ومن الأسف أننا وهبنا ـ للغرب ـ قلوبنا وعقولنا، ووضعنا أنفسنا في القالب الذي يوافقه. لقد كان كل هذا نتيجة حتمية لهذا المسخ والتقليد والتبعية المطلقة والتهالك على الطارئ.. كل ذلك أردى أدبنا العربي في أوحال المادية والعبثية والفحش، وأجهض الكلمة الطيبة بالغموض والنثرية. وتتمثل هذه التبعية ـ بوضوح شديد ـ في المناهج النقدية، وفي فصل الأدب عن الفكر الإسلامي، وبإعلاء الشخصيات المشبوهة، وبالسقوط الأخلاقي، وبضرب لغة القرآن، ومحاكمة الشخصيات الإسلامية بمعايير مادية وفلسفية، وكسر الثوابت، والإيمان بشمولية التغير واستمراره.
كذلك، فإن من أشد آثار التغريب والتقليد الفج للآداب الأجنبية أنك تجد الأدب العربي الحديث يعيش بلا هوية، وبلا تماسك، وبلا خصوصية.. وأعقب ذلك نهوض أقلام مؤثرة لنبش العفن في موروثنا الأدبي، بحجة أنه موروث، فجاء إحياء الفكر الاعتزالي، والوثني، وشعر الخمر، والمجون، والغزل الفاحش، كما أعيدت ظواهر أدبية وشخصيات مشبوهة لم تكن حاضرة في الذهن رغبة في تحولها إلى قدوة سيئة للناشئة؛ فمثلًا تجد الصعاليك، والزنادقة والشعوبيين والباطنيين، وغلاة المتصوفة، كل أولئك يترددون على ألسنة الأدباء وبشكل لم يسبق له مثيل.
ليس هذا فحسب، بل إن هذا الأدب العربي الحديث ـ بكل أجناسه قد ازداد تأثرًا بالمذاهب الأدبية الغربية في لهاث مسعور منذ منتصف القرن العشرين، وتحول بعضه على يد «المتغربين» إلى دعوات فاجرة وهجوم شرس على العقيدة الإسلامية وتراثها، وصار جهدًا دؤوبًا لتأصيل القيم الغربية في الفن والحياة، ولم يقتصر التأثير على استعادة الأدوات الفنية، بل امتد إلى الخلفيات الفكرية والفلسفية التي تصدر عنها المذاهب الأدبية الغربية، وقد صدرت قصص ودواوين تحمل صورتها وتدعو إليها صراحة وضمنًا.
وتبعًا لذلك.. فقد توزع قسم من أدبنا خلف الأيديولوجيات المختلفة، فوجدت الماركسية قبل سقوطها أدباء يجسدون أفكارها، ويدعون ـ من خلال أعمالهم الأدبية ـ إلى الالتحاق بها، ووجدت نقادًا يجتهدون في تثبيت الواقعية الاشتراكية «الصياغة الأدبية للماركسية» .
وبالمثل تمامًا.. فقد وجدت الكتلة الغربية أبواقًا تدعو بقوة إلى اعتناق حضارتها وتقليد فنونها وآدابها..
ومما يدعو للدهشة أن تجد أن النصرانية التي هزمت في بلادها وعزلت عن الحياة منذ عصر النهضة، قد دخلت بفضل الغزو الفكري المكثف والضخ الغربي المستمر، إلى نتاج عدد من أدبائنا.. وقد خلف هذا التيار وذاك آثارًا خطيرة في الأدب المعاصر، في مقدمتها الرموز النصرانية المتفشية في الشعر الحديث، وقصص الإنجيل التي أصبحت مادة أساسية لعدد كبير من الشعراء القاصين.
إلى جانب هذا، وذاك، قد تجد أدبًا وجوديًا، وماركسيًا، ومذاهب واتجاهات تسرح وتمرح في وسطنا، وتسهم في تلويث وعينا، يتبنّاها أبناء المسلمين ويبشرون بها، ويسعون لتكريسها، أو على الأقل يمنحونها مشروعية الوجود، ولا يجدون غضاضة من معاشرتها، وطرد الغربة عنها.
وهكذا اختلطت الأصوات... وتوزع قسم وافر من أدبنا المعاصر وراء المذاهب الأدبية الغربية «المستوردة» ، وحمل أدواتها الفنية من جهة أخرى، ففقد كثيرًا من ملامح الشخصية العربية الإسلامية، وتحول إلى حربة تهاجم الإسلام والمسلمين في عقر دارهم.
ومما يزيد الطين بلة ظهور أعمال أدبية تعبث بالقيم الخلقية ـ التي يحرص عليها الإسلام ـ عبثًا شديدًا، وتصور العفن والهبوط والنزوات الجنسية المحرمة على أنها عواطف إنسانية رقيقة جديرة الاهتمام، وتسوّغ التحلل والتفسخ وتسعى إلى ترسيخه في أعماق الشباب والفتيات تحت ستار الحرية الشخصية.
وقد لاقى هذا الأدب الرخيص تشجيعًا من بعض الأجهزة ومن الهيئات والمؤسسات الثقافية والإعلامية في كثير من بلادنا المغلوبة على أمرها... كما أقبلت دور النشر على هذا الأدب المكشوف في سباق محموم، وغطى واجهات المكتبات، بل وتسلل ـ بكل ما فيه من إثارة وتهديم ـ إلى حقائب المدارس ومخادع النوم..
وصارت هذه الأعمال ـ بفضل التطبيع والتغريب والأمركة ـ صارت عنوانًا لـ «التنوير» و «الموديرنزم» ، وشعارًا لـ «الحداثة» ، وطريقًا لـ «التفكير العلمي» الصحيح، وتمشيًا مع «روح العصر» وآفاقه وأشواقه الحارة.
ومع كل ما فعله ـ هؤلاء القوم ـ من بني جلدتنا، فإن إيماننا أن الثقافة العربية والإسلامية لهي أقوى من أن تشوه روعتها بعض الأتربة العابرة، أو أن يطمس نورها الذين يحاولون حجب الشمس بغربالهم الهزيل.
وأخيرًا: أرجو ألا أكون قد نكَّرت لأحد عرشه، أو وضعت «السقاية» في رحله... فأنا لم أجهر بالقول ولم أخافت، ولعلِّي ابتغيت وراء ذلك سبيلًا..
(( *) ) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالم
السنة السابعة عشرة * العدد 190*جمادى آخرة 1424هـ * أغسطس 2003م
السلام على من اتبع الهدى
إخواني وأخواتي
أنقل لكم هنا، إحدى ندوات مجلة البيان، حول موضوع العلمانية والفن، وهي من سلسلة المواضيع التي بدأت باختيارها لمناهضة أفكار من يدعو للحداثة في لغتنا العربية، ويموهون بكلمات يصعب فهمها.
إعداد: وائل عبد الغني
ضيوف الندوة:
? د. إبراهيم الخولي ـ أستاذ البلاغة والأدب المتفرغ بكلية اللغة العربية ـ جامعة الأزهر .
? د. عبد العظيم إبراهيم المطعني ـ أستاذ البلاغة والأدب المتفرغ بكلية اللغة العربية ـ فرع إيتاي البارود ـ جامعة الأزهر.
? د. حلمي محمد القاعود ـ أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الآداب ـ جامعة طنطا.
? الأستاذ: محمود خليل ـ الإعلامي المعروف وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
البيان: موضوع هذه الندوة غاية في الوضوح غاية في التعقيد يلمس أثره المؤمن بإيمانه، ويكشف أبعاده المدقق بإمعانه. والقضية تحتاج في ابتدائها إلى تحديد مفهومي العلمانية والفن باتخاذهما مدخلًا لمعالجتها.
ماهية العلمانية
? د. إبراهيم الخولي:
قضية العلمانية هي قضية المجتمع الإسلامي المعاصر ـ ليس اليوم فقط ـ وإنما منذ فترة طويلة؛ فالعلمانية في العالم الإسلامي هي راسب من رواسب الاستعمار، وإذا كانت تبدو اليوم عالية الصوت فليس لكونها استفادت قوة؛ وإنما لأن مواجهتها في العالم الإسلامي هي التي منيت بالضعف، وهي تأخذ مفهومين متطورين: في البداية أخذت مفهوم فصل الدين عن الدولة، وانتهت إلى نبذ الدين جملة ومحاربته حربًا لا هوادة فيها. وكلنا يعرف مقولة ماركس الشهيرة: «الدين أفيون الشعوب» ، ولذلك رأى الماركسيون ومن لف لفهم من العلمانيين أن الدين هو المسؤول الأول عن طغيان الرأسمالية والطبقية، وعن المظالم الاجتماعية، وعن جرائم مؤسسات البنية العليا، وأن الدين هو المسؤول عن تخدير الشعوب واستكانتها لجلاديها ومن ثم لا صلاح للمجتمع الإنساني إلا بإقصاء الدين جملة.