقية:
فالاستعمار الغربي لإفريقيا قد صاحبته محاربة شديدة للإسلام من جانب ،
والترويج للنصرانية والعقائد والمذاهب الفكرية الباطلة من جانب آخر ومازال
الغربيون يمارسون هذه السياسة ؛ لتصورهم بأن الإسلام قنبلة موجهة ضد الغرب ،
واعتقادهم بأن في انتشار الإسلام في إفريقيا تهديدًا لمصالحهم وأطماعهم الاستعمارية، ومن هنا ندرك الأسباب التي تدفع الغرب إلى مساعدة الكنيسة العالمية بشتى
مذاهبها ، ودعم مؤسساتها التعليمية والاجتماعية والمالية في القارة الإفريقية ، حيث
أصبحت الكنيسة بعد إفلاسها في الغرب مجرد سلاح غربي لمحاربة الإسلام .
3-إفلاس الكنيسة أمام الحضارة الغربية:
فبعد إفلاس الكنيسة في الغرب ، وفشلها في تكوين الإنسان الغربي تكوينًا
روحيًا يتمشى مع حضارته المادية ، تنكر الإنسان الغربي للكنيسة وانصرف عنها
باعتبارها عائقًا كبيرًا في طريق التطور والتقدم الحضاري وبخاصة بعد فضائح
رجال الكنيسة في القرون الوسطى ، وظهور استغلالهم للدين ، ومن هنا جرّت
الكنيسة ذيل الهزيمة في أوروبا متجهة إلى إفريقيا حيث توجد ظروف وعوامل عدة
كالفقر والأمية والوثنية يمكن أن تستغلها لنشر مبادئها والتغلغل فيها على حساب
الإسلام ، ويؤكد ذلك الاهتمام البالغ الذي توليه الكنيسة للقارة الإفريقية في هذا القرن، والزيارات البابوية المتعددة إلى دول إفريقيا ، وما يسود الآن من فكرة أفرقة
القساوسة لتولي المناصب في الكنيسة الكاثوليكية ، والاقتراح المقدم إلى الفاتيكان
بأن يتولى أحد الأفارقة السود منصب البابوية في المستقبل .
4-تزايد الوعي الإسلامي لدى مسلمي القارة الإفريقية:
فبفضل الله وبما من به من الوعي الإسلامي المتزايد لدى مسلمي إفريقيا
وانفتاحهم نحو الرؤية الشمولية للإسلام ، أصبح كثير منهم يقاومون أشكال التنصير
التي لم يكن المسلم الإفريقي يفطن وينتبه لها ، وقد نشأت في مختلف أنحاء القارة
الإفريقية حركات إسلامية تتزعم هذه المقاومة .
مظاهر الصحوة الإسلامية في إفريقيا:
هناك ، وفي وسط الصراع العقائدي المرير تشهد القارة الإفريقية صحوة
إسلامية عارمة ، حيث يتزايد المد الإسلامي فيها باطراد رغم كل المخططات
الصليبية الرامية إلى تنصيرها والحيلولة دون انتشار الإسلام فيها ، وهذه الصحوة
تتخذ مظاهر عدة منها:
(أ) انتشار المدارس الإسلامية في ربوع القارة:
فما من شك في أن المعاهد الإسلامية والعربية التي يزداد عددها يومًا بعد يوم
في مختلف الدول الإفريقية تساهم مساهمة فعالة في نشر الإسلام وتوعية المسلمين ،
وهي تزود الصحوة الإسلامية في القارة الإفريقية بالثقافة اللازمة لنضجها
واستمراريتها ، ولاسيما بعد أن انخرط في السلك التعليمي لهذه المدارس أصحاب
الاتجاه الإسلامي من الشباب المسلم المتخرج من الجامعات الإسلامية .
(ب) ظاهرة التزايد المستمر في عدد الكتاتيب ومراكز تحفيظ القرآن الكريم:
ويلاحظ أن هناك عودة إلى نظام الكتاتيب ومراكز وخلاوي تحفيظ القرآن
الكريم في عديد من الدول الإفريقية ، فقد انتعشت الخلاوي القديمة التي كانت قد