فهرس الكتاب

الصفحة 2979 من 3028

الربوبية المطلقة

التوجه إلى الله بالحمد يمثل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره لله - كما أسلفنا- أما شطر الآية الأخير: { رب العالمين } فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي ، فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية . . والرب هو المالك المتصرف ، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية . . والتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين - أي جميع الخلائق - والله - سبحانه - لم يخلق الكون ثم يتركه هملًا . إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه . وكل العوالم والخلائق تحفظ وتُتعهد برعاية الله رب العالمين . والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة .

والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل ، والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة . وكثيرًا ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد للكون ، والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة . ولقد يبدو هذا غريبًا مضحكًا . ولكنه كان وما يزال . ولقد حكى لنا القرآن الكريم عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة: { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } كما قال عن جماعة من أهل الكتاب: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام ، تعج بالأرباب المختلفة ، بوصفها أربابًا صغارًا تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون!

فإطلاق الربوبية في هذه السورة ، وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعًا ، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة .

لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد ، تقر له بالسيادة المطلقة ، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة ، وعنت الحيرة كذلك بين شتى الأرباب . . ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة . وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبدًا ولا تفتر ولا تغيب ، لا كما كان أرقى تصور فلسفي لأرسطو مثلًا يقول بأن الله أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به ، لأن الله أرقى من أن يفكر فيما هو دونه! فهو لا يفكر إلا في ذاته! وأرسطو - وهذا تصوره - هو أكبر الفلاسفة ، وعقله هو أكبر العقول!

لقد جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار . . يختلط فيها الحق بالباطل ، والصحيح بالزائف ، والدين بالخرافة ، والفلسفة بالأسطورة . . والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون ، ولا يستقر منها على يقين .

وكان التيه الذي لا قرار فيه ولا يقين ولا نور ، هو ذلك الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها ، وصفاته وعلاقته بخلائقه ، ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص .

ولم يكن مستطاعًا أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون ، وفي أمر نفسه وفي منهج حياته ، قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدته وتصوره لإلهه وصفاته ، وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح مستقيم في وسط هذا العماء وهذا التيه وهذا الركام الثقيل .

ولا يدرك الإنسان ضرورة هذا الاستقرار حتى يطلع على ضخامة هذا الركام ، وحتى يرود هذا التيه من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري ، والتي أشرنا إلى طرف منها فيما تقدم صغير . ( و سيجيء في استعراض سور القرآن الكثير منها ، مما عالجه القرآن علاجًا وافيًا شاملًا كاملًا ) .

ومن ثم كانت عناية الإسلام الأولى موجهه إلى تحرير أمر العقيدة ، وتحديد التصور الذي يستقر عليه الضمير في أمر الله وصفاته ، وعلاقته بالخلائق ، وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين .

ومن ثم كان التوحيد الكامل الخالص المجرد الشامل ، الذي لا تشوبه شائبة من قريب ولا من بعيد . . هو قاعدة التصور التي جاء بها الإسلام ، وظل يجلوها في الضمير ، ويتتبع فيه كل هاجسة وكل شائبة حول حقيقة التوحيد ، حتى يخلصها من كل غبش . ويدعها مكينة راكزة لا يتطرق إليها وهم في صورة من الصور . . كذلك قال الإسلام كلمة الفصل بمثل هذا الوضوح في صفات الله وبخاصة ما يتعلق منها بالربوبية المطلقة . فقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه الفلسفات والعقائد كما تخبط فيه الأوهام والأساطير .

.مما يتعلق بهذا الأمر الخطير ، العظيم الأثر في الضمير الإنساني . وفي السلوك البشري سواء .

والذي يراجع الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله وصفاته وعلاقته بمخلوقاته ، هذا الجهد الذي تمثله النصوص القرآنية الكثيرة . . الذي يراجع هذا الجهد المتطاول دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل في ذلك التيه الشامل الذي كانت البشرية كلها تهيم فيه . . قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر ، وإلى كل هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير . . ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد المتطاول ، كما تكشف عن مدى عظمة الدور الذي قامت به هذه العقيدة - وتقوم في تحرير الضمير البشري وإعتاقه؛ وإطلاقه من عناء التخبط بين شتى الأرباب وشتى الأوهام والأساطير!

