فهرس الكتاب

الصفحة 2076 من 3028

ومن ناحية أخرى نلاحظ أن مستوى اللغة الدرامية في بدايات نصف القرن الأخير، بل وفي النصف الأول منه، كانت تتميز بالوضوح والدقة والرقيّ، ولكنها في العقود الأخيرة أخذت طابع الغرابة والابتذال والافتعال، وامتلأت بكثير من مفردات البذاءة والسباب والسوقية بوصف ذلك تعبيرًا عن الواقعية في الأداء، ويمثل حالة من الصدق في نقل أحوال المجتمع، ولذا فإن ما نراه اليوم في لغة الشارع يمثل صورة من صور التردي غير المسبوقة في تاريخنا الاجتماعي بسبب التأثير الذي لا يمكن إنكاره للدراما السينمائية، وخاصة في عصر ما يعرف بسينما المقاولات.

? د. عبد العظيم المطعني:

الدكتور الخولي والدكتور القاعود وضعا لنا تأسيسًا متينًا نستطيع أن نسير عليه بكل سهولة في مسائل تطبيقية عن استغلال الفن ليس في العلمانية وحدها وإنما في جميع الأيديولوجيات المعادية للإسلام واتخاذه وسيلة للتشكيك فيه ـ بجعله مطلبًا استراتيجيًا دائمًا ـ أو القضاء عليه إن أمكن.. وقد يئسوا من الثانية؛ لأنهم كلما ضربوه ضربًا يقدرون أنه يفضي إلى الموت يجدونه يتحرك عملاقًا، لكن الذي لم ييأسوا منه هو التشكيك فيه، أو عزله عن بعض الفئات المسلمة غير المحصنة.

إضافة إلى ما قاله الأخوان حول اختيار الفن؛ لأن الفن فيما أعتقد هي لغة جميع الطبقات وجميع الأعمار، تصل بكل سهولة إلى البيوت، ويتفهمها الجميع ويتفاعلون معها؛ لأنهم يتفاعلون معها بكل حواسهم، وهنا يمكن أن يتقبلوا ما يهدم الإسلام.

أضرب لذلك مثالًا برواية (أولاد حارتنا) .. ففي النصف الثاني من القرن العشرين اشتدت عندنا وطأة الفن الإلحادي، وكان الذين يريدون ضرب الإسلام أذكياء وجبناء، وقد وضح ذلك في عدة أعمال منها (أولاد حارتنا) هذه القصة من قرأها بوعي وجد أن كاتبها قد وضع فيها بكل دهاء ما يريد أن يقوله في المستقبل؛ لأنه لا يستطيع أن يصرح بما يريد في بلد كمصر؛ إذ تحاول القصة بمكر إلغاء التاريخ النبوي كله ونفي وجود الله ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ وقد قسم قصته إلى سبعة فصول تحدث فيها عن «جبلاوي» فوصفه بما يوصف به البشر وبما لا يوصفون به، وبدؤه بهذا لأنه أراد أن يمحو العقيدة؛ لأنه إذا محا هذا الصرح القوي سهل بعده اللعب في أي شيء، ثم تناول بعدها في بقية الفصول إدريس «إبليس» ، وآدم «أدهم» ، وجبل «موسى» ، رفاعة «عيسى» ، وقاسم «محمد» ثم تحدث عن عرفة «العلم الحديث» ، وانتهت الرواية بأن العلم الحديث هو الإله الوارث لكل الفكر الديني؛ فلا شرائع ولا وحي وإنما العلم المادي بقوانينه قادر على تفسير الحياة وتدبير أمورها. هذا نموذج للممارسات العلمانية التي اتخذت الفن لهدم التاريخ النبوي كله وهدم العقيدة الإلهية، وأورثت الوجود لعرفة أو للعلم الحديث، وما فعله هنا نجيب محفوظ فعله غيره في أعمال أخرى. وبنفس الطريقة الخبيثة يجري تقرير كثير من المفاهيم العلمانية عبر الفن.

? أ - محمود خليل:

هذه السقطة التي سقطها نجيب محفوظ .. سقطها جيل كامل من الروائيين السوريين والمغاربة والمصريين ؛ ف ( أولاد حارتنا ) .. هي ( قنديل أم هاشم ) ليحيى حقي ، و ( انتصار العلم على العقيدة ) .. هي ( نهر الجنون ) لتوفيق الحكيم .. هي ( محمد رسول الحرية الثائر على العبيد ) .. وهي ( الحسين شهيدًا والحسين ثائرًا ) ... ، كان سقوطًا لجيل كامل ؛ لأن تلك الفترة كانت فترة مد ماركسي ، وكان الدافع الأول كما قال أستاذنا هو التشويش والشغب على العقيدة ليصبح بعد ذلك ما ينادون به واقعًا .

لكن أريد أن أنقل الكلام إلى الفنون المرئية باعتبارها صناعة تكنولوجية معقدة ، وإذا كانت الأقصوصة والرواية المسرحية والعمل الملحمي لها أصول عربية وأصول إسلامية .. فهذا لا نقاش فيه ، لكن الآن أصبحت هذه كمالئات الفراغ ، كالمحتوى للكمبيوتر .. مع دخول الآلة الجهنمية .. ومع دخول رأس المال القوي جدًا .. ومع دخول الأيديولوجيات العالمية المنظمة لمثل هذه الألعاب الشيطانية العالمية .. ومع وجود الحكومات الخفية في العالم أصبح الأمر أعقد وأكثر تركيبًا وغموضًا مما نظن .

نعم الرواية فن عربي ، والحكاية فن عربي . نحن أمة حكاءة وأمة تتلقى وتحفظ .. وأمة ذاكرتها في التلقي والإمتاع ، والاستماع فن أصيل عندنا ، لكن التوظيف المعاصر والتركيب الذي دخلت فيه هذه الفنون أصبح فنًا لا يمكن أن نقول إن لنا فيه ناقة أو جملًا ، نحن نتلقى ، وللأسف نتلقى ، ونعرف أننا نتلقى .. ونعرف أننا ضمن دائرة المؤامرة ، ونحسن التفسير التآمري لهذه الأحداث ولا نصنع شيئًا ؛ لأننا لا نملك أن ندخل الملعب الجهنمي العالمي الذي خطط ووزعت أدواره بعيدًا عنا ، ولا نملك إلا أن نكون في مقاعد المشاهدين المهزومين ، ليس هذا إلغاءً لدورنا ولكنه توصيف لواقع نبحث له عن حل مستقبلي ، والحل من وجهة نظري ليس في الخصام ؛ لأنه سيقتحم عليّ ، وسيدخل على الرغم مني .. الآن تم توزيع المناطق غزيرة الإشعاع في المنطقة الإسلامية ، واحتُل الفضاء كما احتُلَّتِ الأرض في اتفاقية: سايكس بيكو ، وسيقتحم الإرسال علينا دون حاجة إلى أطباق .

لا بد أن نبحث عن الحل إذا كنا نريد أن نحيا هذا الواقع ، وأن نعلن تحريرًا ولو جزئيًا لمعنوياتنا وعقولنا وتربية أبنائنا ، لا بد أن نكون شيئًا في عالم الكبار الذي يرفض الصغار ، ويرفض الأعمال الفردية مهما كانت همة أصحابها .. لا بد من عمل إسلامي عالمي يمثل رأس المال الركيزة الأولى فيه ، وأن تكون الأقمار الصناعية الإسلامية ليس لنقل مباريات الكرة ولا مهرجانات السينما ولا السياحة الترفيهية .

? د . عبد العظيم المطعني:

أتأذن لي بسؤال تجيب عليه ؛ باعتبارك إعلاميًا ؟ قلتَ إنهم هم يملؤون الفراغ ؛ ولو وجدوا فضاءنا مملوءًا لما ملؤوه ... باعتبارك إعلاميًا قد يكون المنتج لنماذج فن إسلامي موجود لكن هل تضمن له أن يملأ الفراغ أو يزاحم ما يسمى بالفن وهو ليس فنًا ولا أدبًا .. ؟ هذه هي مشكلتنا .

ولأن موضوع الندوة طويل، يقع في حوالي الأربعين صفحة، فقد قسمته قسمين، ما سبق هو القسم الأول، وسيأتي بعده القسم الثاني إن شاء الله تعالى

إعداد: وائل عبد الغني

ضيوف الندوة:

الدكتور/ مصطفى حلمي أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة.

الدكتور/ جمال عبد الهادي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة أم القرى سابقًا.

الدكتور الشيخ/ محمد بن إسماعيل المقدم الداعية المعروف وأخصائي الصحة النفسية وخريج كلية الشريعة بجامعة الأزهر الشريف.

الأستاذ/جمال سلطان - الكاتب الإسلامي المعروف ورئيس تحرير دورية (المنار الجديد) .

هويتنا الإسلامية: بين التحديات والانطلاق

نرى أن أفضل ترحيب بضيوفنا الكرام، أن ننزل عليهم ضيوفًا، ليُثروا قراءنا في قضية من أخطر قضايا العصر؛ ألا وهي (الهويّة) ..

أهمية الموضوع..

? في البداية نريد أن نحدد الهدف من الندوة لنصطحبه خلال تشعب الحديث بنا.

* د/جمال عبد الهادي:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت