أولئك الذين يعانون إرهاقًا شديدًا ، ومع هذا يصرّون على احتمال هذا الإرهاق ، بسبب تصورهم الواهم عن هذه المدارس ، وما تصنعه لأبنائهم من مستقبل زاهرٍ مضيء .
وأمام المنافسة الشديدة لهذه المدارس ، وأمام رواجها المتزايد ، اضطر بعض أصحاب المدارس الأهلية ، التي أخذت على عاتقها تكثيف الجانب الإسلامي في الإعداد والتدريس ، نقول: اضطرّت هذه المدارس الأهلية إلى أن تصدِّر إعلاناتها ولافتاتها بعبارات مثل: (تعلّم الإنجليزية) أو (مدارس ... الأهلية الإسلامية للغات) .
والأعجب من ذلك والأخطر أن المسؤولين عن التعليم في هذه البلدان يقفون صامتين أمام تلك الظاهرة ، ويشاركهم صمتهم الجمهرة الغالبة من خبراء التربية . وقصارى ما يفعله الخبراء أن يكتبوا بحثًا عن (الثنائية اللغوية في المرحلة الابتدائية) ، بين مرحِّب ورافض ، وحتى إن بعض أولئك الرافضين يتحدثون عن هذه الثنائية من ناحية القدرات دون أدنى تعرّض للخطر الداهم الذي تتعرض له الأمة نتيجة هذا الغزو الداهم لكيانها وهويتها ، ممثلًا في الناشئة .
وهكذا ، فإن هذا النمط من المدارس الذي يتكاثر ويتفاقم ، ويستجيب لاندفاع جماهير الناس في موجاتٍ محمومة يوشك أن يكون الأصل والأساس ، وأن تصبح (المدارس العربية) عنصرًا طفيليًا دخيلًا ، يفقد بالتدريج مقومات وجوده بل ومسوغات استمراره في ساحة التعليم .
ومع الاندفاع المحموم نحو (مدارس اللغات) ، وأمام تكاثرها المتزايد ، بدأفريق من رجال الأعمال والمستثمرين يشاركون في تأسيس هذه المدارس ، ولا همّ لهم إلا تحقيق الكسب المادي ؛ والغريب المثير أن هذه الفئة لا صلة لها أصلًا بحقل التربية والتعليم ، فبعضهم من التجار ، والآخر من أصحاب المشاريع الصناعية .
ذريعة مدارس اللغات:
ولكن ما هي الذريعة التي يتشبث بها المؤيدون لهذا النمط من المدارس ، سواء في ذلك الآباء أو التربويون ؟
وجوابهم هو: أن المستقبل والحاضر يقفان إلى جانب اللغات ؛ فها هو العالم قد تحول إلى قرية صغيرة مفتحة النوافذ ؛ مما يفرض تعلم لغة أجنبية واحدة على الأقل يستطيع الإنسان من خلالها أن يتصل ويتواصل ، وأن ينفتح على المستجدات المتسارعة في المجالات المعرفية والتقنية ، وأن الاقتصار على اللغة الأم يعني العزلة والانغلاق ، وحتى يستطيع إنسان العصر المتجدّد أن يحافظ على بقائه ، فإنه ينبغي عليه أن يتواصل مع الآخرين .
ونودّ قبل أن نردّ على أصحاب هذه الذريعة ، أن نقرر حقيقة هامة: وهي أننا لا نعارض قط مبدأ تعلم اللغات الأجنبية ، ولا نؤيد قط مبدأ الاقتصار على العربية لغتنا الأم ، سواء في عصرنا أو في عصرٍ سبق أو عصر لاحق ؛ ولكننا نقرر جملةً من الحقائق نفند بها ذرائع المؤيدين لمدارس اللغات ، ونوجزها فيما يلي:
أولًا: نحن نؤيد تجربة اللغات ومدارس اللغات ، شريطة أن تكون هذه التجربة في إطار هدف سامٍ نابع من هويتنا وجذورنا ، وشريطة أن نُخضع هذه التجربة لنظام دقيق ؛ بحيث لا يسمح لها بالانفلات والتكاثر المحموم ، وشريطة أن يتوافر لها العناصر القادرة المدرّبة: تدريسًا وتوجيهًا وإدارةً ، وأن تقتصر على أبناء المبتعثين العائدين من دول أجنبية ، أو من في حكمهم من أبناء الأجانب: أعضاء البعثات الدبلوماسية ، ورجال الأعمال [1] .
ثانيًا: لِنكنْ واقعيين مع أنفسنا ، ومع الواقع ذاته ولْنتساءلْ: هل استطاعت الأسر التي ألحقت أبناءها بهذه المدارس أن تتابع أبناءها ؟ وهل لدى غالبية تلك الأسر القدرات اللغوية التي تمكنهم من تلك المتابعة ؟
ثالثًا: هل استطعنا أن نحسم قضية تعريب كليات الطب والعلوم والهندسة ، حتى نضيف إلى القضية قضايا أخرى ؟
وللأسف الشديد فإننا نصرّ على المغالطة وإغماض أبصارنا وبصائرنا عن الحقيقةِ والواقعِ ، والحقيقةُ والواقعُ أن طلابنا في كليات الطب مثلًا وكذلك أطباؤنا يجدون صعوبات جمّة تحول دون الاستيعاب الحقيقي للمادة الطبية ، لا فرق في ذلك بين من حصل على (الثانوية العامة) من مدارس عربية أو مدارس اللغات .
رابعًا: وضع اللغة العربية: للغتنا الأم ، وضعٌ مقلق مزعج إلى أبعد الحدود ؛ والدليل واضح ماثل لكل ذي بصرٍ وبصيرة ؛ فطلابنا يعانون ضعفًا مزريًا في لغتهم الأم ، وقد بدت الشكوى متزايدة من هذا الضعف ، فخريجو الجامعات ضعاف في اللغة العربية ، لا فرق في ذلك بين خريجي أقسام اللغة العربية ومعاهدها ، وبين غيرهم ، والأغلاط اللغوية في الكتب والصحف متفشية . وهذا الضعف ليس في أساسيات اللغة العربية ومهاراتها فقط بل يمتد إلى معارفها وثقافاتها المتصلة بها . فكيف نضيف إلى ضعفنا في لغتنا الأم ضعفًا في سائر اللغات ؟
خامسًا: نشير هنا إلى رأي فريق من علماء التربية لا يستهان به ؛ فالبعض يؤكد أن ثمة ظاهرةً تسمى ظاهرة: (الاعتماد أو التوافق المتبادل Interdependence ) بين اللغة الأم واللغة الأجنبية ، مما يؤثر في إتقانهما معًا ؛ فالطفل الذي يتلقى دروسًا في لغة ثانية (أجنبية) ، قبل أن يتقن لغته الأولى لن يتقدم في هذه أو تلك [2] .
سادسًا: يقسّم بعض علماء التربية الثنائية اللغوية إلى نوعين: (الثنائية اللغوية الطارحة ، والثنائية اللغوية الجامعة) فالأولى هي تلك التي تسود بين أطفال يتهدد لغتهم الأم خطر الاندثار ، وأما الثانية فهي تلك التي تسود بين أطفال تتمتع لغتهم الأم بقدرٍ كبيرٍ من الرسوخ والتفوق .
والسؤال: إلى أي النوعين تنتمي الثنائية اللغوية في ظل ما يسمّى بمدارس اللغات ؟
نضيف إلى ما تقدّم حقيقة تربوية لا يختلف عليها التربويون برغم اختلافهم حول قضية (الثنائية اللغوية) ، هي: (أنه كلما ازداد أساس اللغة الأم رسوخًا ، واستمرت في تطورها ازدادت القدرة على اللغة الثانية) [3] .
سابعًا: يتشبث المتحمسون لمدارس اللغات بمنطق مغلوط معكوس ؛ فالمعلوم من واقع التاريخ الإنساني أن المجتمع لا يحافظ على بقائه في عالم مفتّح متواصل ، بالحفاظ على هوية الآخرين والذوبان المطلق فيهم ، ولكن بحفاظه على هويته أولًا ، وتحصين ذاته ضدّ عوامل الفناء والاندثار ؛ فإن صنع الإنسان العكس ، فقد غالط طبيعة الأشياء ، ورضي لنفسه أن يكون التابع الذليل .
وإذا راجت بيننا اليوم مقولة أن (لا مكان في عالم اليوم لمن لا يتسلح باللغات) ، فإن الأصحّ من هذه المقولة أنه (لا مكان لمن يدخل بيوت الآخرين ، بعد أن نسف بيته ، وأتى على بنيانه من القواعد) .
ثامنًا: نؤكد ونحن مضطرون للتكرار أننا لا نرفض مبدأ تعلم اللغات ، ولكن شريطة أن يكون هذا المبدأ مؤسسًا على أهداف وثيقة الصلة بوجودنا وكياننا وأصالتنا ، ومرتبطًا بخطة مدروسة لا تتجاهل واقع مدارس اللغات ، وحصاد هذه التجربة بعد اتساعها واستفحالها ، على أن نخضع ذلك كله لدراسة علمية فاحصة ،
تسبر الواقع ونتائجه دون تجاهل أو تعصب .
تاسعًا: ليس من اللازم اللازب لكي نحقق مبدأ التواصل مع عالمنا وعصرنا أن نترك الحبل عل غاربه لمدارس اللغات ، وأن يُرهق أبناؤنا وبيوتنا ماديًا ونفسيًا ؛ إذ يكفي أن ندعِّم مقررات اللغات الأجنبية (اللغة الثانية) في المرحلة المتوسطة (الإعدادية) ، وأن نعمل على تطويرها ، مع الملاحقة والمتابعة لمقررات اللغة العربية ، بالتطوير والدعم المستمر وتدريب المختصين بها: معلمين وموجهين ، وإخضاع الكتب المقررة للدراسة الدائمة في ضوء مرئيات التلاميذ والمعلمين وأولياء الأمور وسائر من ينبغي الاستئناس بآرائهم من الخبراء وأساتذة التربية .