إن الصِّدام المباشِر والمساس الواضِح أبلغ وأيقَظ للقلوب، وهذا يُبيِّن مدى خطورة الغزو الفكري، وأنه أخطر من الغزو العسكر وإن كان مُدمِّرًا؛ ذلك أن اليهود والنصارى يقولون في الله قولًا عظيمًا، ومع ذلك وُجِد من يُحبّهم أو يتعاطَف معهم، إلا أن هذا الذي صَدَر من نصارى الدانمارك أيقظ في الأمة قلوبًا غافلة أو مُستَغفَلة، فالنصارى قالت قولًا عظيمًا في الله من قَبْل ومن بعد، قالوا في الله قولًا عظيمًا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا. وما قالته النصارى في حقّ الله أعظم وأكبر، وقد أخبر الله وخبره الحقّ وقال وقوله الصِّدْق: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ.
وإن تلك الحملات الشعواء على الإسلام وأهله لم تُغيِّر قناعات الشعوب. إن ما يُقال أو يُثار ضدّ الإسلام أو ضدّ نبيِّه يسوء كل مسلم، إلا أنّ هذا الشرّ لا يَخلو من خير، هُم يُريدون أمرًا، والله يُريد أمرًا، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. دبّروا ومكروا وقلّبوا الأمور، فأبْطَل الله سعيهم، ووردّ كيدهم في نحورهم، وحاق بهم مكرهم. وهذه سُنَّة الله في نصر أوليائه وخُذلان أعدائه.
لقد سَعى المنافقون بكل حيلة، فَصَرّفوا الأمور، وأرادوها ظهرا لبطن وبَطْنًا لِظَهْر، وطلبوا بكل حيلة إفساد أمر رسول الله ، فَنَصَرَ الله نبيّه، وأظْهَر دينه، قال تعالى: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ، وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ أي: دَبَّرُوها من كل وجه، فأبْطَل الله سعيهم، كما قال ابن كثير:"يقول تعالى مُحَرِّضًا لِنبيه عليه السلام على المنافقين: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ، أي: لقد أعْمَلُوا فكرهم وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك وخُذلان دِينك وإخماده مدة طويلة؛ وذلك أول مَقْدَم النبي المدينة رَمَتْه العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته قال عبد الله بن أبيّ وأصحابه: هذا أمْرٌ قد تَوَجَّه، فَدَخَلُوا في الإسلام ظاهرا، ثم كلّما أعَزّ الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم، ولهذا قال تعالى: حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ"اهـ.
وقد أقسم النبي على نُصْرَة هذا الدِّين، فقال عليه الصلاة والسلام: (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدين، بِعِزّ عزيز، أو بِذُلّ ذليل، عِزًّا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر ) )رواه أحمد وهو صحيح. والله ليكونن هذا وإن رَغِمَتْ أنوف، والله ليُتمَّنّ الله نوره ولو كَرِه الكافرون.
وفي الأخير نقول: يا حكامَ المسلمين، إن الواجب الشرعي يُحَتِّم عليكم الغضبَ لرسولكم وأن تجتمعوا وتتخذوا القرار المناسب تجاه هذه الممارسات الظالمة، وليتذكّر كل واحد منكم أن هذا العدوان الآثم على رسولنا الكريم لو كان موجهًا لواحد منكم لأقام الدنيا ولم يُقعِدها غضبًا وانتقامًا، فليكن غضبكم وحَميَّتكم لرسولكم أكبر من غضبكم لأنفسكم ودنياكم، وتذكروا قول المصطفى: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) )، وفي رواية: (( من أهله وماله والناس أجمعين ) )أخرجه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه.
ويا علماءَ الإسلام ودعاةَ الملة، إن الواجب الشرعي يحتم علينا جميعًا أن نوظّف هذا الحدث توظيفًا إيجابيًا بتكثيف الجهود في دعوة الناس لدين الإسلام والتركيز على ثوابت الدين ومحكَماته، وفي مقدمة ذلك بيان عقيدة الولاء للمؤمنين والعداء للكافرين، وتجلية سيرة سيد الخلق إذ إن هذا هو الرد الناجع والمؤلم لأعداء الإسلام.
ونختم بدعاء عمر رضي الله عنه في القنوت: اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يُكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4676)
عبد العزيز بن محمد القنام
وادي الدواسر
جامع النويعمة القديم
الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ ، وشرَّ الأمورِ محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يدَ الله على الجماعة، ومن شذَّ عنهم فمات فميتته جاهلية.
أيها المسلمون، إن دينَ الإسلام دينُ الخير والعدلِ والإحسان، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ، دينُ الصلاح والإصلاح، يدعو إلى الخير وينهى عن الشرّ والفساد، وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا.
الفسادُ في الأرض إجرام، نهى عنه ربُّنا جلّ وعلا، وتتابعت رسُلُ الله وأنبياؤه ينهَون عن الفساد في الأرض، قال نبيّ الله صالح عليه السلام لقومه: وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ ءالاء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ، ونبيُّ الله شعيب يقول لقومه: وَيا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ، ونبي الله موسى يخاطب أخاه نبيَّ الله هارون قائلًا له: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ لْمُفْسِدِينَ، وصالحو البشر يخاطبون قارون قائلين له: وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.
الفسادُ في الأرض خُلُق اللّئام من البشر، والله لا يحبّ المفسدين ولا يصلِح عملَهم، قال تعالى عن أعدائه اليهود: وَيَسْعَوْنَ فِى الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، وقال تعالى عن موسى ومخاطبته آلَ فرعون: فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] .