وإن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها . . كل هذا لا يتجلى للقلب والعقل كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية من العقائد والتصورات ، والأساطير والفلسفات! وبخاصة موضوع الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم . . عندئذ تبدو العقيدة الإسلامية رحمة . رحمة حقيقية للقلب والعقل ، رحمة بما فيها من جمال وبساطة ، ووضوح وتناسق ، وقرب وأنس ، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق .

التدرج في تحريم الخمر

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43) سورة النساء

إنها حلقة في سلسلة التربية الربانية للجماعة المسلمة - التي التقطها المنهج الإسلامي من سفح الجاهلية - وكانت الخمر إحدى تقاليد المجتمع الجاهلي الأصلية الشاملة ; وإحدى الظواهر المميزة لهذا المجتمع . كما أنها تكاد تكون ظاهرة مميزة لكل جاهلية في القديم والحديث أيضا . . الخمر كانت ظاهرة مميزة للمجتمع الروماني في أوج جاهليته ; وللمجتمع الفارسي أيضا . وكذلك هي اليوم ظاهرة مميزة للمجتمع الأوربي والمجتمع الأمريكي في أوج جاهليته ! والشأن أيضا كذلك في جاهلية المجتمع الإفريقي المتخلفة من الجاهلية الأولى !

في السويد - وهي أرقى أو من أرقى أمم الجاهلية الحديثة - كانت كل عائلة في النصف الأول من القرن الماضي تعد الخمر الخاصة بها . وكان متوسط ما يستهلكه الفرد , حوالي عشرين لترا . وأحست الحكومة خطورة هذه الحال , وما ينشره من إدمان ; فاتجهت إلى سياسة احتكار الخمور , وتحديد الاستهلاك الفردي , ومنع شرب الخمور في المحال العامة . . ولكنها عادت فخففت هذه القيود منذ أعوام قليلة ! فأبيح شرب الخمر في المطاعم بشرط تناول الطعام . ثم أبيحت الخمر في عدد محدود من المحال العامة , حتى منتصف الليل فقط ! وبعد ذلك يباح شرب"النبيذ والبيرة"فحسب ! وإدمان الخمر عند المراهقين يتضاعف . . !

أما في أمريكا , فقد حاولت الحكومة الأمريكية مرة القضاء على هذه الظاهرة فسنت قانونا في سنة 1919 سمي قانون"الجفاف"! من باب التهكم عليه , لأنه يمنع"الري"بالخمر ! وقد ظل هذا القانون قائما مدة أربعة عشر عاما , حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائه في سنة 1933 . وكانت قد استخدمت جميع وسائل النشر والإذاعة والسينما والمحاضرات للدعاية ضد الخمر . ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليونا من الدولارات . وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على عشرة بلايين صفحة . وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاما لا يقل عن 250 مليون جنيه . وقد أعدم فيها 300 نفس ; وسجن كذلك 335ر532 نفسا . وبلغت الغرامات 16 مليون جنيه . وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة بلايين جنيه . . وبعد ذلك كله اضطرت إلى التراجع وإلغاء القانون .

فأما الإسلام فقضى على هذه الظاهرة العميقة في المجتمع الجاهلي . . ببضع آيات من القرآن .

وهذا هو الفرق في علاج النفس البشرية وفي علاج المجتمع الإنساني . . بين منهج الله , ومناهج الجاهلية قديما وحديثا على السواء !

ولكي ندرك تغلغل هذه الظاهرة في المجتمع الجاهلي , يجب أن نعود إلى الشعر الجاهلي ; حيث نجد"الخمر"عنصرا أساسيا من عناصر المادة الأدبية ; كما أنه عنصر أساسي من عناصر الحياة كلها .

لقد بلغ من شيوع تجارة الخمر , أن أصبحت كلمة التجارة , مرادفة لبيع الخمر . . يقول لبيد:

قد بت سامرها وغاية تاجر وافيت إذ رفعت وعز مدامها

ويقول عمرو بن قميئة:

إذا أسحب الريط والمروط إلى أدني تجاري وأنفض اللمما

ووصف مجالس الشراب , والمفاخرة بها تزحم الشعر الجاهلي , وتطبعه طابعا ظاهرا .يقول امرؤ القيس:

(وأصبحت ودعت الصبا غير % أنني أراقب خلات من العيش أربعا)

(فمنهن قولي للندامى:تفرفقوا % يداجون نشاجا من الخمر مترعا)

(ومنهن ركض الخيل ترجم بالقنا % يبادرن سربا آمنا أن يفزعا) . . . الخ

ويقول طرفة بن العبد:

(فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى % وجدك لم أحفل متى قام عودي)

فمنهن سبقي العاذلات بشربة % كميت متى ما تعل بالماء تزبد)

(وما زال تشرابي الخمور ولذتي % وبذلي وإنفاقي طريفي وتالدي)

(إلى أن تحامتني العشيرة كلها % وأفردت إفراد البعير المعبد)

ويقول الأعشى:

(فقد أشرب الراح قد تعلمين % يوم المقام ويوم الظعن)

(وأشرب بالريف حتى يقال % قد طال بالريف ما قد دجن)

ويقول المنخل اليشكري:

(ولقد شربت من المدامة % بالصغير وبالكبير)

(فإذا سكرت فإنني % رب الخورنق والسدير)

(وإذا صحوت فإنني % رب الشويهة والبعير)

وغير هذا كثير في الشعر الجاهلي . .

ورواية الحوادث التي صاحبت مراحل تحريم الخمر في المجتمع المسلم , والرجال الذين كانوا أبطال هذه الحوادث . . وفيهم عمر , وعلي , وحمزة , وعبدالرحمن بن عوف . . وأمثال هذا الطراز من الرجال . . تشي بمدى تغلغل هذه الظاهرة في الجاهلية العربية . وتكفي عن الوصف المطول المفصل:

يقول عمر رضي الله عنه في قصة إسلامه . . في رواية . ."كنت صاحب خمر في الجاهلية . فقلت لو أذهب إلى فلان الخمار فأشرب . . ."

وظل عمر يشرب الخمر في الإسلام . حتى إذا نزلت آية: (يسألونك عن الخمر والميسر . قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس , وإثمهما أكبر من نفعهما) . . قال:"اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر". . واستمر . . حتى إذا نزلت هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) . . قال:اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر ! حتى إذا نزلت آية التحريم الصريحة: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر , ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) . . قال:انتهينا انتهينا ! وانتهى . .

وفي سبب نزول هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) ترد روايتان يشترك في أحداثهما علي وعبد الرحمن بن عوف من المهاجرين . وسعد بن معاذ من الأنصار .

روى ابن أبى حاتم:حدثنا يونس بن حبيب , حدثنا أبو داود - بإسناده - عن مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال:نزلت في أربع آيات . صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار . فأكلنا وشربنا , حتى سكرنا , ثم افتخرنا , فرفع رجل لحي بعير [ عظم الفك ] فغرز بها أنف سعد . فكان سعد مغروز الأنف . وذلك قبل تحريم الخمر . فنزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) . . والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة .

وروى ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن عمار . حدثنا عبد الرحمن بن عبدالله الدشتكي أبو جعفر . عن عطاء بن السائب , عن أبى عبد الرحمن السلمي , عن علي بن أبي طالب قال:"صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما , فدعانا , وسقانا من الخمر , فأخذت الخمر منا , وحضرت الصلاة , فقدموا فلانا قال:فقرأ:قل يا أيها الكافرون . ما أعبد ما تعبدون . ونحن نعبد ما تعبدون ! فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ."

ولا نحتاج إلى مزيد من الأمثلة والروايات ; لندلل على تغلغل ظاهرة الخمر في المجتمع الجاهلي . فهي كانت والميسر , الظاهرتين البارزتين ; المتداخلتين , في تقاليد هذا المجتمع . .

فماذا صنع المنهج الرباني لمقاومة هذه الظاهرة المتغلغلة ? ماذا صنع لمكافحة هذه الآفة , التي لا يقوم معها مجتمع جاد صالح مستقيم واع أبدا ? ماذا صنع ليقف في وجه عادة أصلية قديمة , تتعلق بها تقاليد اجتماعية ; كما تتعلق بها مصالح اقتصادية ?

لقد عالج المنهج الرباني هذا كله ببضع آيات من القرآن ; وعلى مراحل , وفي رفق وتؤدة . وكسب المعركة . دون حرب . ودون تضحيات . ودون إراقة دماء . . والذي أريق فقط هو دنان الخمر وزقاقها وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين - حين سمعوا آية التحريم - فمجوها من أفواهم . ولم يبلعوها . كما سيجيء !

في مكة - حيث لم يكن للإسلام دولة ولا سلطان . . إلا سلطان القرآن - وردت في القرآن المكي تلميحة سريعة إلى نظرة الإسلام للخمر . تدرك من ثنايا العبارة . وهي مجرد إشارة:

جاء في سورة النحل: (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنًا) . . فوضع"السكر"وهو الشراب المسكر الذي كانوا يتخذونه من ثمرات النخيل والأعناب , وفي مقابل الرزق الحسن ! ملمحا بهذا التقابل إلى أن السكر شيء . والرزق"الحسن"شيء آخر . . وكانت مجرد لمسة من بعيد ; للضمير المسلم الوليد !

ولكن عادة الشراب , أو تقليد الشراب - بمعنى أدق - فقد كان أعمق من عادة فردية . كان تقليدا اجتماعيا , له جذور اقتصادية . . كأن أعمق من أن تؤثر فيه هذه اللمسة السريعة البعيدة .

وفي المدينة حيث قامت للإسلام دولة وكان له سلطان . . لم يلجأ إلى تحريم الخمر بقوة الدولة وسيف السلطان . إنما كان أولا سلطان القرآن . .

وبدأ المنهج عمله في رفق وفي يسر , وفي خبرة بالنفس البشرية , والأوضاع الاجتماعية . .

بدأ بآية البقرة ردا على أسئلة تدل على فجر اليقظة في الضمير المسلم ضد الخمر والميسر: (يسألونك عن الخمر والميسر . قل:فيهما إثم كبير , ومنافع للناس . . وإثمهما أكبر من نفعهما . .)

وكانت هي الطرقة الأولى , ذات الصوت المسموع . . في الحس الإسلامي , وفي الضمير الإسلامي , وفي المنطق الفقهي الإسلامي . . فمدار الحل والحرمة . . أو الكراهية . . على رجحان الإثم أو رجحان الخير , في أمر من الأمور . . وإذا كان إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما . . فهذا مفرق الطريق . .

ولكن الأمر كان أعمق من هذا . . وقال عمر - رضي الله عنه:"اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر". . عمر !!! وهذا وحده يكفي لبيان عمق هذا التقليد في نفس العربي !

ثم حدثت أحداث - كالتي رويناها - ونزلت هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى , حتى تعلموا ما تقولون) . .

وأخذ المنهج البصير الرفيق يعمل . .

لقد كانت هذه هي المرحلة الوسيطة , بين التنفير من الخمر , لأن إثمها أكبر من نفعها , وبين التحريم البات , لأنها رجس من عمل الشيطان . وكانت وظيفة هذه المرحلة الوسيطة:هي"قطع عادة الشراب"أو"كسر الإدمان". . وذلك بحظر الشراب قرب أوقات الصلاة . وأوقات الصلاة موزعة على مدار النهار . وبينها فترات لا تكفي للشراب - الذي يرضي المدمنين - ثم الإفاقة من السكر الغليظ ! حتى يعملوا ما يقولون ! فضلا على أن للشراب كذلك أوقاتا ومواعيد خاصة من الصبوح والغبوق . . صباحا ومساء . . وهذه تتخللها وتعقبها أوقات الصلاة . . وهنا يقف ضمير المسلم بين أداء الصلاة وبين لذة الشراب . . وكان هذا الضمير قد بلغ أن تكون الصلاة عنده عماد الحياة . .

ومع ذلك . . فقد قال عمر رضي الله عنه - وهو عمر !!! -"اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر". .

ثم مضى الزمن . ووقعت الأحداث . وجاء الوعد المناسب - وفق ترتيب المنهج - للضربة الحاسمة . فنزلت الآيتان في المائدة: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان , فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر , ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة , فهل أنتم منتهون ?) . .

وانتهى المسلمون كافة . وأريقت زقاق الخمر , وكسرت دنانها في كل مكان . . بمجرد سماع الأمر . . ومج الذين كان في أفواههم جرعات من الخمر ما في أفواههم - حين سمعوا ولم يبلعوها وهي في أفواههم وهم شاربون .

لقد انتصر القرآن . وأفلح المنهج . وفرض سلطانه - دون أن يستخدم السلطان !!!

ولكن كيف كان هذا ? كيف تمت هذه المعجزة , التي لا نظير لها في تاريخ البشر ; ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والقوانين والإجراءات الحكومية في أي مكان , ولا في أي زمان ?

لقد تمت المعجزة , لأن المنهج الرباني , أخذ النفس الإنسانية , بطريقته الخاصة . . أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته , وبحضور الله - سبحانه - فيها حضورا لا تملك الغفلة عنه لحظة من زمان . . أخذها جملة لا تفاريق . . وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت