فهرس الكتاب

الصفحة 2977 من 3028

ياسين الحافظ ومالك بن نبي:

بعد أن يقدم الكاتب عرضًا مفصلًا لمصطلح الأفكار عند مالك بن نبي, يتنقل للحديث عن شخصيتين مختلفتين جدًا, بل ربما متناقضتين, ولكن الكاتب وجد في أفكارهما تشابهًا جديرًا بالدراسة والتأمل, هما مالك بن نبي الذي يُصنّف على أنه كاتب إسلامي, وياسين الحافظ اليساري الماركسي! (أجد أنه من الضروري أن أنبه القارئ الكريم إلى خطأ مطبعي في الكتاب جعل مقال محمد شاويش عن مالك وبن نبي وياسين الحافظ وكأنه فقرة من المقال السابق عن أفكار مالك, حيث أن دار النشر أغفلت إدراج مقال مالك بن نبي وياسين الحافظ في فهرس الكتاب, ووضعته مباشرة تحت مقال الأفكار عند مالك, فبدا وكأنه تابع له, مع أن المقال منفصل تمامًا, وهو يأتي في أهميته, برأيي, بعد المقال الذي تحدث فيه الكاتب عن موقع مالك بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر) .

قد يستغرب القارئ أن يكون هناك تشابه في أفكار الرجلين, ولكن الكاتب يلخص وجه التشابه بينهما بقوله:"ما يضع ياسين الحافظ ومالك بن نبي في طرف واحد في الفكر السياسي الحضاري العربي المعاصر هو أنهما خلافًا لبقية المفكرين تبنوا توجيهًا وحيدًا لمواطنيهما يمكن له أن يخرجهم من حالة الأفول الحضاري التي يعيشونها، ألا وهو التركيز على التغيير الداخلي، وعدم الاكتفاء بإلقاء اللوم على الطرف الخارجي وجعل المعركة معه هي وحدها الكفيلة بحل أزمة الوضع الدوني لمجتمعنا في العالم" (مالك بن نبي والوضع الراهن, ص 103, 104) .

قام محمد شاويش بتقديم دراسة مقارنة أظهرت"أن مقارنة الفكرين ودراسة التقاطعات بينهما قمينة أن تعلمنا أشياء كثيرة عن السمات المميزة للفكر العربي المعاصر التي تتجاوز الانقسامات الظاهرية بين يمين ويسار وتدين وعلمانية إلخ.. والسمات المشتركة للاتجاهات الفكرية العربية ناتجة من سبب موضوعي هو أنها تتعامل مع مشاكل واحدة، وسبب ذاتي هو أن أصحاب هذه الاتجاهات هم في النهاية رغم تناقضاتهم الظاهرية أبناء ثقافة واحدة تمارس تأثيرها عليهم وعلى أنماط تفكيرهم بطرق شعورية ولا شعورية" (مالك بن نبي والوضع الراهن, ص 104) .

وأعتقد أن دراسة كهذه تكمن أهميتها بأنها تنبهنا إلى وجوب الاستفادة من الأفكار المتنوعة التي يقدمها المفكرون الباحثون في النهضة بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية. فالقارئ العربي عمومًا, تعوّد أن يقرأ الأفكار من خلال انتماءات أصحابها وتصنيفاتهم, فهناك من أهمل دراسة مالك كونه كان يعتبره مفكرًا إسلاميًا رجعيًا(وقد سمعت محاضرًا يصف كيف وقع ضحية هذا الأمر, رغم أنه مفكر تأصيلي كما يصفه محمد شاويش, وهو غريغوار مرشو فقال: كنت لما أشاهد كتب مالك أتحسس منها ولا أريد قراءتها خشية التعصب الديني, فأنا كنت أعرف أنه رجل يحسب على رجال الدين. وعلى هذا ظل فترة من الزمن يبتعد عن قراءة مالك لأنه صنّفه تحت بند التعصب الديني, إلى أن أكتشف أن مالك هو أول رجل عربي حديث يفكر, ووجد أن هناك توافقًا فطريًا بينه وبين مالك!.

وأعتقد أن ما حصل مع مفكر كغريغوار, وهو لمن لا يعرفه, مفكر أصيل وكتاباته جديرة بالقراءة والتأمل, يقع فيه معظمنا أيضًا, سواء كنا نميل للاتجاه الإسلامي, أو الاتجاهات الأخرى).

وكما أُهمل مالك لأنه صُنّف, كذلك أهمل ياسين الحافظ. بل إن الرجلين لم يُقرأا, حتى من قبل أنصارهما, قراءة مفيدة وصحيحة!.

وهنا تكمن أهمية هذه الدراسة المقارنة التي قدمها محمد شاويش, والتي بيّن فيها طريقة الرجلين في بحثهما في حالة الانحطاط العربي, وكيف أنه على الرغم من اختلاف طريقة كل منهما في البحث إلا أنهما وصلا إلى نتيجة مشتركة تدعو"إلى تغيير الذات، في مواجهة الاتجاه الآخر الأكثر تأثيرًا بكثير الذي يمكن توصيفه بأنه اتجاه التركيز على الصراع مع الخارج وعد الخارج المسؤول الأول (وأحيانًا يعد المسؤول الأول والأخير!) عن المشاكل التي يعاني منها المجتمع العربي - الإسلامي ( وهذا الخارج هو الاستعمار والأنظمة التابعة له ) ." (مالك بن نبي والوضع الراهن , ص103) .

خاتمة:

إن هذا الكتاب, رغم صغر حجمه (134 صفحة!) يعتبر في رأيي, من الدراسات القليلة أو ربما الوحيدة, التي تعاملت مع فكر مالك بن نبي تعاملًا عمليًا, ونبّهت إلى أفكاره وعلاقتها بوضعنا الراهن. والكاتب يتناول أفكار مالك على هذا الأساس في مقالاته دائمًا.

وأعتقد أن هذه الطريقة هي المطلوبة في وضعنا الراهن, فالتخبط الذي نعيش فيه, والمشاكل التي تعصف بنا, جعلتنا نفقد التمييز بين الصح والخطأ, وأوقعتنا في مشاكل كثيرة, يرى كثيرون أن الخروج منها بات أقرب للمستحيل!

وفي الختام أرى أنه من المفيد الإشارة إلى مقال صغير كتبه محمد شاويش, و نُشر في مواقع إلكترونية عديدة منها موقع الشهاب, بعنوان (لو كان مالك في غزة!) تناول فيه الأحداث المؤلمة التي جرت في غزة, أقتبس للقارئ الكريم منه عبارة مهمة أحب أن تكون خاتمة لمقالي هذا حيث قال:"لو كان مالك بن نبي في غزة لنصح الفلسطينيين بسياسة تستحق اسمها لا بسياسة زائفة يسميها اسمًا احتقاريًا"بوليتيكا"وهو يصفها هكذا:"هذه السياسة الخرقاء ما زالت تخفي العناصر الحقيقية للمشكلة عن ابن المجتمع: فهو يتكلم حيث يلزمه أن يعمل، وهو يلعن الاستعمار حيث يجب عليه أن يلعن القابلية للاستعمار"!"

أم كان أساسه قديما؟

ابن الجزيرة

يقال ان أحدهم ذهب إلى مكان ممنوع-أخلاقيا- فوجد أحد المعارف هناك. فسأله ماذا تفعل هنا؟ فقال وما الذي تفعله أنت هنا ..؟

ربما كانت هذه الحكاية تعبر عن حال الأنظمة العربية عموما ( و العروبية بشكل خاص) .

ففي مطلع القرن الماضي (القرن 20) أسس الغرب ( أوروبا) لإيجاد دول عربية في المنطقة وفق مخطط (إتفاقية سايكس بيكو) على حساب الدولة العثمانية التي كانت تمثل الوجه الإسلامي في الحكم ضمن جغرافية الحكم في العالم،وكانت الدولة العثمانية تشكل إمبراطورية تلم شمل المسلمين جميعا (تركا وعربا وكردا وشركسا وغيرهم) وتوفر لهم -في المستوى الاقتصادي والاجتماعي فسحة شاسعة للتحرك بدون هوية أو باسبورت. ولكن أوروبا سخّر العرب لتقويض هذه الدولة (العثمانية) والتي أبت أن تبيع فلسطين لإسرائيل، ودفعت لذلك ثمنا بالوعد بسقوطها من صهيوني (قرّصو) قالها صراحة [i] : (( أنت رفضت عرضنا، ولكن هذا الرفض سيكلفك أنت شخصيا،ويكلف مملكتك كثيرا ) ). قال ذلك بعد رفض السلطان عبد الحميد عرضه،وهو (( خمسة ملايين ليرة ذهبية لخزينتكم الخاصة،ومئة مليون كقرض لخزينة الدولة بلا فائدة. على أن تسمحوا لنا ببعض الامتيازات في فلسطين ) ). ويعلق الدكتور محمد سعيد البوطي )) ترى ما هو موقف (العميان الكبار) من أتباع الماسونية في بلادنا من هذه الحقائق؟ )) .

وإنني أتساءل معه:مَنْ من الحكام العرب رفض عرضا كهذا في المرحلة القومية العروبية، والتي كانت من بعض أسباب إسقاط الخلافة العثمانية الإسلامية ؟ هذا الإسلام الذي يحاولون أن يتخذوه مطية لأطماع قد تكون رخيصة فعلا..؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت